ملاحظات سريعة على مقالة أسعد أبو خليل حول الانتفاضة العراقية

الانتفاضة التشرينية

علاء اللامي

هذه ملاحظات سريعة حول مقالة مطولة نشرها الزميل أسعد أبو خليل في جريدة "الأخبار"، وحاول فيها أن يقدم نصا متوازنا وموضوعيا حول الانتفاضة العراقية التشرينية الجارية؛ أتفق معه في العديد من النقاط التي وردت فيها، وربما أكثر من النقاط التي أختلف معه عليها، ومما اتفق معه عليه، رؤيته وتحليله لطبيعة النظام الطائفي التابع الرجعي في المنطقة الخضراء ببغداد، وبواعث وظروف التظاهرات، ولكني أختلف معه في نقاط أخرى أدرجها هنا بشيء من الاختصار، على أمل أن أتوقف مستقبلا عند هذه المقالة وسواها مما نشر بشكل موسع:

*ليس صحيحا قوله (والغريب أن أحداً في العراق لا يطالب بإعادة تشكيل النظام -في الحد الأدنى- لإزالة آثار العدوان الأميركي المنتشر في خلايا النظام السياسي) فقد كان الأهداف الثلاثة الأولى المعلنة لسلسلة التظاهرات والانتفاضات العراقية ومنذ سنة 2011 هي :

1- إخراج الاحتلال وإنهاء الاتفاقية الأمنية مع الاحتلال الأميركي.

2-تعديل الدستور الذي أسس للمحاصصة الطائفية.

3-محاسبة الفاسدين في الحكم والقضاء على الفساد المنتشر في البلاد.

وقد تحقق جزء من هذه الأهداف ومنها إخراج جل القوات المحتلة تحت ضغط المقاومة المسلحة والسلمية، ولكن الاتفاقية الأمنية بقيت سارية والدستور الاحتلالي لم يتم تعديله، أما إذا كان المقصود عدم طرح هذا الهدف في بيان أو شعار مركزي في التظاهرات فيمكن تعليله بالطابع المطلبي والعفوي الطاغي على انطلاقة التظاهرات التي اتخذت شكلا سريعا وانفجاريا.

*قوله (للشعب العراقي ألف سبب وسبب للانتفاض على نظام الحكم القائم. لكن الظن بأن واشنطن (أو إسرائيل) بعيدة عن مجريات السياسة في العراق هو جزء من الدعاية السياسيّة)، لم يقدم أبو خليل ما يثبت صحة استنتاجه هذا حول حدوث الدخول الأميركي والإسرائيلي على "مجريات الأحداث في العراق" سوى تصريحات جاسوس ممقوت ومحرض كذاب وبائس هو سكرتير أحمد الجلبي والمنشق عليه لاحقا انتفاض قنبر. وبالمناسبة فهناك من هو أقل وساخة من هذا الشخص وكان يمكن الاستشهاد بما قالوا! أما قنبر، فيبدو أن أبو خليل لا يعلم كيف ينظر إليه العراقيون أو غالبيتهم الساحقة. إن التحذير من الاندساس الخارجي والداخلي في التظاهرات السلمية لجماهير الكادحين العراقيين من باب الحرص عليها أمر مفهوم ومبرر وإيجابي، أما التشكيك المسبق بها أو التلميح به، استنادا الى أقوال أمثال انتفاض قنبر، والوقوف على التل والصراخ: هناك اندساس أميركي وإسرائيلي في الحدث العراقي، فهو أمر سلبي بكافة المقاييس!

*يكتب أبو خليل (بيان المتظاهرين الرسمي الذي صدر يوم الجمعة الماضي يطرح خيبة عميقة من نخبة الحكم الاحتلاليّة ويطالب بلجنة «وطنيّة لتعديل الدستور بعيداً عن الكتل والأحزاب التي شاركت في إدارة البلد منذ عام ٢٠٠٣». اللافت في الصياغة أن البيان لم يفسّر ما حدث في عام ٢٠٠٣، ولم يصف الحدث الأكبر في تاريخ العراق المعاصر)! لقد تأكد وتكرر على ألسنة حتى اللجان التنسيقية وكوادر هذه الانتفاضة المعروفين عدم وجود قيادة موحدة أو شاملة لهذه الانتفاضة، وبالتالي فليس هناك بيان رسمي صدر باسمها حتى هذه اللحظة، بل هناك بيانات وتصريحات كثيرة صدر بعضها باسم مكونات تنظيمية جديدة لم يسمع بها أحد من قبل أو لجان تنسيقية لا يعرف أغلب قادتها، هل من الضروري أن يناقش بيان ميداني صدر عن قيادة هنا أو أخرى هناك تاريخ العراق الحديث كله أو يتوقف عند ما حدث منذ سنة الاحتلال الأميركي سنة 2003 وحتى الآن؟

*بيان صغير آخر يتوقف عنده أبو خليل، وكنت قد توقفتُ عنه في منشور فيسبكي سريع من باب الترحيب والتركيز على نقطة وردت فيه حول مطالبة البيان بتجميد العمل بالدستور الاحتلال الطائفي وإعادة كتابته وسجلت رفضي لدعوة البيان للتدخل الخارجي واعتبرتها خطرة. وهذا البيان أصدرته مجموعة لم يسمع بها أحد من قبل هي "شباب ثورة الحسين للجميع"، ولم يصدر عنها بعده بيان آخر، أما أبو خليل فقد اعتبر هذا البيان من وثائق الانتفاضة التي يعول عليها وسجل عليه مناداة البيان بالتدخل الفوري في العراق من قبل الأمم المتحدة ومن قبل الجامعة العربيّة) ويعلق بالقول (من المستحيل أن يكون كتّاب البيان جاهلين بواقع النفوذ والسيطرة في الإقليم والعالم). والواقع فإن هناك ما هو أهم من هذه البيان المصور بالماسح الضوئي والركيك لغة ومعنى لتأكيد مطالبة البعض بالتدخل والتدخل الأميركي تحديدا، وهؤلاء أناس لا علاقة لهم بالانتفاضة ويعيش أغلبهم خارج العراق، وقد أطلقوا حملة جمع تواقيع خارج العراق تدعو علنا واشنطن الى التدخل في الوضع العراقي، وقد تأكد لي ولغيري أن وراء هذه الحملة حزب البعث العراقي وأنصاره في الخارج، وربما يكون بيان مجموعة شباب ثورة الحسين للجميع صدى من أصدائهم وهذا مجرد تخمين! لقد صدر خلال الأيام الستة الأولى من الانتفاضة عدد كبير من البيانات ولكن اعتماد أي منها كبيان رسمي للمتظاهرين والمنتفضين أمر غير صحيح!

*قوله (والأزمة العراقيّة تفجّرت بسبب نصب تمثال له – للجنرال عبد الوهاب الساعدي -  (وهذا عمل غير مألوف طبعاً) في الموصل، ما أغضب الحكومة)، غير دقيق تماما، فالأزمة نتاج لأسباب أخرى كثيرة وعميقة تطرق لبعضها الكاتب وفي الموصل ذاتها لم تخرج تظاهرات واحدة خلال الانتفاضة رغم التعاطف الكبير مع المنتفضين وما قيل عن حملة تبرع بالدم لجرحى الانتفاضة في مدينة الموصل، أما التظاهرات التي خرجت في المحافظات الأخرى فلم تناد باسمه أو ترفع له صورا أو غير ذلك بل تحدث بعض الأفراد المشاركين في التظاهرات دفاعا عنه وإشادة به وهناك من رفض الدعوات المرتجلة لجعله رئيسا لنظام جديد أو قائدا لانتفاضة لم يقل هو حرفا واحدا تأييدا لها.

الغائب الأكبر، وبشكل مؤسف، في مقالة أبو خليل، هو التوقف عند قسوة القمع الدموي الفاشي الذي جوبهت به التظاهرات السلمية من باب توثيق الوقائع وتحليل المشهد، أو من باب إدانة القمع والتضامن مع ضحاياه، ففي حالات كهذه لا يكفي التعليل بوجود التضامن الضمني ... ترى كم من الدماء والشهداء ينبغي على العراقيين أن يقدموا لكي يستحقوا التضامن؟ أكثر من سبعة آلاف بين قتيل وجريح في ستة أيام بينهم 165 شهيدا؟

*رابط يحيل إلى النص الكامل للمقالة:

https://al-akhbar.com/Opinion/277676/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%85%D8%A7%D9%86%D8%B9%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B6%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A