"قرآن العراق"والقراءة الرابعة!!/2أ

Submitted by alaa on اثنين, 10/07/2019 - 01:05

عبدالاميرالركابي
تشبه انتفاضة مفتتح الشهر الجاري العراقية 2019، انتفاضة 1948 ،عندهما معا يتحقق الفرز الصعب، والحالي منه الأصعب، بين كتلة أحزاب ماقبل الدولة المتسيدة بظل الفراغ الثالث في حيز الدولة، وبين الحركة الشعبية، مع فارق نوعي وزمني، ففئة السراق المهيمنة اليوم ماعاد بمقدورها ان لاتفصح عن طبيعتها اللصوصية الدموية، فاجبرت من دون روية ولا تمعن، على استخدام السلاح والعنف ذعرا، من دون ان تسمع اليوم "اخي جعفر يارواء الربيع" يصدح بها الجواهري فوق جسر الشهداء، حيث "دانوكه" التي انتزعت العلم من بين الايدي وصاحت بالمتظاهرين المضطربين امام سيل الدماء فوق الجسر"هااخوتي ها"(1) وتقدمت لتتقدم بعدها الجموع ويعتدل صفها،بمواجهة الرشاش المنصوب على الجامع لجهة الكرخ. لم يكن ممكنا لاحزاب ماقبل الدولة الطائفية المحاصصاتية سارقة المال العام، ان لاتقدم على ارتكاب جريمتها الانتحارية التي لاامل لها بالاستمرار بعدها اليوم، فلقد اذهلتها مفاجاة إخراجها العملي المادي من نطاق الفعل المفترض المتوهم، بحيث وجدت نفسها "خارجا" قياسا بحركة الشعب والجماهير، فاذا المعادلة التاريخية تستعاد متبلورة وصارخة من جديد : "معسكران"و "امتان".
هل يمكن اعتبار اللحظتين من قبيل الصفحتين المتعاقبيتين ضمن فصل واحد، حيث الوجوب الطاريء والمؤقت للتعبير الايديلوجي الحزبي اولا، وصولا لانتهاء أسبابه بعد تحوله هو بالذات الى اطار اعلى متحكم ونافذ بعد ثورة مجتمع اللادولة الحديثة الثانية في 14 تموز،1958 يوم صار الريع النفطي اسمنت الدولة، إضافة للنواة القرابية العائلية، والحزب العقائدي الشمولي المؤدلج، الامر الذي يبرز في العصر الحديث وكانه قانون خاص بمواضع اللادولة، التي يستحيل فيها قيام الدول القاهرة المتناغمة مع اشكال الدول السائدة في المعمورة بظل هيمنة الغرب وحداثته ونموذجه،.فاستحالة الدولة في مجتمع اللادولة الأحادي الجزيري الخاضع لاقتصاد الغزو، توفر حل عقدتها أخيرا مع ظهور النفط وتحقق ثلاثية ( النواة القرابية القبلية/ الريع النفطي/ والدين بصفته ايديلوجيا في خدمة الدولة، بعكس ماكان عليه يوم ظهر في القرن السابع، حين كان عقيدة حولت القبيلة المازومة الى مجتمع عقيدي محارب بطبيعته ومافوق قبلي) في العراق كانت استحالة الدولة المركبة والمفبركة من قبل الغرب والاحتلال، قد ختمت بقيام حكم ( قرابي عائلي/ ريعي نفطي/ وحزب شمولي ايديلوجي من الأحزاب المضادة للدولة في طورها الأول بعد تحويلة الى ايديلوجيا حكم).
لكن الوضع في العراق ليس هو نفسه الحاصل في الجزيرة العربية، فالعراق موضع الازدواج المجتمعي لا الأحادية كما الحال في الجزيرة العربية، وفي حالة الازدواج في مابين النهرين الفريدة على مستوى المعمورة، يلعب الاصطراع الكياني بين الدولتين والمجتمعين( مجتمع اللادولة الأسفل/ ومجتمع الدولة الأعلى الامبراطوري الازدواجي) دورا حاسما وديناميكيا، دفع بالغرب أخيرا لان ينهي بيديه الدولة التي أقامها قبل 82 عاما، وان يسحقها كليا، تحت وطاة احتمالات تحول الاليات الازدواجية غير المنظورة، والامبراطورية، تاريخيا، الى مايضاد، أوقد يخرج عن اشتراطات مايعرف ب ( النظام الدولي)، او نظام الهيمنة الغربي واستراتيجياته النفطية الشرق متوسطية، عدا عن ضمان سلامة وفعالية الركن الأساس في الاستراتيجيات المقصودة ممثلا بكيان إسرائيل.
في الفصل الأول من دولة الفبركة الغربية، لجأ مجتمع اللادولة لأسلحة الغرب نفسها، ووجهها الى نحره، بينما كان يسد ثغرة استمرار تعذر النطق عن الذات في حينه، وكما كان تاريخيا، خلال الدورات الثلاث: السومرية البابلية الابراهيمة الأولى، والعباسية القرمطية الثانية، والحالية الثالثة المستمرة من القرنين السادس والسابع عشر، وهي دورة تحقق ماطال تعذره. ولان الغرب اضطر لان يناقض ذاته، واقام في العراق دولة من خارج النصاب الوطني العراقي ( الامبراطوري) بنيويا وتكوينا، ومن دون اخذ ضرورات نضج عملية التشكل التاريخي بالاعتبار، مايناقض كليا مبدا الحداثة ونموذج دولة الغرب ( الدولة الامة)، عدا عن الخيار القاتل الاخر والمجافي على طول الخط لطبيعة الغرب البرجوازية الراسمالية، باعتماده هو " البرجوازي الراسمالي"سياسة اصطناع اقطاع مفبرك لااساس تاريخي له، في مجتمع المشاع التاريخي لدلتا بين النهرين.
كل هذا فتح ثغرة كبرى في البناء المقام من قبل الإنكليز، ضمانا لبقائهم واستمرار شكل من اشكال نفوذهم شبه المستحيل في العراق، مصدرها الغرب نفسه، ونموذجه المفترض المضاد على طول الخط لما هو قائم وممارس من قبله اضطرارا( دولة حداثة قائمة على مايضاد الحداثة كليا/ علم ودستور ومجلس امة ـ كل عن المعنى الصحيح محرف/ الرصافي )، ماقد جعل نمط الحزبيات الايديلوجية قابلا للنمو السريع والفاعل، منذ نهاية العشرينات، الى ان صار راسخا مع الثلاثينات، وهو يتكيء على دفق الاستقطاب الأقصى المتعاظم بظل هيمنة الغرب بين المجتمعين والمستويين، الامر الذي يفسر قيام اكبر حزبين واكثرهما فعلا في حياة العراق خلال الفترة بين 1921/1958 . الشيوعي، والبعث ( المقصود هنا حزبي فهد يوسف سلمان / فؤاد الركابي) لا حزبي ( صدام حسين / عزيز محمد) المختلفان عن الاولين كليا(2)، وفي الجوهر، في الناصرية جنوبا، لافي العاصمة بغداد، أي في سومر الحديثة، ونقطة بدء تشكل العراق الحديث مع ظهور "اتحاد قبائل المنتفك".
وفي حين تنشا ونشات منذ 2003 حالة فراغ على صعيد الدولة (حدث تكرارا لثلاث مرات في التاريخ الحديث: ابان هزيمة الاتراك عام 1917، واثر ثورة 14 تموز 1958 ،وبعد الغزو الأمريكي 2003 ) وصار الوضع مفتوحا على التبلور الذاتي وعلى شرط اكتشاف الذاتية المفقودة الحتمي، ليصبح ، وشيكا وعلى الأبواب، العالم المضمر والكامن المتعذر في البنية الازدواجية الرافدينية. ولا ينشا الظرف الجديد وشروط تبلوره المتوقعة عن الحال العراقي بذاته منفردا، او بانعزال عن اجمالي الصيرورة الكوكبية، بعد وصول الغرب نهاية الفصل الأول من مسار ثورته البرجوازية، بانتهاء مفعول وحضور الطور المصنعي، وانبثاق الطور التكنولوجي المعرفي، المنتظر والمتلائم فقط مع بنية مجتمع اللادولة، حيث يصبح هذا لأول مرة في التاريخ المجتمعي، قابلا للتجسد وللتحقق باعتباره غاية ومقصد الوجود المجتمعي الاصل.
معنى ذلك ان المجتمعات وجدت حين وجدت بصيغتها الاكمل في ارض سومر، وهي منطوية على سراكبر يقول بان المجتمعات سائرة الى اللامجتمعية، والى الضد مجتمعية، وهذه الحقيقة تترجم في الحياة والواقع بشكل اضطرار الكائن البشري للمرور بطورطويل يتعذر معه ادراك مغزى المجتمعية ومقاصد الوجود المجتمعي، بينما يظل مجتمع "التحولية" قائما محكوما لاشتراطات الانقطاع والدورات الرافدينية، مادامت عملية الإنتاج مستمرة يدويا أولا، وآليا ثانيا، فما ان تنبثق طريقة الإنتاج الثالثة التكنولوجية، حتى يصير المجتمع التحولي المتعذر على الادراك، قابلا للحضور، وتبدا تباشير القراءة الرابعة الكشفية، بعد القراءات الثلاث الالهامية المتماشية مع زمن ماقبل الكشف، مايجعل التجلي السماوي لمجتمع اللادولة الازدواجي الممتنع عن التجسد ارضويا، هو الاخر موزعا على طورين الأول طور النبوة الالهامية الانتظاري والثاني طور التنبوء الكشفي.
يقول قران العراق ان الانسايوان يوجد داخل المجتمعية محكوما لقانون تأخر الطاقة العقلية عن سبر غور الحقيقة المجتمعية الأعلى والاساس، ويظل كذلك على مدى الاف السنين، بدليل ان مايعرف ب "علم الاجتماع"، او اخر العلوم، لم يبدا بالظهور بحالته البدائية المعروفة الى الان،الاعند منتصف القرن التاسع عشر، ظل قبلها الكائن الحيواني حامل العقل، اعجز من ان يحيط بالمجتمعية فضلا عن ان يقارب منطوياتها الابعد.
يسير الكائن الحي ويتحول:
ـ من الخلية الأولى الى الحيوان.
ـ و من الحيوان عبر حلقات تحول تتعاقب الى العضية، واللبونات، وصولا الى الانسايوان الكائن المتشكل بالانتصاب وانبثاق العقل.
ـ لاحياة ولاديمومة تضمن الاستمرار من دون "الطاقة التحولية".
ـ يمر الانسايوان بطورين في طريقه الى المجتمعية، الأول تجمعي، والثاني مجتمعي هو الذي يصير فيه المجتمع ويكتسب خاصية "التحولية"، بانتقالها من الفرد كما كانت فقط عند الحيوان، الى مجتمعية يؤرتها والمتوفر ابتداء على مستوى المعمورة على ممكناتها، هو مجتمع مابين النهرين المحكوم لقانون العيش على حافة الفناء، والمصمم بنيويا وتكوينا بما يتلائم مع عملية التحول من الانسايوان الى مابعده.
ـ ثمة مجتمعية ابتدائية تمهيدية، ماقبل تحولية، يتم اطلاق صفة المجتمعية عليها اعتباطا، مثل اطلاق اسم "الانسان"، على "الانسايوان"، مايجعل للمجتمعية بداية، لامجتمعية قبلها هي تلك التي يمثلها ظهور مجتمع اللادولة السومري السماوي الذي لايتجسد ارضويا.
ـ ينطوي المجتمع التحولي على إمكانية التحول بنيويا، لكنه يعجز عن التحول الا بتوفر الوسيلة المادية الضروررية واللازمة لزوما حتميا، والتي كتب لها ان لاتظهر الا في نهاية الزمن الانسايواني، على انقاض الإنتاج الالي، بينما يظل الانسايوان على مر ذلك الزمن الانتظاري عاجزا عن اماطة اللثام عن السر الأعظم الكامن، والمودع في المجتمعية التحولية الرافدينية.
ـ يلتقي "التحول المجتمعي" والاداة المادية للتحول عند نهاية الزمن المجتمعي، ويبدا زمن " الانسان" وشروعه بالانتقال الى الاكوان العليا، بعد انتهاء امد وضرورة وجوده المؤقت على كوكب الأرض.
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) دانوكة امراه كانت مشاركة وحضرت حادثة الجسد اثناء وثبة كانون 1948 وكانت من ضمن المتظاهرين الذين اطلقت عليهم النار التظاهرة اطلق عليها النار وهم يعبرون الجسر،فسقط عدد من الشهداء، وارتبك المتظاهرون وكادت تعم الفوضى، وقتها قفزت "دانوكة" ورفعت احد الاعلام الملقاة، وصاحت صيحة العراقيين "هااخوتي ها"، وتقدمت فاعتدلت صفوف المتظاهرين وتقدموا خلفها، والمذكورة كتبت عنها قصائد باللهجة الشعبية.
(2) يخالف التناول الماثل كليا الشائع والمتعارف عليه من اشكال تناول تاريخ العراق الحديث ، وبالذات منه التاريخ "الايديلوجي" الذي يحل نفسه ومنظوره الملفق والمسقط على الواقع من خارجه، محل البنية التاريخية واحكامها، ليفسره بناء عليه وانطلاقا منه. وباختصار فان التناول الحالي ينتمي لعالم القراءة الرابعه الموشكة على التجلي بعد قرابة 7 الاف عام من التعذر.