إنحطاط عربي ثالث ودعوى المقاومة/3

Submitted by alaa on جمعة, 11/01/2019 - 13:45

عبد الامير الركابي

هل الامبراطوريات المتلاقية من الشرق والغرب فوق المدى الشرق متوسطي تملك او امتلكت عادة طاقة او قوة الفعل والتاثير، او القدرة على الحاق المنطقة، ومن من بين طرفي هذه الحالة التفاعليه كان،الفاعل المؤثر بالاخر، تاثيرات غير عادية، وعميقة، تصل حد تغييرالمفاهيم والخاصيات بصورة نهائية وجذرية أحيانا؟ هذا سؤال لم يسبق ان طرح من قبل، بالاخص تحت وطاة القرنين المنصرمين،بفعل الهيمنة المفهومية والنموذجية الغربية المرافقة لنهوض الغرب وحداثته ومشروعه الهام المتاخر.
ولاتوضع"الابراهيمية" في المعتاد ضمن المنجز الخاص بموضع بعينه، كان هو مصدر القراءات الكبرى الثلاث الأكثر انتشارا وبقاء في الوجدان البشري شرقا وغربا، ومع إحالة هذه الظاهرة الكبرى والاساسية لمايعرف بخانة "الدين"، يضيع ان لم يلغى بالمناسبة مظهر الاختصاص المكاني ودلالته، فمن المعتاد الحديث عن "الفلسفة اليونانية الاغريفية" بالمقابل لايتم أي تعيين لمنجز النبوية الابراهيمية وقراءاتها التي تشطر المجتمعات البشرية على اختلافها، والكائن البشري، الى ارض سماوي، مع فارق محدودية وضيق اثر الفلسفة ووقوفها دون التحول الى عقيدة راسخة ،مقارنة الى التوحيدية.
على صعيد اخر، ينكر كليا واقع الدورات الناظمة للمجتمعيات والتاريخ وبالأخص نسبتها الى ابتداء شرق متوسطي( وادي الرافدين ووادي النيل) كدورة بكورية أولى، ثم ثانية توسطية، ومايلقيانه من اثر وينتج عن حضورهما من متغيرات لاحقة تنعكس على غيرهما، الإمبراطورية الرومانية والاثر البابلي، والملحمية الاغريقية المثاثرة بالرافدينية، والثورة الاوربية الحديثة ومقدماتها المتولدة عن النهوض الأكبر في قوى الإنتاج العالمية التجارية الريعية، وعاصمتها بغداد، وانعكاس ذلك واثره اللاحق على البنية الطبقية الانشطارية الاوربية( يكرس عادة مفهوم منقطع خاطيء عن ذاتوية المنجز الأوربي الحديث مع انه منجز جرى ضمن اليات عالمية)، ماقد افضى للانتقال من الإنتاج اليدوي الى الالي المصنعي، كمقدمه وتمهيد لفصل أخير هو التكنولوجي المعرفي.
وتغيب باصرارايضا احتمالية المعاينه في الخاصيات الكيانية الثلاثية مابين ارض النهرين، ثم ارض النهر الواحد كابتداء، وتوفر نموذج المجتمع احادي لادولة صحراوي خاضع لاقتصاد الغزو حيث لاعمل في الأرض، وحيث الكائن البشري يعيش بالحرب محتقرا العمل اليدوي، بما يجعل القانون هنا يقارب حالة "اقتل لتعيش" ويسيد قانون الحرب/ الحياة، كاسرا كل المعروف عن الاجتماع باعتباره ( التجمع/ انتاج الغذاء)، وليس هذا النموذج موجود بذاته ولها، فموقعه اسفل مابين النهرين، وطاقته الاحترابية الجبارة، والتي هي طبيعة وكينونة فيه، تبدو بوضوح وكانها مدخر تحريري، قادر عند الضرورة وبسبب طبيعته الاحترابية الاستثنائية، برغم ضآلة حجمه وتطرف موقعه، على طرد الامبراطوريات المتعاكسة المصدر(هذا الدور الاستثنائي لم تكن مصر ولا ارض الرافدين قادران على، النهوض به رغم تقدمهما البنيوي والزمني المفترض) والنازلة الملتقية عند هذه البقعة من العالم، حيث تتحرر وقتها الاليات الحضارية المتوقفة المخضعة لوطاتها، وهو ماحصل في القرن السابع على قاعدة واساس التعبير السماوي المطابق لبنية وتكوين هذا المكان، ولتعود الاليات الرافيدنية للعمل من جديد بعد تحريرها من وطاة الاحتلال، فتستانف دورة ثانية عباسية/ قرمطية، تذكر بالدورة الأولى السومرية، البابلية/ الابراهيمية.
ليس الذي يختبيء متخفيا وراء مثل هذه الظواهر والخاصيات بالامر العارض، ان لم يكن حاسما وانقلابيا، يشمل النظر لمايعرف بالتاريخ والمجتمعات، فيعود لكي يستدرك الى تغيير النظر كليا للغاية من المجتمعية ومقاصدها، ونهايات مسارها المضمرة، فالقول بان منطقة شرق المتوسط هي البؤرة التحولية العالمية، ومصدر الديناميات المحركة للتاريخ البشري، يترتب عليه، لافقط الاثبات بان هذه المنطقة بانماطها الثلاثة المحتشدة في بقعة واحدة محدودة: نمط الازدواج المجتمعي الرافديني، ونمط احادية اللادولة الاحترابي الجزيري، ونمط أحادية الدولة النيلي، مضافا لها البعد الشامي المفتوح، هي الموضع الأعلى طاقة وديناميات متوافقة مع غايات المجتمعية، ووجود الكائن البشري، ومصيرة المقرر من الغائية الكونية العليا.
يعني ذلك ان العقل البشري لم يتعرف الى اليوم على المجتمعيات وانماطها،بضوء المودع فيها، وان مايعرف بعلم الاجتماع الغربي المتاخر هو علم يجمل المجتمعات في نمط واحد اوحد، هو النمط احادي الدولة، وتلك نقصيه عقلية كبرى تحول دون، وتمنع العقل ابان اخر مراحل قصوره، ناهيك عما قبلها، من رؤية المودع الفعلي في العملية الاجتماعية، وينتهي به في افضل حالاته الى انغلاق، كانت ابرز تمثلاته قد جاءت في نظرية ماركس والشيوعية كغاية محكومة لقانون حتمي. وكل هذا ناجم عن منطق النهائية والتابيدية المجتمعية المغلقة المهيمنة على العقل ابان زمن قصوره التاريخي.
خارج "الجاهلية او عصر الغفلة البشرية العظمى" المستمرة بالطغيان الى اليوم، نقول بان المجتمعات تحولية، وانها زائلة وسائرة الى مآل يتعداها، وانها ظاهرة مؤقته لها تاريخ صلاحية وانتهاء، معها يبدا زمن التحول، ويشرع الكائن البشري بالانتقال الى "الانسان" بعد ان كان منذ انبثاق العقل... "انسايوان"، ان نظرات دارون اقتصرت بفعل نفس عوامل القصور، على رؤية الكائن البشري الحالي على انه الجسد وحسب، حتى بعد انبثاق العقل فيه، فطبقت والحالة هذه اشتراطات زمن سابق، هو الزمن الحيواني المتحول الى كائن منتصب يستعمل يديه، حتى بعد ان نشا داخله مكون جديد مختلف عنه كليا، هو العقل، ليصير من يومها كائنا مزدوجا ( عقل / جسد)، ولتبدا عملية نشوء وارتقاء تحولي جديدة، هي عملية الارتقاء العقلي المنتهي بانفصال العقل عن الجسد اخر متبقيات الطور السابق من صيرورته، وماظل عالقا به ومستمرا معه من الطور الجسدي الأحادي الحيواني.
وكما انتصرت النظرة الأحادية الجسدوية للكائن البشري وظلت طاغية، فلقد سادت النظرة الأحادية المجتمعية، وانكر الازدواج، او الأحادية من الشكلين، أحادية الدولة، واعرقها حالة وادي النيل، وارقاها وارفعها ديناميةالاوربية الانشطاارية الطبقية، ومجتمعات لادولة أحادية من أمثال مجتمعات أمريكا قبل الغزو الأوربي، وامريكا اللاتينية ومثال المايا والازتيك، وبعض من افريقا ومواضع من اسيا، ثم نمط الازدواج المجتمعي الموجود بالاصل كحالة تحولية منفردة، لاشبيه لها،في مابين النهرين، هذا غير اشكال المجتمعات المختلطة.
ومع شيوع مثل هذا المنظور ورسوخه لدرجة البداهة تنتفي اية قدرة على الاقتراب من القانون الناظم للسيرورة المجتمعية، بين التحولية الصغرى الابتدائية، والتحولية الشاملة والنهائية، وهو ماقد يذكر بنظرية ماركس ومعتقده الطبقي بين الشيوعية البدائية عبر المراحل التاريخية المتعاقبة، نحو الشيوعية العليا، مع الفارق الأساس بين مجتمع اللادولة التحولي السومري الذي هو حالة حاضرة وقائمة ضمن الازدواج المجتمعي، ظهرت في سومر أولا ابان الدورة الأولى وعادت وظهرت مرة ثانية ابان الدورة الثانية العباسية القرمطية بصورة مجتمع القرمطية والاسماعيلية، أي انها ليست حالة زائلة كما يقرر ماركس وانجلز بالنسبة للشيوعية البدائية، التي يفترضان وجودها وشمولها المجتمعات كلها،الامر الذي تكذبه وقائع تشكل المجتمعية السومرية الرافدينية الممتنعة على الزوال والطبقية، ووالثابته المتكرره الحضور بصفتها شكل مجتمعية اخر، غير قابل للتجسد ارضويا، وخارج الادراك البشري الانسايواني.
بمقابل مخطط المراحل التاريخية الطبقي ينهض قانون الدورات والانقطاعات المجتمعي الازدواجي الرافديني، وصولا الى الدورة الحالية الثالثة، والمبتدئة منذ القرنين السادس والسابع عشر، من ارض سومر نفسها جنوبا، وهي الدورة التحولية الكبرى، بعد دورتين تعذر خلالهما التحقق التحولي الذي سيعود مرة أخرى، وبناء على المعطيات الذاتية التحولية الازدواجية، وبمحصلة وغمرة الصراع مع النموذج الغربي الحداثي المهيمن وانعكاساته، وقد اكتملت أسبابه عالميا، وهو ماينتظم تاريخ العالم والجنس البشري من انقلابيه أخيرة بدأت عمليا منذ منتصف الالفية الثانية.