أهل الجنوب.. شعب الله المُحتار!

6 أيام 15 ساعة ago

رعد أطياف

حاضر أهل الجنوب هو ماضيهم بالضبط (Getty)

"كان السكّان يتغوّطون- ببساطة- أينما كان.. ولم يكن هناك كذلك أي تزويد  بمياه نقية للشرب وكان يتوجب نقل هذه المياه من خارج المنطقة وتخزينها في "حِبّ" وكان الأثاث المعتاد عبارة عن صندوق فجّ وبعض أدوات الطبخ وفراش واحد تُكّوَم فوقه البطانيات نوم بقية أفراد الذين كانوا ينامون على الأرض. ووجد أن معدل وفيات الأطفال لكل 1000 حالة حمل كان 341."، من عملية مسح لأهل "الصرايف" لطبيب بريطاني 1952.

"عمّي نريد نعيش!.. منذ أشهر قتل جار جاره، بالقرب من "صريفتنا" لأنّه فقد حبتي طماطم من كوخه.. عمّي.. كل من يطعمني ويكسيني يكون أبي!" - لقاء حنّا بطاطو بأحد أهل "الصرايف".

 

 ثمّة "خيول أصيلة" حديثة العهد بالتنمّر والأمراض الطبقية، دخلت المضمار السياسي في هذه العاصمة النرجسية، وتتحكم بمفاصل الدولة بشكل كبير

بعد سقوط البعث تم استعادة المفردات المتعالية للمعجم الطبقي من بعض البغداديين المتنمرين. والطريف في الأمر، إن ذات المعجم القديم وذات الشخوص تم شتمهم من جديد من قبل "السكّان الأصليين". ويذكرنا موضوع الأصالة المزعوم بتصنيف الخيول إلى أصيلة وغير أصيلة، لكن ثمّة "خيول أصيلة" حديثة العهد بالتنمّر والأمراض الطبقية، دخلت المضمار السياسي في هذه العاصمة النرجسية، وتتحكم بمفاصل الدولة بشكل كبير، والكثير من هذه الطبقة حديثة النعمة تُعَد – وحسب التراتب الطبقي- من الشروقيين.

إنها الطبقة التي يرجع أصلها إلى الفلاح الذي كانت تطارده لعنة الإقطاعي فعاش ذليلًا مهانًا لا يجري تصنيفه ضمن السلّم البشري، بل في بعض الأحيان يُعّدُ وباءً يستشري في العاصمة فيجب ترحيله إلى الأطراف لأغراض صحية!

لقد كانت مدينة العمارة/محافظة ميسان، هي منبع الشروقيين "شروكَيّة"، لذا فقد نالت حصة لا يستهان بها من الشتم والتحقير وتحشيد المعجم الطبقي ضدها، وكانت ضحية ثنائية الريف والمدينة، الفلاح والحضري، "شروقي"/بغدادي، سكّان أصليين/ سكّان مزيفين!

يقول حنا بطاطو ما مضمونه، ذهبت عزّة النفس إلى أقصاها لدى أهل العمارة حينما كانوا يرفضون أي أجر مادي ما عدا حراثة الأرض وزرعها، فأي عمل غير هذه الحرفة يعد عارًا. لذلك حينما أُجبِر أهل العمارة ببناء الطرق أيام الاحتلال البريطاني، رفضوا أخذ المال لكي لا يحسبوا أجراء! ثم تغير الحال في الخمسينيات؛ إذ وصل الحال بالفلاحين العشائريين القبول بأي عمل يدوي في المدينة مهما كان متدنيًا ووضيعًا. ولنا أن نستنتج إلى أي مدى وصلت حالة الفقر بهؤلاء السكّان.

لا أتكلم هنا عن صحة هجرة الفلاح من الريف إلى المدينة وآثارها السلبية على الاثنين معًا. لكن، ولاحترام عقولنا،  ينبغي فهم الأسباب الجوهرية التي دفعت هذه الفئة المغضوب عليها بالهجرة إلى بغداد يوم ذاك، مخلفًة ورائها قصة عذاب بشري كان بطلها بحق الفلاح العراقي. كانت موائد الشيوخ والملّاك والبكوات والأغوات والطبقة السياسية والعوائل الثرية البغدادية تلتهم الثمار الطيبة التي يؤمّنها لهم الفلاح بإيثار و صمت!، في الوقت الذي كانوا منشغلين بنرجسيتهم الفارغة وتصنيفاتهم الطبقية.

رغم كل هذا الذل والعذاب الذي كان يكابده في زراعة أرض الشيخ، لم يستطع الفلاح من تأمين قوته؛  ينتظر تقسيم الحصاد لسداد ديونه، لكنه لم  يتمكّن من تسديد ما عليه لشيخه الإقطاعي، لتلف المحصول أحيانًا، ولعدم قدرته على أدوات الزراعة التي كان يشتريها من مالك الأرض. بالإضافة إلى القوانين التي كانت تقف بجانب الإقطاعي واستعباد الفلاح، بل أن ملاك الأراضي كانوا يستغربون من حقيقة تقول "حق الفلاح"، إذ امتنع أحدهم مستغربًا عن وجود حق للفلاح، ومؤكد لم تكن عبودية الإقطاعي للفلاح هي السبب الوحيد، رغم تأثيرها المباشر، وإنما رافقت هذه الحالة ظروف ساهمت بتجفيف بعض فروع الأنهر، والفيضانات، وملوحة الأرض. فمن هذه الناحية كانت المدن هي المراكز السحرية ذات الجاذبية المميزة لهذا الفلاح المسكين.

 

يظهر أن الدولة العراقية منذ نشوئها قامت على هذا الثنائية الطبقية: الشيخ والفلاح، لكن أي فلاح منهم بالضبط؟ إنه ذلك الفلاح القادم من جنوب البلاد

وفي غضون عشر سنوات (1947-1957) بلغت الأعداد المهاجرة إلى بغداد 205765نسمة. إلى أن بلغ تعدادهم 378996، اعتمادًا على إحصائية 1957، ولقد شكّلوا في حينها نسبة 29 بالمئة من سكّان بغداد.

يذكر حنا بطاطو آثار هذه الهجرة من "أنها أحدثت خللًا في الاقتصاد، واستنزفت قوة العديد من المناطق الريفية، وأثقلت كاهل المدينة العاصمة والسكّان والمشاكل". غير أن الفكرة، كما قلنا، ليست هنا، وإنما بؤس الفلاح وتلك اللعنة الطبقية التي تطارده، والظروف التي أجبرته لهذا النزوح الكبير.

وفي عام 1956، كانت هناك  16413 "صريفة" في بغداد، موزعة في تسع مناطق، وكانت هذه الصرايف مبنية بالقصب والحصير، وتُغطى في الطين أيام الشتاء. وكانت هذه الصرايف تضم 5-6 أشخاص بحسب حنا بطاطو. وقد نستنتج من هذا سبب وفاء سكّان المناطق الشعبية (أحفاد أهل الصرايف) إلى البقاء، حتى هذه اللحظة، مجتمعين في بيت واحد حتى لو تحسّنت أحوالهم المعيشية، إذ لا زالوا متمسكين بالبقاء في بيت واحد يضم أكثر من عائلة.

غير أن عامل الفقر يبقى السبب الأوليّ لهذه الحالة التي لم تجد الحكومات المتعاقبة على العراق حلًا لها، بعد أن كانت هذه المناطق الشعبية تمدهم باليد العاملة، لكنّها لم تحرر بعد من "لعنة" القاموس الطبقي الرجيم. حتى لو كان أهل الصرائف يسكنون في موقع كانت تستخدمه الحكومة  مدفنًا للفضلات البشرية والحيوانية وللنفايات. فالأهم ذمّهم واحتقارهم، وليس تنشئتهم وتعليمهم وتدريبهم، ويظهر أن الدولة العراقية منذ نشوئها قامت على هذا الثنائية الطبقية: الشيخ والفلاح، لكن أي فلاح منهم بالضبط؟ إنه ذلك الفلاح القادم من جنوب البلاد.

فبالتالي لا يمكن شمول الفلاح الفقير بمكرمات الحكومة الملكية، ولذلك كانت الشعارات الفضفاضة تستولي على ذهنية الحكومة ونظرتها لهذه الكتلة البشرية المُحَطَمَة. وقد أعلن في وقتها وزير الشؤون الاجتماعية، كما يذكر بطاطو، من أن الحكومة توصلت إلى حل "أفضل" من خلال تقسيم أهل الصرايف إلى "ثلاث فئات: عائلات الجنود، عائلات رجال الشرطة، وآخرين. والفئتان الأولى والثانية تخدمان الحكومة، وسيكون لأفرادهم بيوتهم الخاصة بهم. أما الآخرون فسينقلون بعيدًا عن المدينة حسب ما تتطلب قواعد الصحة العامة. "والمُلاحظ أن إدخالهم في سلك الشرطة كان يخضع للجدوى الاقتصادية؛ إذ كانت هذه الحشود البشرية التي تعاني أشد حالات الانكسار والتقهقر والشعور بالعوز الشديد والفاقة، غير مُكلِفة اقتصاديًا، ذلك إن "الشروقيين" يمثلون قيمة اقتصادية غير مكلفة، وبهذا الشأن وحده جرى إدخالهم في سلك الشرطة.

 

 ترى ما الثمن المناسب على أهل الجنوب تسديده لكي تنتهي محنهتم الأزلية، ما الكمية المناسبة من الضحايا نعلّقهم على صليب الموت، ليغدوا أهل الجنوب بشرًا أسوياءَ في عين السلطة؟!

 أما المتبقون من هذه الجحافل البشرية قد استطاعوا ترجمة هذا الذل والهوان عبر تعميق الوعي الطبقي وإدراكهم لـ"وعي الفقر" ليلتحقوا في صفوف الحزب الشيوعي. لقد كانوا القوّة السياسية المهمة، لاحقًا، في الانتفاضات الشعبية، مثلما يفعل اليوم أحفادهم في انتفاضة تشرين؛ فحاضر "الشروقيون" هو ماضيهم بالضبط ولم يتغير شيئًا!

 

 شيء يثير الصدمة: الأحفاد يرثون ماضي الأجداد!، إنهم يسكنون في بيوت الحواسم، ويملأون المدينة بالعجلات الشعبية (تكتك)، ولا زالوا يشكّلون الأيد العاملة الرخيصة، ولا يمتلكون المؤهلات اللازمة ليتفاوضوا عليها في إيجاد فرص عملة لائقة بالبشر؛ فإذا كانت حكومات الماضي جعلت منهم منتسبي شرطة، فحكومة اليوم جعلت منهم مشاريع استشهاد، وكانوا مشاريع استشهاد، وأرضًا محروثة بالقتل المجاني من قبل معسكر القنّاصين الحكومي.

إن السكّان "الأصليين"، الجدد، ومضطهدي الأمس وضحايا الإقطاع؛ يذلون قومهم بكفاح غريب، وكانت آخر عمليات الإذلال المُنَظّم ضدهم، هي قتل الشباب وإعاقتهم والتنكيل بهم، في أكبر عملية، أقدم عليها شباب تشرين في تاريخ العراق الحديث، لتهذيب الديمقراطية، والمطالبة بتغيير هذا النظام الفاسد. فحاضر أهل الجنوب هو ماضيهم بالضبط!، مهما اختلفت وجوه سكّان العاصمة النرجسية، فالمنطق الذي يحكمها واحد: السلطة.

 ترى ما الثمن المناسب على أهل الجنوب تسديده لكي تنتهي محنهتم الأزلية، ما الكمية المناسبة من الضحايا نعلّقهم على صليب الموت، ليغدوا أهل الجنوب بشرًا أسوياءَ في عين السلطة؟!

عراق ألترا