ماضي الاستعمار وحاضره: تعدد أدوار ووحدة هدف (2ـ2)

أسبوع واحد يومين ago

رعد أطياف

كان الاستعمار البريطاني في العراق يدعم سلطة القبيلة (فيسبوك)

"إن بنية المشيخة شبه الإقطاعية في عهد "الانتداب" لم تستمد قوتها من أي حيوية داخلية، بل كانت الحياة تُضخ فيها اصطناعيًا من قبل قوة خارجية لها مصلحة في ديمومتها".

"يا فيصل، إننا نقسم على الإخلاص لك لأنك مقبول من الحكومة البريطانية"  شيوخ دليم وعنزة.

حنا بطاطو- كتاب "العراق"

دائمًا ما أميل، على أن بنية التخلف في منطقتنا العربية تتحكم فيها ثلاثة عناصر مكوّنة، وهي سلطة القبيلة، وسلطة الطائفة، وسلطة المهيمن الخارجي، وبمعنى آخر، إنها مادة تحليلية قد تسعفنا في توليد إمكانيات وقابليات لفهم واقعنا، بدلًا من التركيز على عنصر دون آخر، لدوافع قد تكون رغبوية، تعبر عن أحوال نفسية أكثر منها معرفية. فعلى سبيل المثال، يميل الكثير منّا إلى حصر الإشكاليات وتكثيفها في سلطة الطائفة، تحت عنوان الإسلام السياسي مثلًا، ويميل البعض الآخر إلى اختزالها وحصرها بالمهيمن الخارجي، رغم تأثيره الكبير، ويذهب الثالث، ربما بشكل أقل من العنصرين السابقين، إلى جعل القبيلة هي القاعدة المؤسسة لكل أشكال التخلف. فإشكاليتنا، ربما، هي كل هذه العناصر مجتمعة، وقد يتفاضل عنصر على آخر حسب الظروف التاريخية، والشروط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي تسمح بهذا العنصر أو ذاك بالبروز أكثر من غيره.

 

 بنية التخلف في منطقتنا تتحكم فيها ثلاثة عناصر، وهي سلطة القبيلة، و الطائفة، و المهيمن الخارجي.. إنها مادة تحليلية قد تسعفنا في توليد إمكانيات وقابليات لفهم واقعنا

 وبودي أن أركز على سلطة القبيلة ودورها السياسي والاجتماعي في العراق، باعتبارها احد أسباب التخلف في واقعنا العراقي المضطرب. واستكمالًا لما سقته في الجزء الأول من هذه المقالة، سأقتبس بعض الشواهد التاريخية، مستعينًا بحنا بطاطو، كالعادة، للدور الذي لعبته القبيلة في ترسيخ السلطة الرجعية وإضعاف سلطة الدولة، واستثمارها من قبل المهيمن الخارجي والداخلي معًا، في المحافظة على ديمومة السياسات التسلطية.

 في عام 1928 أعيد إحياء التجنيد الإجباري، فاعترض في حينها أحد رؤساء العشائر، وهو عبد العباس الفرهود، من بني ربيعة، أثناء الاجتماع الذي حضره النواب المشايخ، قائلًا إنه لديه ثلاثة ألاف رجل، وأنه يفضل "الذهاب إلى ابن سعود عن إرسالهم إلى التجنيد"، فوافقه شيخ آخر وهو منشد الحبيّب، من الغزي، أنه سيتّخذ القرار نفسه. معنى هذا أن هؤلاء لا مانع لديهم لاختراق سيادة البلد الوطنية وتقديم خدماتهم لأي دولة كانت طالما تبقى امتيازاتهم محفوظة، الأمر الذي يعطينا إشارة واضحة عن قوة العشيرة وسطوتها يوم ذاك.

أكثر من ذلك، فقد أرسل شيخ البو سلطان، عداي الجريان، بمعية خمسة عشر شيخًا من شط الحلة، برقية إلى المندوب البريطاني يعلن فيها احتجاجه واستعداده "الدعم لمشروعه المفيد الذي من دونه لا يمكن للعراق وأبناءه أن يحققوا التقدم". وقد أعلن مشايخ بني ربيعة بأنهم ينظرون "باشمئزاز حقيقي إلى احتمال سحب الإشراف البريطاني". ومن الدليم جاء علي السليمان، بمعية أربعين رئيس عشيرة، وذكّروا الملك فيصل بكل صلافة "بأنهم أقسموا على الولاء له شرط أن يقبل بالتوجه البريطاني".

ومن الأمثلة الحية على هذا "الدلال" الذي يحظى به شيوخ العشائر، وبالخصوص الشيوخ المُنصبين من قبل قوات الاحتلال (بماذا يذكرنا هذا؟!)، واعتبارهم "خطوط حمر". وتذكرنا هذه الحادثة عن المدى الذي وصلت إليه سلطة الرجعية في العراق، وهي كالتالي: تورط أحد الأفخاذ الفرعية من عشيرة البوسلطان، عام 1918، في معركة دموية، والسبب الكامن وراء ذلك، أنه تحدى سلطة الشيخ العام الذي اختاره البريطانيون، عداي الجريان، فخرج الضابط السياسي البريطاني على رأس قوة من المجندين، فدمر قرية فخذ العشيرة الفرعي وحرمه من ماشية قيمتها 6000 روبية أو أكثر. وفي عام 1926 استخدم الإنجليز العربات المسلحة والطائرات ليخضعوا عشائر فرعية ثائرة ضد الشيخ عجيل الياور من شمّر.

ثمّة نقطة شديدة الأهمية، يشير إليها حنا بطاطو، ولعلها تكون أحد النقاط المساهمة في إباحة العنف في العراق الحديث، على الأقل، وربما تكون بدايتها في أول لحظة اغتصاب للملكيات المشاعية للعشائر، والتي قام بها المشايخ والأغوات لتدعيم سلطتهم، وتحويلها إلى ملكيات خاصة، من خلال سلب ملكيات الجيران الضعفاء، عبر تواطؤ وسكوت الدولة في حينها، ودعم سلطات الاحتلال المعروفة.

 

لقد كانت هذه العائلات، من المشايخ والأغوات، هم القاعدة الاجتماعية التي تشكلت في العراق الحديث،  بمعنى أدق، إنهم "الطبقة المهيمنة" وفقًا للتعريف الماركسي

كان الشيخ موحان الخير الله، من عشيرة الشويلات، الذي بقي طويلًا عضوًا في البرلمان عن لواء المنتفق. كانت عشيرة هذا الشيخ تزرع في العالم 1919، على الغراف، مساحة طولها عشرة أميال بعرض ستة، أي حوالي، 60000 ألف دونم. فقد وضع يده في العام 1949 على أكثر من مليون دونم. لقد توصل هذا الشيخ لتنفيذ سياساته العدوانية وتدعيم سلطته بالتحالف مع سيد عبد المهدي، الذي كان لمرات وزيرًا للاقتصاد وللأشغال العامة، وصكبان العلي شيخ خفاجة، باستعداء الأفخاذ الفرعية بعضها ضد بعض، وكان يسقط عشرات القتلى من الطرفين. وكانت الحكومة صامتة إزاء ما يجري ولم تتخذ أي إجراء يذكر، رغم الشكاوى التي كانت ترفع للوصي على العرش في حينها.

لقد كانت هذه العائلات، من المشايخ والأغوات، هم القاعدة الاجتماعية التي تشكلت في العراق الحديث،  بمعنى أدق، إنهم "الطبقة المهيمنة" وفقًا للتعريف الماركسي. وكانت معظم أراضي العراق بحوزتهم، يصل الأمر لدرجة أن اثنين من الملاكين يسيطرون على جميع أراضي الكوت!،  بدعم من الوصي على العرش، وسلطة الاحتلال. بمعنى آخر، كانت الرجعية هي الطبقة المهيمنة! ويكفي أن نسلط الضوء على أعضاء الإدارة العليا للحزب الدستوري الذي تزعمه نوري السعيد، إذ كان معظم أعضائه من رؤساء العشائر، ذلك إن نوري السعيد كان يؤيد فكرة تنظيم القوة المهيمنة اقتصاديًا.

لكن عن أي طبقة مهيمنة نتحدث؟ بالطبع لا نعني هما الطبقة البرجوازية الأوروبية المستنيرة، وإنما عن أناس جهلة مستواهم الفكري متدنِ للغاية، بل كانوا بالكاد يجيدون القراءة والكتابة، بحسب حنا بطاطو. وعلى الرغم من ذلك كله، فإن حصتهم من التعيينات الوزارية كانت ترتفع بالتدريج حتى وصلت إلى 6 بالمئة عام 1947- 1958. لكن، وبما أن المشايخ (طبقتنا المهيمنة اقتصاديًا) يكرهون النظام والانضباط، وخلوهم من أي مؤهلات، فلم تعجبهم فكرة العسكر والانتماء إلى سلك الضباط، ما عدا اثنين منهم فقط.

إن القاعدة الاجتماعية التي أسسها هؤلاء، بدعم من الداخل والخارج كما قلنا، أسس لهيمنة اقتصادية وسياسية لاحقًا؛ إذ كانوا يقدمون دعمهم، خصوصًا عوائل ربيعة والمياح، للشخصيات الرابحة سياسيًا،  بل كان دعمها ثابتًا لسياسات الإنجليز ونوري السعيد، الأمر الذي سهّل عليهم إضفاء صفة القانونية على سرقاتهم وهيمنتهم الاقتصادية. وتمكنوا من مضاعفة عقاراتهم وأملاكهم؛ فبحسب شهادة زعيم الحزب الوطني الديمقراطي كامل الجادرجي، فإن آل الجريان والبو سلطان في عام 1910 لم يكونوا يملكون "حتى قطعة مفروشات باسمهم وكانوا ينامون في الأكياس"، لكن في عام 1958 راكموا 183722 دونمًا في لوائي الحلة والكوت، وبالطبع كان بمساعدة الإنجليز.

وبما أن المحتلين لا يتنكرون لأصدقائهم، الذين ساعدوهم على قتل أبناء جلدتهم، فقد قدم الإنجليز هبات سخية لآل سهيل النجم، شيوخ بني تميم، الذين ساعدوا المحتلين في الحرب العالمية الأولى وخلال أحداث 1941 عندما خصص حسن السهيل أشرطة أرضية من عقاراته لاستخدام الطيران البريطاني، فكان الثمن هو امتلاكهم 125502 دونمًا عام 1958 في لوائي بغداد وديالى. ويماثلهم في الولاء، هو شيخ العزة، حبيب الخيزران، الذي منحته حكومة ياسين الهاشمي أرضًا عام 1936 كمقابل لتعاونه للإطاحة  بوزارة علي جودت الأيوبي، فكانت حصته من هذه "المساعدة" 55727 دونمًا.

 

لا ندري أي قدر يلف تاريخ العراق فيغدو ماضيه السياسي وحاضرة نسخة طبق الأصل، ففي ماضيه كانت القبيلة وأما حاضره فهي الطائفة رغم تشابه الأدوار

 ولا أدري أي قدر يلف العراق على تاريخه السياسي، فيغدوا ماضيه السياسي وحاضرة نسخة طبق الأصل، اللهم إلا باختلاف "الطبقة المهيمنة"؛ ففي ماضيه كانت القبيلة، وأما حاضره اليوم فهي الطائفة رغم تشابه الأدوار والمستويات!

 وتجنبًا للإطالة، فسأختتم المقالة برسالة من مفتش إداري بريطاني إلى مستشار وزارة الداخلية للواءي الديوانية وكربلاء، جاء فيها:

"لقد عُرفت حالات لمشايخ تلاعبوا بالانتخابات بحيث سيطروا هم على كل الأصوات الثانوية في العشيرة وكانوا بذلك في موقع بيع ثلاثين صوتًا أو أكثر بالمزاد لمن يدفع السعر الأعلى".

  هل ثمّة شيء مختلف بين الأمس واليوم؟!

عراق ألترا