شيوخ العشائـر.. من الأنجليز الى الطائفيين

سنة واحدة ago

د.قاسم حسين صالح

اثار لقاء عدد من شيوخ العشائر بالسيد عادل عبد المهدي في (20 نوفمبر 2019) استياء كثيرين واصفين الموقف بانه لا يصح وطنيا وأخلاقيا،  فرحت ابحث في تاريخهم عن علاقتهم بالحاكم تحديدا، فوجدت انهم كانوا يقفون مع الأقوى. ففي التقرير الذي أعدته دائرة الاستخبارات البريطانية في العراق عن مشايخ ولاية بغداد سنة 1917، يذكر مترجمه الدكتور عبد الجليل الطاهر أن بعض شيوخ العشائر كانوا متعاونين مع الإنكليز، وأنهم كانوا يحصلون منهم على الرشوات، وأن الإنكليز استعملوا أساليب الإغراء وتلويث الضمائر واستطاعوا شراء ذمم بعض شيوخ العشائر.

  ويذكر (ولسن) أن الإنكليز استطاعوا أن يرشوا شيخ آل فتلة (علوان الحاج سعدون) بألف باوند، وقدموا مبلغا لا يقل عن ألفي باوند إلى آل شبل بواسطة الخزاعل ليمنعوا تسليح العشائر التابعة لهم ويبقوا هادئين..وحصل آخرون على مبالغ ضخمة، بررها الدكتور كاظم حبيب في كتابه (لمحات عن عراق القرن العشرين) بتفسير سيكولوجي بأنهم لا يحسبون ما يقدم لهم على أنه رشوة، بل بسبب قوتهم واضطرار الآخرين على تقديم ذلك لهم رغبة في التزلف لهم أو تخلصا من شرورهم.ومع أن هذا التفسير ينسجم وطبيعة الشخصية البدوية، فإنه تبرير لازدواجية المواقف ولسلوك غير مقبول وطنيا وأخلاقيا.

 وللعلم، فان الانكليز هم الذين أدخلوا شيوخ العشائر إلى ميدان السياسة. ففي التقرير الذي أعدته "المس بيل" ورفعته إلى الحكومة البريطانية عام 1923، أشارت فيه إلى أن أصلح طبقة لحكم العراق هم شيوخ العشائر. ولهذا أشرك رؤساء العشائر منذ بداية الحكم الملكي في المجالس النيابية المتعاقبة بعدد كبير قد يزيد على ثلث أعضاء المجالس المذكورة.وكانوا يأتمرون بأمر الإنكليز الذين منحوهم أراضي واسعة. وكان الحكم الملكي هو العصر الذهبي لشيوخ العشائر، اذ صاروا فيه أصحاب ثراء فاحش وجاه عظيم واعتبار اجتماعي كبير وسلطة يستعان بها في إدارة البلاد وضرب المعارضة السياسية. وكان دورهم في البرلمان مثار سخرية الناس وإطلاق النكات عليهم، من قبيل التصويت داخل البرلمان على قرار برفع الأيدي، وكان أحدهم نائما في المجلس ولما أيقظوه رفع يده وقال"موافج..يعني موافق" دون أن يعرف ما هي القصة!

  والنظام السياسي في العراق تعامل مع شيوخ العشائر بمعيار قوة هذه العشائر في دعم حكومة السلطة. فالنظام السابق شجع على استيطان عشيرة الجنابيين في الشريط الواقع جنوب بغداد لتكون حائلا بين بغداد والمدن الشيعية في الجنوب. ويذكر الدكتور علي عبد الأمير علاّوي في كتابه (احتلال العراق) أن رؤساء الأفخاذ العشائرية الجنابية منحوا أراضي زراعية خصبة في اللطيفية واليوسفية والمحمودية. ويشير التقرير الخاص من المعهد الأمريكي للسلام، نيسان 2005 إلى أن هذه المنطقة هي التي صارت تعرف في ما بعد بـ"مثلث الموت"، فيما كانت سلطة النظام السابق تنظر بعين الريبة إلى عشائر الدليم لأن عددا من ضباط الدليم كانوا قد اشتركوا في محاولات كبيرة للإطاحة بنظام صدام، أخطرها المحاولة التي قام بها  اللواء الطيار محمد مظلوم عام 1995.

  وبالمقابل عمد صدام إلى تشكيل ما أطلق عليه (شيوخ أم المعارك)..كان كثيرون منهم رؤساء عشائر شيعية اشترى ذممهم بدفع هدايا مالية ومسدسات وامتيازات أخرى، لقاء قيامهم بالسيطرة على أفراد عشائرهم وأن يكونوا عيونا للسلطة في مناطقهم، واستجاب عدد منهم طمعا بـ(التكريم) أو دفعا لشرّ طاغية لا يرحم.ومثل هذا حدث أيضا في النظام الديمقراطي، إذ التقى رئيس مجلس الوزراء (نوري المالكي) بعدد من الشيوخ ولكن بقصد كسب أصوات أتباعهم في الانتخابات وتأييدهم لشخصه.

 ولأول مرّة في تاريخ الحكومات العراقية يكون سوء إدارة الحكومة لشؤون الناس والبلاد سببا في بعث الروح الوطنية وخفض العداء الطائفي بين شيوخ عشائر في الطائفتين السنّية والشيعية.فبعد اندلاع التظاهرات في الأنبار في الأسبوع الأخير من عام 2012، ومن ثم انتقالها  إلى الموصل وسامراء ومدن عراقية أخرى، وظهور شيوخ عشائر سنّية تشكو ظلم الحكومة وتؤيد مطالب جماهير انتظمت في تظاهرات عفوية لم تستجب لها الحكومة بل سخر منها رئيسها(المالكي) بوصفها (فقاعات)، عُقد في البصرة بعد أربعة أسابيع من اندلاع تلك التظاهرات، وتحديدا في 19/1/2013 ، مجلس ضم شيوخ عشائر من البصرة وميسان وذي قار بأغلبية شيعية، أعلنوا فيه تضامنهم مع المطالب الشرعية للمتظاهرين في المدن ذات الأغلبية السنية.وفي اليوم نفسه أقام شيوخ عشائر مجلس عزاء في مدينة النجف لشيخ عشائر الجبور (محمد طاهر العبد ربه) الذي اغتيل في الموصل وعدّوه رمزاً من الرموز الوطنية.

 بالمقابل، نظمت وزارة الداخلية في اليوم نفسه مؤتمرا موسعا لرؤساء عشائر من الطائفتين.ومع انه دعا إلى تشكيل لجنة من رؤساء العشائر لتوحيد مطالب المتظاهرين، إلا أن الهدف الرئيس له هو خطب ودّ شيوخ عشائر ليكونوا مع الحكومة. ويشير تقرير لــ(المدى برس)  إلى أن  وزارة الداخلية وزعت (أمس السبت 19/1/2013)،  استمارات خاصة بحيازة وحمل السلاح لأكثـر من 150 من شيوخ العشائر بينهم زعماء قبليون من الأنبار،  ودعتهم إلى التدخل لوقف التظاهرات. وهذا حال كل الحكومات العراقية..إنها تستميل إليها شيوخ العشائر حين تشعر بخطر يتهددها، وإنها تجزل العطاء لمن يتعاون معها، وإن عددا من الشيوخ يستجيبون لذلك حتى لو كانوا يعلمون أن الحكومة على باطل.

والباطل الأكبر ارتكبته حكومة السيد عادل عبد المهدي، ضد متظاهري انتفاضة واحد تشرين/اكتوبر 2019، اذ زاد عدد شهداء الانتفاضة لغاية يوم لقائه برؤساء العشائر هؤلاء في (20تشرين ثاني/نوفمبر) على ثلاثمائة وخمسين واكثر من (15) ألف مصابا من الشباب والأحداث، فضلا عن عمليات اغتيال واختطاف وتعذيب..مبررا بعض هؤلاء الشيوخ أنهم (أوصلوا رسائل المتظاهرين لرئيس الوزراء ولم يكن للمجاملة)..وكأن مطالب المتظاهرين التي وصلت للعالم..لم تصله!

 وفي استطلاع لنا،  وصف كثيرون هذا الموقف بأنه (غير شريف، وشراء ذممهم ضد اهلهم لحكومة هزيلة فقدت مقومات شرعيتها..)و(كان عليهم أن يرفضوا مقابلة قائل أبنائهم)..وسخر منهم كثيرون بأهزوجات عراقية:

(عمت عينك وعين الردي اللايذ بيك

لو تيهت دربك دمهم يدليك

الحك راكبك من راسك لرجليك

والله عكالك ما بيه صوج..الصوج الجوه عكالك)

 بالمقابل، هناك شيوخ عشائر رفضوا دعوة رئيس الوزراء، وآخرون شاركوا او تصدروا التظاهرات..مثل عشائر ميسان الذين تظاهروا ورددوا شعارات تطالب بالاصلاح، وآخرون بنوا خيما في ساحات التحرير باسماء عشائرهم، وآخرون أقاموا مآدب عشاء للمتظاهرين مثل تلك التي اقامها عشائر الناصرية قرب جسر الجمهورية وساحة التحرير..وهؤلاء هم الذين ستبقى رؤسهم مرفوعة.. فما بعد تشرين 2019 لن يكون كما قبله..بالتأكيد.