إيران والعراق المنتضف ضد حكامه /ج1

خامنئي مستقبلا عبد المهدي

نصير المهدي
أتخيل بأن ما سطر في ذم إيران وتشويه سمعتها وتشنيع أفعالها واختراع القصص والروايات في التأليب عليها منذ الثورة الإيرانية لو فرش لغطى الكرة الأرضية بمائها وترابها عشر مرات وربما أكثر فضلا عن الأموال الطائلة التي أنفقت والدسائس التي حيكت وساعات البث الإذاعي والتفزيوني ونفاقتهما وما ينشر في وسائط التواصل الاجتماعي بل وحتى ما يتداول في البيوت والمقاهي وجلسات العوائل والأصدقاء كل ذلك لم يستطع أن يحقق ولو جزءا بسيطا مما فعلته إيران في موقفها المخزي والمعيب من ثورة العراقيين على الظلم والفساد والسلطة العميلة التي أقامتها قوات الاحتلال في العراق ودستورها الهزيل وقوانينها الظالمة التي أنتجتها .
لم يتوقع من إيران أن تسارع وعلى لسان كبار مسؤوليها بدءا بالمرشد الى موقف منفعل بل وحتى هستيري من الحدث العراقي دون تأن أو مواربة أو على الأقل انتظار الأيام للتحقق من سير الأحداث والوقائع وكانت التهمة جاهزة أميركا والكيان الصهيوني وهي تهم مجانية لا تراعي حقيقة دامغة أن هذه العملية السياسية وما أنتجت فضلا عن الطبقة السياسية التي تسلطت على العراقيين كلها صناعة أميركية ولا يخفي على متابع بسيط لا يحتاج الى حذاقة المحللين الاستراتيجيين أن يجد في احتلال العراق وتدميره هدفا صهيونيا واضحا حتى من دون التذكير بانتماء الإدارة الأميركية التي قامت بتنفيذ الاحتلال الى المسيحية الصهيونية وحضور البعد الديني الذي عبر عنه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش والجلسات الروحية التي سبقت الغزو مع المفكر الصهيوني برنارد لويس الداعية العلني لإعادة المنطقة الى عصر القبائل والملل والنحل وتدمير الدول من أجل أمن الكيان الصهيوني .
ثلاثة أسباب كبيرة وراء هذه الهستيريا الإيرانية إزاء الحدث العراقي التي دعت الى النزول الى ساحات التظاهرات وتصفيتها رغم أن المؤسسة الدينية الشيعية في العراق ومختلف الفعاليات العراقية من كل لون وصنف فضلا عن الحكومة العراقية نفسها لم تستطع الا أن تعترف بأن الاحتجاجات العراقية مشروعة ونقية وسلمية ولا تشوبها شائبة الا ما اخترعته الأجهزة التابعة للسلطة ومليشياتها من أجل تشويه سمعة التظاهرات وخلق الذرائع لقمعها والمبررات لهذا القتل غير المسبوق في حوادث مماثلة سواء في العراق أو غيره من الدول .
أولها إن إيران لا تريد للعراق أن ينهض بعد كبوته سواء ثأرا للعدوان الذي شنه صدام عليها غداة ثورتها أو لأن تدمير العراق هو الغاء لدوره القيادي في المنطقة العربية فضلا عن أنه الدولة العربية الوحيدة في المشرق العربي التي يمكن أن تكون ندا لإيران ومنافسا لها في زعامة المنطقة وهذا ما لا تريده إيران وهي تمد نفوذها الى المنطقة العربية فضلا عن ذلك فالعراق مصدر مالي واقتصادي مهم يزود إيران بما هي في أمس الحاجة اليه وهي تستفيد حتى من الفساد الكبير المستشري بين الطبقة السياسية فلا يعقل أن تسكت عن هؤلاء وترضى بهم حكاما للعراق حيث تمتلك النفوذ السياسي الواسع إزاء فسادهم الذي تجاوز كل الحدود لولا أن هذه الأموال تشكل مصدرا مهما لتعويض ما يسببه الحصار الخانق من نقص في الثمرات .
وثانيها إن العراق هو أكثر الأوراق ربحية ومردودا في المساومات والصفقات السياسية في المنطقة خاصة وأن العراق صار جزءا من الاستراتيجية الكونية لأميركا بعد الاحتلال وتستطيع إيران أن تنغص على أميركا متعتها في العراق وتجعل وجودها باهظ الثمن كما أن التداخل كبير بين أميركا وإيران في الطبقة السياسية التي حملها الاحتلال الى السلطة في العراق وهي ذات صلة وثيقة بإيران وتستطيع إيران إرباك الوضع السياسي في العراق وبكلمة أخرى إرباك المخططات الأميركية فيه بينما هي سارت على طريق سلسلة بفضل إيران وتعاونها الذي سبق الاحتلال في أنجاح مؤتمر لندن الذي أسبغ شرعية عراقية على الاحتلال القادم كما أن إيران تستطيع الحاق الأذى الكبير بالقوات الأميركية المحتلة في العراق من خلال المليشيات المدربة والمسلحة تسليحا ضاربا والتي تعتبر طاعة المرشد الإيراني واجبا دينيا لا عذر لمخالفته وتفضل إيران حتى على بلدها باعتبارها دولة الإسلام .
وثالثها الخشية من انعكاس ما يجري في العراق على الوضع الإيراني الداخلي حيث الأوضاع الاقتصادية تشهد تدهورا كبيرا خاصة بعد تشديد الحصار الأميركي فضلا عن وجود مشاكل كبيرة سياسية واجتماعية حتى في معسكر الثورة نفسه لم تستطع إيران إيجاد حلول لها وفضلت القمع علاجا لها وهذا العلاج قد يكون ناجعا الى حين ولكن ليس الى الأبد وانتصار الاحتجاجات العراقية بطابعها السلمي المشهود له إزاء قوة متغطرسة تتضافر فيها جهود الحكومة العميلة مع الجهد الأميركي والإيراني والأحزاب الفاسدة والمليشيات المدججة بالسلاح والمؤسسات الدينية سيقدم نموذجا غير مسبوق لقدرة الفعل الشعبي البسيط والعفوي على إحداث المعجزات .
وللكلام صلة ..
ملاحظة : لن أسمح بأية إساءات عنصرية وطائفية للشعب الإيراني الجار والشقيق كما لن أسمح بأي إساءة تخرج عن إطار الرأي الى ميدان الشتائم للقيادة الإيرانية .
هذا رأيي سياسي يفتح الباب للنقاش حول واحدة من القضايا المصيرية التي تتعلق بوضعنا العراقي وهو مطروح للعقلاء الراشدين وليس لمقتنصي الفرص والمتصيدين في المياه العكرة من الطائفيين أو الموالين للمعسكر الغربي الصهيوني أو أيتام صدام الذي أعده مسؤولا عن كل الكوارث التي حلت بالعراق والمنطقة العربية والى عقود قادمة لا يعلم مداها الا الله .