الأقزام حين يتطاولون على عمالقة بقامة عبد الرحمن منيف

أقزام يحاولون التطاول من " طول " بالتطاول " العدوان " على قامات العمالقة وحقا عندما تجد امرئا يمتدح نفسه وينتحل لشخصه من الأوصاف ما لا يليق من قبيل مفكر أو عالم فأعلم أنه يشعر بعقدة ما يحاول أن يسترها بمثل هذه الألقاب انتحالا لا استحقاقا وعادة ما يقدر الناس من يستحقها فيكرمونها بها .
لا أريد هنا الدفاع عن عبد الرحمن منيف فهو أكبر من أن تنصفه بكلمات والرجل غني في حياته ومماته عن مديحي أو إطراء غيريسواء في موقعه الأدبي أو في مواقفه السياسية وقد ترك تراثا وضعه في مقدم الروائيين العرب على قلتهم وصار عمادا من أعمدة الأدب العربي المعاصر ألهم بكتاباته الباحثين والدارسين وسيبقى إرثه يقدم مائدة بما لذ وطاب للأجيال القادمة والى قرون كما هو عمالقة التراث الذين ننهل من عطائهم اليوم .
عرضا أقول ولست ناقدا أدبيا بأن الروائيين كثيرا ما يجسدون شخصيات من الواقع الاجتماعي الملموس فضلا عن المتخيل من دون أن يضطر الروائي الى بيان تفصيل أبعاد شخصيته أو تطابقها مع شخص أو واقعة أو حدث أو مدينة وإنما يترك للقارئ أن يكتشف بنفسه مختلف الإحتمالات وتبقى التفاصيل الكثيرة مهمة الباحثين والدارسين وليس هناك رواية في الأدب العربي ومختلف مدارس الأدب العالمي يشير كاتبها في الهامش الى أن هناك تطابقا بين شخصيات الرواية وشخصيات واقعية أخرى فضلا عن الإشارة الى أسمائها وعناوينها . 
الرواية موضع التعملق هي رواية " الآن هنا .. أو شرق المتوسط مرة أخرى " ويزعم الدعي أنها سرقة من مذكرات مناضل عراقي وتجربته ومعاناته في العراق وفي المنفى وشتان ما بين سرقة أدبية وبين بناء رواية فالروائي لا يقدم وصفا سرديا لحالة معينة وعندها صار صحفيا أو مؤرخا أو كاتب مذكرات وهذه الأمور لا يدركها عالم الاجتماع .
عبد الرحمن منيف يكفيه فخرا أنه إتخذ موقفا حاسما وحازما فترك حزبه ووظيفته وغادر العراق إحتجاجا على ممارسات النظام وقمعه وضحى بذلك بمكاسب وإمتيازات ثم لم يجامل في موقفه السياسي ولم يبع ضميره وقلمه فكان أمينا لمبادئه وقناعاته الى آخر لحظة قضاها في مستقره في سوريا وشتان ما بين عملاق حر وبين عبد تقافز بين صحف الخليج يكتب بالقطعة لقاء ثمن بخس حقا كما فعلت ثلة من المتثاقفين العراقيين الذين لم يتركوا بابا للرزق الوضيع الا وطرقوه ورضوا يوما أن يشبهوا أنفسهم بحيوانات حديقة لندن في إعتصامهم أمام مقر جريدة " صوت الكويت " في لندن بعد أن لفظتهم حين إنتهت مهمة تحريضهم على العدوان على بلادهم وتدميرها وإحتلالها .
لقد صدرت الرواية أول مرة عام 91 والدعي يذكر بأن منيف أرسل نسخة منها الى المناضل العراقي الذي جسد شخصيته في روايته فلماذا لم يقل كلامه هذا في حينه وينتقد الموقف في حياة الكاتب الكبير .
بعض الناس ينظرون الى أنفسهم وأي منحدر وصلوا اليه فيحاولون البحث عن مثالب وعورات بل ويصطنعونها ليقنعوا أنفسهم أنهم والآخرين الكبار سواء وهيهات فناطح الصخرة ليس كالجبل ولن يستطيع من ألف بيع ضميره وقلمه وجهده حتى صار ملقطا لتجنيد الشباب والتغرير بهم وغسل عقولهم بغرض الإعداد لمهمات أخرى أن ينال من قامة عملاقة حتى لو سود آلاف الصفحات التي ترتد عليه وتضيف الى رصيده المخزي سخاما أكثر .
على أن ما يقتضي الوقوف عنده والتنبيه اليه حتى لا يضيع بين الغيرة على كاتب عملاق ومناضل كبير والحمية للدفاع عنه وهو هذا الحقد الكبير على سوريا والذي لا يجد المتطاول فرصة الا واستغلها ليثبت بأنه يأخذ الانحدار من كل أطرافه فهو يقول بأنه التقاه في دمشق ولا ينسى أن يعرفها بطريقة تهكمية " قلب العروبة النابض " ويضيف بالكراهية وعجبا لمن إحتضنته دمشق عقدا من الزمن ووفرت له من الأمن والحرية وفرصة العيش الكريم ما لم يجده في أي مكان آخر والا لذهب اليه فأي كراهية نبضت بها اللهم الا ضد الصهاينة وأولياء نعمته الذين حولوه من متسكع يعاني من شظف العيش الى عضو في طبقة أثرياء ما بعد الاحتلال . 
في كل العالم لم يوفر بلد ما وفرته سوريا للعراقيين وخاصة الشيوعيين الذين لم يجدوا ملجأ في الدول الإشتراكية " الشقيقة والصديقة " حيث لم يكن يسمح الا لعدد محدود جدا من العراقيين بالبقاء ووفق شروط وفي دمشق التي تنبض بالكراهية كان المقر الرئيسي للحزب الشيوعي العراقي ومقر إعلامه المركزي وفي دمشق كانت تصدر صحف الحزب الشيوعي جميعها وتشتم البعث دون تمييز وفي جامعاتها كان الشيوعيون يدرسون ككل العراقيين معفيين من شروط القبول المعتادة ومنها يسافرون الى كل العالم بجوازات مزورة فإن صادفتهم مشكلة في أي مكان لجأوا الى سفارات سوريا التي توفر لهم الحماية فورا وكل هذا بدون مقابل ويذهب بعض من لا يميزون الأمور الى القول بأن هذا الموقف المشرف لم يكن حبا بالعراقيين بل لغايات سياسية إذا ليتفضل ويقول إن كانت سوريا قد طالبت أي عراقي يوما بأي شيء أو أنها إستفادت من أي عراقي بشئ . 
هذا الجحود ونكران الفضل يعبر عن وضاعة في ذروة أنواعها إن كان لها درجات وللأسف فإن كثيرا من العراقيين كانوا جاحدين في الوفاء لدمشق لأنهم تربوا على كره كل عربي وصدق الإمام علي عليه السلام حين قال : لا تموت النفس الخبيثة حتى تسئ الى من أحسن أليها....

عن صفحة الكاتب على الفيسبوك