- المؤتمر الوطني التاسيسي- هو الحل/1

4 أيام 23 ساعة ago

عبد الأمير الركابي

يعود خيار "المؤتمر التاسيسي االوطني العراقي" الى عام الغزو الأمريكي عام 2003، ففي ذلك الحين التقت 11 شخصية وطنية عراقية من مناهضي الغزو والاحتلال وخياراته في العاصمة الفرنسية باريس، وقرروا اعلان خيار "المؤتمر الوطني التاسيسي"، المجتمعون هم من تيار المعارضة الوطنية العاملة خارج العراقي، وممن اتسمت مواقفهم بمناهضة سياسية الاستعانة بالامريكيين وباية قوة خارجية عاتية، لتغيير النظام، مع تبني وجهة التغيير وطنيا على صعوبتها، وكونها تتعارض مع جوهر طبيعة النظام، وتتعاكس مع اليات وجوده وكينونته،لدرجة انها قد لاتقل خطرا من وجهة نظره عن احتمالات الغزو، ضمن ظروف اختلال غير عادي ولحظة تاريخية غدت فيها الولايات المتحدة الامريكية القوة الإمبراطورية الوحيدة السائدةعلى مستوى الكوكب، بعد غياب الاتحاد السوفيتي وانتهاء زمن الثنائية القطبية.
وفي المنتدى الاجتماعي الأوربي الذي كان منعقدا وقتها في باريس، وفي قاعته الرئيسية اعلن عن الخيار المذكور امام وسائل الاعلام العالمية والعربية، وكان ذلك الحدث قد عنى دخول العراق طورا من تاريخه خاصيته الرئيسية الصراع بين وجهتين، وجهة تكرس الفبركة والبداهات وماينتمي لمجمل ترسانة وبقايا أفكار شائعة بخصوص الدولة والوطنية، ترعاه وتجعله ممكنا قوى واشتراطات دولية اكثر منها ذاتية، وبين استعادة اليات الوطنية والذاتية العراقية المفتقدة في غمرة ماعرف بالعصر والحداثة الزائفة.
ولم يكن مطروحا في حينه، الاعتقاد بان المقترح او الخيار المقترح سياخذ طريقه الى الواقع، او الى التطبيق باي شكل كان، فالخيار الاحتلالي الأمريكي ومترتباته، كان هو المرجح بالتظافر مع حزمة من القوى المنتهية الصلاحية، الخارجة من دائرة الفعل التاريخي، والمفعمة بالنفعيىة الشخصية والحزبية العشائرية، والتي هي حصيلة مشوهة نمت وتشكلت خلال الطور المذكور والمستمر من عام 1921 حتى 2003 باعتبارها قوى عاجزه عن استكناه، او التصدي للمهمة الرئيسية المتمثلة في التعرف على الذات الوطنية، وهو ماكان مطروحا بإلحاح في العشرينات من القرن الماضي، وعجزت النخب العراقية عن احراز أي نجاح يذكر في محاولة الاقتراب منه، او استجلاءه، مادفع بها ولالحاح الضرورة لان تهرب الى الايديلوجيات الجاهزة فتستبدل بها ماهو متعذر ومستحيل، أي ان تقبل التعامل مع الواقع العراقي بعين الاخرين ووفقا لوصفات جاهزه مصدرها اما الحاضر الأوربي، او الماضي المستحيل الحضور في اللحظة الراهنة. ماجعل تاريخ العراق خلالل 82 سنه من عمر الدولة المفبركة المقامة من خارج النصاب المجتمعي، وبالضد من اشتراطات اكتمال التشكل الوطني كشرط لقيام "الدولة/ الامة"، تاريخ فبركة مزدوجة من الأعلى ومن الأسفل.
والأكيد ان المجموعة التي تبنت طرح الخيار الجاري الحديث عنه مع الغزو وعلى وقعه لم تكن على دراية تامة، او انها قد توفر لها في حينه تصور لتاريخ العراق، قائم على تحسس عامل غياب الوطنية العراقية وتاخر تبلورها، الا ان اللحظة على دلالتها وقوة وقعها التاريخي قد حركت ولاشك شعورا مضمرا كامنا وحيا، وتحسسا صحيحا اوليا، كان كافيا للدفع بالنفر المذكور لا ن يسعى مااستطاع ليرسم على خارطة اللحظة تفارقا في الخيارات، فسعى هؤلاء مااستطاعوا لان يكرسوا الخيار المضاد المقابل لخيار العملية السياسية الطائفية المحاصصاتية مع جمله عناصرها الميته والمفتقرة لاي قدر من الفعالية الحيوية او التطابق مع المهمات التاريخية.
وفي هذا السياق جرى عرض خيار المؤتمر التاسيسي حيثما توفرت الفرصة والإمكانات فتم عرضه في مؤتمرجكارتا العالمي للقوى المناهضة للعولمه، كما عرض على الجامعه العربية وعلى امينها العام في حينه عمر موسى، الذي استقبل وفدا يمثل الخيار المذكور في مقر الجامعه، كما واصل المتبنون لهذا الخيار الكتابه في الصحافة العربية، مع المواضبة على حضور المؤتمرات العالمية، ومنها مؤتمر المنتدى العالمي لمناهضة العولمه في البرازيل، الى ان تقرر عقد مؤتمر تحضيري، ساعد على اقامته ماديا ( هذا مااكشفه اليوم لأول مرة) المرحوم ياسر عرفات أبو عماربالدرجة الاولى، والأمين العام لحز الله السيد حسن نصر الله ماديا ولوجستيا إضافة لوليد جنبلاط، بينما ارتؤي وقتها اتخاذ بيروت مكانا لعقد المؤتمر المذكور في صيف عام 2004 وتمت المباشرة بتوجيه الدعوات الى الشخصيات من كل المكونات والاتجاهات داخل العراق، فكانت الحصيلة اشتراك قرابة 350 ثلاثمائة وخمسون شخصية، وصلوا الى بيروت وساهموا خلال ثلاثة أيام دام خلالها المؤتمر في النقاشات التي دارت، بمستوى عال من روح التوافق والحرص مع الحمية الوطنية والرغبة في اللحمة بظل الاختلاف ومن خلاله.
ولقد ادرك الامريكيون واجهزتهم الاستخباريه وبدليل محاولاتهم الفاشلة الاتصال بالقائمين على المؤتمر في بيروت، ان مايحدث هو تلويج بدا يصبح جديا،بخيار اخر، بالاخص وان ماهم بصدد تكريسه في العراق من نمط سلطة مهلهلة، كان مايزال في بداياته، وبلا خطاب، وبلا خطة،لااية مقومات سياسية او فكرية، او حتى اعتبارية، لولا التعكز عل كره النظام المنهار، وتضخيم هذه الناحية لدرجة الهوس، تعويضا عن الإفلاس في المجالات ذات الصلة باللحظة وكيفيات الاجابه عليها سياسيا وعمليا بما بتفق مع متطلبات اللحظة وطنيا وعالميا.
ولم تجد اجهزه المحتل سوى وسيلة الاعتقالات لبعض من حضروا مؤتمر بيروت كما مورست أساليب التشهير والتسقيط بحق شحصيات متصدره لخيار المؤتمر التاسيسي إعلاميا على يد خدم الاحتلال، ومنهم القيمين على الدكانه التي ترفع اسم الحزب الشيوعي وتدار من السفارة الامريكية، ولم يكن الوضع يسمح في حينه بان يتواصل الصراع بين الوجهتين، فخفت صوت المقترح الوطني تحت وطاة جمله من العوامل على راسها كون اللحظة الجاري التصدي لها، ذات طابع وجوهر انتقالي تاريخي، فاصل بين طور من حضور وفبركه الغرب لشكل ونوعيه الاطار السياسي والكياني، اعترض مسار التشكل الوطني وقطعه، ليفرض عليه منظوره ونموذجه الغالب في حينه، وبين وصول هذا الشكل من الكيانية والنظم الى نهايته، وانتهاء تاريخ صلاحيته.
ومثل هذه الحال غير العادية لاتتوقف خصوصيتها الاستثنائيه عند مجرد تعاقب بين مرحلتين وزمنين فحسب، من دون اضافه اهم مايميزها من عامل يزيد من تعقيدها، هو من نوع العوامل المستمرة والمرافقه لتاريخ العراق ماضيا وحاضرا، ذلك هو عنصر غياب القدرة على استكناه الذات الوطنيه والتعرف على البنية التاريخية ومقاربة خصوصيتها الاستثنائية، وهي نفس النقيصه الأساسية التي جعلت الحزبية الايديلوجية التلفيقية تحتل بعد العشرينات والثلاثينات، المكانه التي احتلتها كبديل عن متعذر ضائع، ماقد ترك للمتبقيات البالية والركامات الخرائبيه، وفضلات الأفكار والمفاهيم المستعارة من حاضر الاخر، ومن الماضي المنقضي المستحيل احياؤه، تجد لها شيئا من مبرر احل على الحياة شكلا بائسا ومهترئا من اشكال ممارسة الحكم والسلطة، جوهرها "الريع بلا دولة" ومرتكزاتها غير عراقية، بل احتلاليه وإقليمية من دون أي دفع يعين حدود الذاتية الوطنية، ومايتصل بها من مقومات السيادة والشخصية، فضلا عن الدور.
ولايشمل مظهر النقص الأساسي العريق أولئك المنخرطين فيما يسمى العملية السياسية المحاصصاتية الطائفية لوحدهم، بل يتعداهم مع اختلاف الموقع الى من يعارضونهم ومن يقفون من الغزو والاحتلال ووقفوا بالاصل ضد الغزو الأمريكي ومشروعه السياسي، فالنقص والقحط في مجال الرؤية الوطنية، يشمل هؤلاء ويدفعهم من دون إرادة منهم، لاستعمال نفس الترسانه الايديلوجيه مع شي من محاولات التحرر من وطاة الدوغمائية، والانحياز لجانب ماهو من قبيل الحقوق والمباديء، وهو مالايكفي بالطبع ومايبقي المعركة الى اليوم تدور ضمن نفس الأسس والقواعد، الامر الذي لم يعد يتفق لامع الحال العراقية وطنيا، ولا مع حقيقة العالم ومتغيراته التي لم تعد تزكي، او تسمح بمثل انماط الأفكار والايديلوجيات الثلاثينية الستينية، فالغرب لم يعد اليوم هو نفسه، والطور المصنعي من الراسمالية ومابترتب وترتب عليه من رؤى وممارسات استعمارية امبريالية، وضدها، لم يعد له وجود ولا أي اثرفعال، في حين تصبح عملية الانتقال باتجاه الإنتاجوية التكنولوجية المعرفيه هي الطابع الذاهب للغلبة حياتيا ومجتمعيا فضلا عنه انتاجيا.
وفي مثل هذه الحالة فان العراق يجد نفسه منفتحا على افق تاريخي تحولي يتصل بكينونته الفعلية وببنيته التاريخية، وهو لم يعد اليوم معني او قابل لان يكرر لوك أفكار ونظريات تجاوزها الزمن، وغدت خارج التاريخ في ارضها وفي عقر دارها، كما اننا لسنا ولم نعد بإزاء مهمة انيه واضطرارية كما كان عليه الحال في العشرينات والثلاثينات، افقها خاضع لاشتراطات الغلبة الغربية والحداثة الاوربية،مع تعذرادراك ذاتيتنا، ولمثل هذاالخيار المستجد اشترطاته على مستوى السردية الوطنية الحديثة ونقطة بدئها المتصلة بنوعها ومضمرها المستقبلي، فالعراق الجديث الراهن هو بنظر الغرب ومن اتبعوه وتبنوا رؤيته في الثلاثينات تقول بان العراق وليد الالتحاق بالسوق الراسمالية العالمية والقرن التاسع عشر، وصولا الى ظهور السوق الوطنية الواحدة، وهو منظور وسردية مقحمة، قاصمة لظهر تاريخ العراق وتشكله الحديث الذي يعود الى القرنين السادس والسابع عشر، أي ان العملية المذكورة سابقة على الغرب الحديث وتمخضاته، وهي لاحفة على صعوده وانطفائه الراهن تجليا، وهو ماتتضمنه من دلالات عودة الاليات المجتمعية التاريخية للانبعاث في دورة حضارية تاريخية هي الدورة الراهنة الثالثة، بعد دورتين الأولى السومرية البابلية الابراهيمية، والثانية العباسية القرمطية الانتظارية.
والانبعاث الحالي يعقب فترة انقطاع حضاي تاريخي أولى هي الأطول، أعقبت سقوط بابل في القرن السادس قبل الميلاد واستمرت الى الفتح العربي في القرن السابع، قبل فترة الانقطاع الثانية التي تشمل الفترة من سقوط بغداد على يد هولاكو عام 1258 حتى القرنين السادس عشر والسابع عشر، وهي من خاصيات تاريخ هذا الموضع بحكم تكوبنه الازدواجي ورهافة وحساسية بنيته الموصولة بغاية وجودية على مستوى الكوكب.
ـ يتبع ـ