المظلوم لا يحتاج إلى رخصة ليثور على ظالميه: قراءة في الحدث العراقي الدامي

Submitted by alaa on ثلاثاء, 10/08/2019 - 13:06
عبد المهدي بازي المليشياوي

نصير المهدي

من نوافل القول أن المظلوم لن يحتاج الى إجازة كي يشتكي ظلامته ولعل قول أبي ذر الغفاري : " إني لأعجب ممن لا يجد قوتا في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه " تنطبق على واقع الحال العراقي مع أن هؤلاء المتظاهرين عزل من اي سلاح سوى صدورهم العارية وليس العجب في خروجهم الى الشوارع والساحات بل في صبرهم كل هذه المدة الطويلة .
لا يحتاج العراقي الى سوق مبررات والبحث عن أسباب فواقع العراق اليوم استثنائي بكل معنى الكلمة ولا نسمع أو نرى مثيلا له في أي بلد في العالم والمشاهدات على أرض الواقع تظهر تفاوتا كبيرا بل خارقا لنواميس الحياة بين طبقتين من طبقات المجتمع وهما الأغنياء وهم في الغالب من محدثي النعمة والفقراء الذين يتزايد عددهم كل يوم ولو توفرت إحصاءات عن مستويات المعيشة ودخول الأفراد لوثقت ما لا تخطئه العين والملاحظة حيث تنمو حركة بناء العمارات الشاهقة والبيوت الفارهة وتتكاثر السيارات الفخمة ويلاحظ الانفاق الاستهلاكي المسرف مقابل توسع مساحات بيوت الفقراء البائسة على أطراف المدن وبينما تتغافل السلطات عن مصدر الثروات الكبيرة التي تهبط فجأة تلاحق الفقراء في أكواخهم وصرائفهم بحجة مكافحة التجاوزات وتطبيق القوانين مع أن الطبقة السياسية بكل أطرافها من المجلس الأعلى الى الحزب الشيوعي مرورا بالأكراد والدعوة والفضيلة وبدر والعصائب وجماعة الصدر وغيرها تضع يدها على أموال الدولة وممتلكاتها العقارية دون أن يستطيع أحد محاسبتها .
وبينما يغزو الفساد كل مجالات الحياة فالجميع يتحدثون عن علة الفساد ويطالبون بمعالجتها وكأن الفاسد وما ينهب قادم من كوكب آخر ووقائعه تجري في أقصى الأرض وليس في العراق والمضحك في تباكي الفاسدين على مصير هؤلاء المحتجين وكأنهم ليسوا من صناع هذا المصير البائس للناس ولا استخدموا العنف وقتلوا الناس في عهد حكوماتهم .
ومع أن مثل هذه الاحتجاجات قد يجري استغلالها كما هي مزايدات منافقي الطبقة السياسية الذين يتبارون في سطر مواقف التضامن وهم وأنصارهم سيحملون السلاح وقد فعلوا لو تهدد مصير العملية السياسية التي أقامتها قوات الاحتلال ووضعتهم في موضع التسلط والنهب ولعل من غباء هذه الطبقة السياسية وحكومتها التي تمثلها وكلهم مشاركون فيها أن يلصقوا المواقف المشرفة دائما بحزب البعث المنقرض والذي دخل مزابل التاريخ منذ زمن بعيد فيحاولون تبييض صفحته السوداء ونفخ الروح في جثة هامدة .
ويمكن للطبقة السياسية التي نصبها الاحتلال أن تزور وتحرض الناس وتلقي بهذا الشرف العظيم على عاتق البعث المنقرض لكن حقائق الواقع العراقي البائس أقوى من أن تخفى بمثل هذه الأساليب التافهة وفي أحسن التقديرات فعمر هؤلاء الشباب حين ذهاب سلطة صدام وآل المجيد الى حتفها هو العاشرة وحولها فيا لبؤس هذه الطبقة السياسية وأحزابها حينما يستطيع البعث أن يخطف منها هذه الأجيال بعد ستة عشر عاما من تعاقب حكومات الاحتلال .
لقد أضاف الحراك الثوري الأخير بعضا من المؤشرات الهامة منها أن السلطات عاجزة عن تقديم حلول لمشاكل العراقيين لأنها بارتباطها بالمحتل وفسادها وانعدام أهليتها تقف على رأس المشاكل بل والكوارث التي يواجهها العراقيون فلا تجد هذه السلطة سواء بحكومتها أو طبقتها السياسية سوى القمع الدموي والوعود الكاذبة من قبيل تشكيل لجان لدراسة مطالب الاحتجاج أو وضع آليات تنفيذ مطالب المتظاهرين ولا أدري مثلا ما هي آليات السلطة لمعالجة قضايا الفساد والاستئثار بالمال العام والبطالة وانعدام الخدمات الضرورية لحياة الناس كالصحة والتعليم فضلا عن إقامة البنى التحتية وغيرها من المشاكل اليومية للمواطن العراقي والطبقة السياسية وهي تمارس الضحك على الناس إنما تضحك على نفسها فقد خبرتها الجماهير وعرفت ألاعيبها وأكاذيبها بل وحتى نفاقها الذي ظهر على لسان بعض رؤوساء الحكومات السابقين كالمالكي والعبادي وعلاوي وكأن أيديهم ليست ملطخة بدماء الأبرياء وسجلهم حافل بقمع التظاهرات الشعبية
وكما يمارس السياسي نفاقه وكذبه فإن " المثقف " السائر في ركاب الأول والذي يعتاش على فتات الموائد وينتظر توجيه السفارات هو الآخر يمارس دورا تضليليا ربما يكون أخطر من دور سيده وهو يتجاهل معاناة الناس فيحاول أن يجر زمام الاحتجاجات من العفوية الى ربطها بدول وأجندات مشبوهة ويروج لروايات من قبيل أن هذه التظاهرات تمثل تحركا أميركيا ويا للمهزلة للرد على محاولات رئيس الحكومة الاستقلال عنها ويسوقون مثلا إقصاءه عبد الوهاب الساعدي وزيارته الى الصين وعقوده معها وكأنه يستطيع أن يفكر حتى بينه وبين نفسه بتحدي الأميركان أو الاعتراض على سياساتهم وكأن العراقي لم يشبع بعد من هذه القصص التافهة ولم تكفه أمثلة اليابان وألمانيا التي تم الترويج لها لسنوات طويلة .
على أن الملمح الايجابي الكبير في هذا الحراك الشعبي هو أنه لم يخرج من عباءة الصدر وجماعته او من تحت لافتة الحزب الشيوعي العراقي أو برعاية وقيادة أدوات فخري كريم المعروفة بل كان حراكا شعبيا عفويا تقتضيه حاجات الناس وتدفعهم اليه مشاكلهم ومعاناتهم اليومية التي لا تجد حلا ولا حتى أملا في الأفق على أن تطورات الموقف ربما تعيد إحياء الدور الذي لعبه هؤلاء في احتواء وتبديد التحركات السابقة من خلال خطاب وحركات شعبوية لضبط الايقاعات واشاعة الأوهام ومن ثم تنفيس التحركات والمطالب خاصة وأن هذه الاطراف شريكة فاعلة في العملية السياسية مع كل ما يترتب عليها من نتائج كارثية يعاني منها المواطن العراقي منذ الاحتلال وجدية هذا الحراك وتحرره من الوصايات الحزبية وثمنه الباهظ أيضا أبعدت عنه هواة الاستعراض الأسبوعي والتقاط الصور التذكارية والتباهي بالحضور الى ساحة التحرير في أيام الجمع لقضاء الأوقات الممتعة مع الأصدقاء وملء صفحات التواصل الاجتماعي بصور المناسبة صارت نهضة الفقراء جدية فاختفت وجوه راكبي الموجات الشعبية وظهرت حقيقة مواقفهم المنافقة .
لقد أرعب هذا الحراك الثوري الطبقة السياسية وأحزابها والمليشيات التي صادرت راية الحشد الشعبي ودماء شهدائه والمرجعية الراعي الرسمي للعملية السياسية التي أقامها الإحتلال في العراق ولحكومة عادل عبد المهدي بشكل خاص والسبب في ذلك أنه أول إنتفاضة شعبية عفوية ومستقلة عن أي غطاء من أغطية الأحزاب الحاكمة ولهذا تجاوز العنف في قمعه كل حدوده السابقة المعروفة في ظل حكومات الإحتلال وتصاعدت الجهود المتضافرة للنيل من المتظاهرين وإثارة الشكوك حول تحركهم وأكثرها تفاهة وسذاجة أن السفارة الأميركية تقف وراءهم وكأنها لا تضع الطبقة السياسية بقضها وقضيضها في أصغر جيوبها .
وعلى أية حال ومع أن هذا الحراك الثوري سيضيف المزيد المتميز للتراكم النضالي في العراق ولكن كما جرى التنبيه قبل أربع سنوات لا ينبغي تحميل الأمور فوق طاقتها وذلك لأسباب لا بد من إعادة التذكير بها أولها الغياب التام لحركة وطنية عراقية أو تنظيم نقابي ذي خبرة وتجربة وبرنامج ورؤية ومثل هذه الحركة مع عظمتها والثمن الباهظ الذي دفعته في وقت قياسي تفتقر الى القيادة والبرنامج وحتى القدرة على إجتراح الاهداف ولو تطورت باتجاه انتزاع الحقوق والمكاسب فإنها تبقى قاصرة عن إحداث تغيير نوعي حيث لم توفق في الربط بين الأهداف الوطنية والمشاكل الطبقية وبين الإحتلال ونتائجه وخططه لتدمير العراق وبين معاناتها فضلا عن ذلك فهي رغم اتساع مداها عاجزة عن التوسع لأن القاعدة الإجتماعية للطبقة السياسية الحاكمة واسعة وتمثل شرائح مهمة من المجتمع تحظى بامتيازات كبيرة ومنهم عوائل السجناء والشهداء وأهالي رفحا ومن نال وظيفة باختلاف درجتها في ظل العهد الجديد كما أن شرائح أخرى تقف على الحياد حتى لو تعاطفت مع الحراك الشعبي هذا واستنكرت في بيوتها القمع الوحشي
الذي تعرض له فرسان الانتفاضة الشعبية هذه خوفا على وظائفها ومداخيلها وامتيازاتها الحياتية ومما يلفت الانتباه أن من يصنفون إجتماعيا فئة مثقفة وفي طليعتهم الاساتذة والأكاديميين لم تحرك ضمائرهم هذه الهبة البطولية أو القمع الوحشي لها رغم أن تجارب العراق التاريخية وتقاليد الشعوب قاطبة تجعلهم في طليعة من يتخذون المواقف الشجاعة ولو بالصوت والرأي في نصرة المظلوم وإدانة الظالم .
كما أن التغيير في العراق عملية معقدة تتطلب توفر ظروف داخلية وإقليمية ودولية ملائمة تتيح ميدانا صالحا للتغيير ولعله من البديهيات بعد هذه السنوات الطويلة من الاحتلال البغيض أن هناك توافقا ضمنيا ما بين العدوين اللدودين أميركا وإيران على بقاء أحوال العراق ودوامها والابقاء على عراق ضعيف هش منقسم في ظل طبقة سياسية فاسدة عميلة تعمل لهذا الطرف أو الآخر أو لكليهما وتحقق مصالحهما معا .
وقد لا ينتظر الطرفان الخارجيان الوقت الكثير للتضحية بعادل عبد المهدي بعد أن تلطخت يداه بدماء العراقيين الأبرياء التي لا يبررها الحديث اليوم عن طرف ثالث مارس قتل الطرفين : المتظاهرين ورجال الأمن بعد أن لم تستطع الحكومة وأجهزةأطلقوا النار على القوات الأمنية فالمشاهد الموثقة تثبت بأن قوات الأمن هي التي بادرت بالقمع بأقسى ما تستطيع والأمر ليس غريبا ففي كل محافظة من محافظات العراق أقام الإحتلال قوة غير مألوفة أسمها قوات مكافحة الشغب ودربها بأفضل ما لديه من أساليب وزودها بأحدث الأسلحة لهذه المهمات وأمثالها ثم أن رئيس الحكومة أنجز في وقت قصير الكثير مما كان الطرفان اللذان يتقاسمان الوصاية على العراق يأملان من رئيس حكومة في العراق قياسا الى ما أنجز أسلافه ولكن لا ينبغي أن تسوق هذه الخطوة إن وقعت على أهميتها على أنها الانتصار النهائي فهي خطوة على طريق تهدئة الغضب الشعبي وقطع الطريق على تصاعده على أن الطبقة السياسية الحاكمة بخطواتها الشكلية الترقيعية المرتجلة إما أن تكون غبية أو تستغبي الناس بحيث تتصور الحل في تقديم بعض الرشاوى لبعض الناس فتشتري سكوتهم وتنسى أن جيش الفقراء في العراق عرمرم حقا ولن ينقصه منح وظيفة لأفراد منه ووصم الباقين بشتى الأوصاف وما أشبه مندسي اليوم بغوغاء الأمس مع أن ما كانوا يؤآخذون صدام عليه يرتكبون علنا وعلى رؤوس الأشهاد ما هو في صف جرائمه وبشاعتها .
سيسطر تاريخ العراق في يوم ما أول هذا الشهر علامة بارزة في تاريخ النضال الوطني والتضحيات الجسيمة للعراقيين ومعه أسماء القتلة والمجرمين الذين سلطهم الاحتلال على صدر العراق ومثلما كانت أحداث مشابهة رغم إختلافاتها التفصيلية علامات بارزة على طريق الخلاص من المحتلين البريطانيين وصنائعهم في العراق فإن هذا الحدث الثوري الكبير سيكون كذلك وهو يرسم معالم التحرر القادم من المحتلين الاميركان ومن يشاركهم في هذا المخطط التدميري الإجرامي وإن كان غدا لناظره قريب فإن الجماهير دائما تفاجئ بأفعالها الثورية بما لا يخطر في بال أحد ولا يمر حتى في أحلامه وخياله