أزمة القيادة والانتفاضة

أسبوع واحد يومين ago

فوزي عبد الرحيم

بعد اندلاع الاحتجاجات في العراق والقمع الشديد الذي واجهته وبعد اجتماع الأحزاب والتحالفات الحاكمة واتخاذها القرار بعدم تقديم اي تنازل للشعب المنتفض والمضي في حكم البلاد بنفس الطريقة رغم مرور أكثر من شهر ونصف على الانتفاضة وسقوط الآلاف من شباب العراق بين شهيد وجريح ومعتقل ومختطف وهو مايستوجب أقل منه بكثير في بلدان أخرى حدوث تغييرات سياسية كبيرة فان الانتفاضة تدخل في مفترق طرق خطيروتتعرض لتحدٍ في قدرتها على الاستمرار..إن السلطة تتعرض منذ بعض الوقت الى ضغوط من قوى النظام الخفية للذهاب للحل الأمني متشجعة هذه المرة بالطريقة التي تعاملت ومازالت به السلطة الايرانية مع الاحتجاجات في ايران حيث لم يعد يخفى توارد الخواطر بين الشعبين العراقي والايراني واستجابة عراقية حكومية للتصور الايراني لانهاء الانتفاضة العراقية التي تتعرض لضغوط سياسية وأمنية من قبل بعض قوى الإسلام السياسي التي تتواجد في ساحة التحرير دون أن تنضوى تحت راية الانتفاضة بل ترفع راياتها وشعاراتها الخاصة في مسعى لتفريغها من شحناتها الثورية واستخدامها للحصول على مزيد من المكاسب..لقد واجهت الانتفاضة العديد من التحديات وتجاوزت بعضها ومازال امامها تحديات خطيرة تتعلق بانعدام الخبرة السياسية وعدم وجود القيادة وهي أمور ستمس الحاجة اليها في الأيام القادمة..لقد اكتسبت الانتفاضة خبرة كبيرة في عدد من الأمور لكنها في حاجة للوقت لمزيد من الوقت لمزيد من الخبرة فالسلطة أدركت أن عامل الوقت لايعمل لصالحها وإن الخيار الامني هو خيارها من أجل تفادي استحقاقات التنازلات السياسية الضرورية لتهدئة المحتجين,فهي غير مستعدة أبداً لدفع أي ثمن يفترضه تفهم مطالب الشباب المنتفض..إن الخيار الأمني سيترافق مع اجراءات سياسية لاجهاض الانتفاضة وعزلها قبل تصفيتها بالقوة وهو مايستدعي استجابة واعية لهذا التحدي تستند الى معرفة عميقة بالظروف المحيطة بالانتفاضة والعمل على معالجة النواقص التي بينتها التجربة الماضية وكذلك أي اختلالات في الاداء,ولعل مشكلة القيادة تحتل الأهمية القصوى ضمن سلم أولويات مهام الانتفاضة..

لقد أعاب كثيرون على الانتفاضة افتقادها للقيادة بل ذهب بعض اليساريين الى التشكيك بها وبخلفياتها ودوافعها بسبب ذلك في حين رأى اخرون إن حراكاً سياسياً بدون قيادة لايمكن الاستثمار فيه ولا يمكن الدخول في خضمه ورغم أن تجربة الاسابيع الماضية اثبتت نزاهة الحراك من التأثيرات البعثية أو الاجنبية فإن هذا الرأي مازال سائداً..إن معضلة القيادة التي نقر بأنها مشكلة جدية تواجه الانتفاضة لكننا لا نوافق من يجعلها سبباً لإدارة الظهر لها,فأزمة القيادة ليست وليدة اللحظة التاريخية الراهنة وإنما هي نتاج عقود من الاجراءات القمعية غير المسبوقة والسياسات المرافقة لها مايجعل من الظلم تحميل الآجيال الشابة مسؤولية هذا العيب الخطير في العمل السياسي الذي يجب أن يرافق العمل الاقتحامي الميداني الذي أذهل به شبيبة الانتفاضة العالم.

إننا ورغم دعمنا غير المشروط للانتفاضة لا نتحرج من ذكر نواقصها كلما كان ذلك ضرورياً لأن مشروع الانتفاضة قد يكون الأمل الاخير لجيلنا ليشهد عملاً ثورياً حقيقياً لتغيير أحوال البلاد وهو بالنتيجة نتاج استثمار كلف الكثير ,ففي الأيام الأولى للانتفاضة تصاعدت وتيرة التصريحات المعادية للأحزاب وهو أمر وإن يكن مفهوماً في إطار الممارسات السيئة لأحزاب الاسلام السياسي لكنه تجاوزالأمر للتعبير عن الكراهية للعمل الحزبي والسياسي والتشكيك بكل اشكاله,ورغم أن هذا عدا ما ذكرناه ناجم عن انعدام الخبرة والمعرفة لكنه في المقابل جزء من تركة البعث السياسية العالقة بدون وعي في ذاكرة جيل الشباب هذا والتي رسخها من خلال وسم كل أشكال النشاط السياسي والحزبي خارج الإطار الرسمي بالخيانة وشرع لذلك قوانين أودت بأرواح الآف من العاملين في الحقل السياسي الأمر الذي أدى في النهاية الى حالة من الجدب السياسي عاشت في ظلها أجيال عانت من فجوة كبيرة فصلتها عن تاريخ بلدها السياسي وإرثها النضالي ..لقد كان العمل العام والانتماء السياسي والحزبي جزءاً اساسياً من تقاليد الحياة العراقية حيث كانت العوائل تفتخر بمساهمات ابنائها السياسية وتكرسها وهو ما انقلب في عصر صدام الى رعب وحالة ينبغي التخلص منها خشية العواقب القاسية المترتبة أمنياً واجتماعيا وقانونياً ..لقد دعونا ولانزال كل من له سبق نضالي أن يتخلى عن تحفظاته عن دعم الانتفاضة وذلك لرفدها بالخبرة والتجربة السياسية والتنظيمية والمساهمة بذلك وغيره بحل معضلة القيادة .. إن توجه السلطة المتوقع نحوالحل الأمني وما سيرافقه من تحركات سياسية وإعلامية ستجعل من وجود قيادة للانتفاضة امراً وجودياً بدونه تواجه مصيراً مجهولاً,فهناك ستكون حاجة لاتخاذ مواقف تفرضها إجراءات السلطة وضرورات التكيف مع أي أوضاع مستجدة أو تغيير تكتيكات الانتفاضة أو أساليب العمل ناهيك عن الحاجة لإدارة الأمور اللوجستية وكل ذلك يتطلب قيادة مخولة تتخذ القرارات الضرورية وتستخــــــــدم الأدوات المناسبة .