باحث يتحدث عن إيجابيات عدم وجود ممثلين للحراك الجماهيري في العراق

9 أشهر أسبوعين ago

شدد على ضرورة منح الحكومة المؤقتة وقتا أطول استعدادا للانتخابات...باحث يتحدث عن إيجابيات عدم وجود ممثلين للحراك الجماهيري في العراق

بغداد - العالم الجديد

اعتبر باحث في الشأن السياسي، انعدام وجود قيادة أو ممثل للحراك الشعبي، أمرا إيجابيا لاستمراره، وأن استقالة حكومة عادل عبدالمهدي أكسبت الحراك جولة، ولكنها لم تنه المنازلة، وفيما أكد أهمية تأخير الانتخابات القادمة لمنح الفرصة للمحتجين من أجل تنظيم صفوفهم والانخراط في أحزاب وتشكيلات تمثلهم، أشار الى أن الاستعجال فيها سيمنح الأحزاب الحالية فرصة العودة في ظل انعدام المنافس، مشيرا الى أن الحزبين الكرديين لن يكونا ضد أي قانون انتخابي لأن نفوذهما في منطقة جغرافية محددة سيجعل حظوظهما قائمة في الاحتفاظ بمقاعدهم.

وقال الدكتور هشام داود الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية في حديث لـ"العالم الجديد"، إن "الحراك الجماهيري والشبابي كسب جولة مع استقالة حكومة عادل عبد المهدي، ولكنه لم يكسب المعركة والنزال بشكل كامل، فسوسيولوجيا وطبيعة هذا النمط من الحركات الجماهيرية (ليس في العراق فقط) تكون واسعة المشاركة، وتتمثل فيها المعارضة الاخلاقية للسلطة، ويظهر القلق من المستقبل، وتقوم على رفض الزبائنية، وتنشد منظومة ونمطا سياسيا جديدا للحوكمة والتعبير السياسي للاحزاب".

ويضيف داود أن "هذه الحركات الجماهيرية العفوية في البدء تتشكل غالبا، من أجل هدف أو هدفين عامين، وحولهما يدور الرفض الجماهيري العام للوضع القائم، ولكن مطالب الحركة الاحتجاجية في الحالة العراقية تجاوزت هذا السقف، لتطرح أشياء محددة وخاصة بمستقبل وطبيعة النظام وعلاقاته الاقليمية والعالمية، ويمكن إجمال هذه المطالب فيما يلي: 1) استقالة الحكومة، وهذا ما انتزعته بثمن باهظ وبفعل دعم المرجعية.. 2) حكومة انتقالية مكونة من شخصيات مستقلة ونزيهة وشجاعة لا تنتخب في الدورة الانتخابية اللاحقة، تمتلك صلاحيات كافية. 3) سن قانون انتخابي جديد ومنصف، كفيل بتغيير جزء مهم من الطبقة السياسية، بالاضافة الى هيئة أو مفوضية مستقلة حقيقة مشرفة على الانتخابات. 4) إشراف دولي على الانتخابات القادمة (وقد تم انتزاع ذلك من خلال كلمة ممثلة الامين العام للامم المتحدة جنين بلاسخارت).

إن الايجابي مع هكذا صنف من الحركات الجماهيرية الواسعة (التي لا تفرز قيادات)، من وجهة نظر الباحث داود، أنها "عصيّة في البدء على الاستخدام والاختراق وكسر الشوكة، ولكنها قد تتحول مع الوقت الى منصات سياسية، وهذا ما لم يحصل تماما في العراق حتى الآن، ولكن في لحظة ما قد تصل الى الحاجة للتفاوض مع السلطة من أجل الوصول الى تفاهمات وتنازلات مقبولة من قبل الجميع، ودون ذلك، ربما لا يمكن تصور مرحلة وحكومة انتقالية تحددها تنازلات مشتركة".

ويرى الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية، أن للحالة العراقية خصوصية أخرى وهي:

1) استقالة الحكومة التي يفترض أن يكون التفاوض معها، وذلك تحت الضغط الشعبي، ونتيجة لخلع المرجعية الشرعية عنها، وليس أمام الحراك الجماهيري السلمي هذا إلا البرلمان الذي يمثل الكتل السياسية التي ستستقتل أغلب أطرافها من أجل المماطلة والتسويف، خاصة بشأن القانون الانتخابي.

2) جميع الكتل والأحزاب الشيعية والسنية ستعمل على إعاقة صدور قانون انتخابي لا يضمن لهم شيئا من الحضور السياسي. نعرف ان الفضاء السياسي الشيعي اليوم ربما اكثر تعقيدا من السني، ومن هنا فان شدة المواجهة والمقاومة بين الأطراف السياسية الشيعية التي خسرت معظم أحزابها ليس قاعدتها الشعبية فقط، بل حتى عنصر المبادرة. هذا دون الحديث عن الحضور الايراني المهم (بل الحاسم) في التركيبة السياسية الحاكمة في العراق.

3) المثير في الأمر أن الأحزاب الكردية ليست معنية كثيرا بجدل بغداد حول نمط القانون الانتخابي القادم: فالكرد سيوافقون تقريبا على كل المقترحات المطروحة بهذا الشأن، سواء كانت حسب الدوائر المحلية والترشيح الفردي (وهو ما تريده الحركة الجماهيرية والمرجعية)، أو مقترح القائمة المفتوحة أو نصف المفتوحة (الذي تريده الطبقة السياسية)، وذلك لأن أصواتهم ثابتة وموزعة على رقعة جغرافية محددة، باستثناء الأحزاب الاسلامية الكردية التي تتجاوز منطقة الحزب الديمقراطي الكردستاني (بهدينان)، والاتحاد الوطني الكردستاني (سوران).

وحول ضرورة أن يكون للحراك الجماهيري في العراق في هذه اللحظة من المواجهة، قيادة موحدة للتفاوض والتمثيل، يعتقد داود، أن "قيادة كهذه لن تكون مهمة اليوم، للأسباب التالية:

1) نظرا لسعة وتعددية الحركة اجتماعيا ومناطقيا ومذهبيا وقوميا، فان من الصعب تشكيل وإنتاج قيادة مقبولة من هذا النوع من قبل أغلبية المتظاهرين، وبالتالي فان الحركة ستكون عرضة للانقسام، والاختراق السياسي.

2) العديد من هذه الحركات في العالم لا تتبلور بسرعة سياسيا وتنظيميا، وبالتالي فان بعضا من عناصر هذه الحركة سينخرط لاحقا بالاحزاب والتنظيمات القائمة، وسينشئ آخرون تنظيمات جديدة انطلاقا من هذا الحراك الجديد، ولكنهم جميعا لا يمثلون إلا جزءا منه، وليس كله، لذا من الضروري جدا أن تحافظ الحركة الجماهيرية على فاعليتها وقدرتها ووحدتها، وقدرتها على التعبئة الواسعة العابرة للمناطقية والاثنية والدينية.

3) بما أن العراق الرسمي اليوم دون حكومة، فعليه من الأفضل أن تبقى الحركة محافظة على مطالبها الأولى (حكومة مؤقتة، قانون انتخابي عادل ومنصف، هيئة مستقلة للانتخابات، وانتخابات مبكرة تحت إشراف دولي). إذ ستكون جميع هذه الأهداف قابلة للتحقيق، لأنها واقعية وعقلانية وحضارية.

4) من المستحسن أن تتم الانتخابات بعد تشكيل الحكومة المؤقتة بعامين تقريبا كي تتيح للبعض تشكيل تنظيماته الجديدة العابرة للطائفية والعشائرية والاثنية والمناطقية، كما أن التحضير لأية انتخابات ذات صدقية تحتاج الى أشهر عدة: كإعداد القانون الانتخابي الجديد، ثم التصويت عليه في البرلمان الحالي، تشكيل الهيئة المستقلة للانتخابات، الاتصالات الدولية للمساعدة في إدارة العملية الانتخابية، الخ. فالاستعجال في القرار هنا يعني الإبقاء على فرص واسعة للجماعات التي تملك المال والسلاح بأخذ زمام المبادرة في الوقت الذي تبحث فيه أغلبية الرأي العام عن أشكال جديدة للتعبير والتنظيم السياسي الوطني، إذ أن الكثير من الحركات والثورات في العالم بدأت موفقة بشعاراتها ومعاركها الأولى، وانتهت بشكل متناقض مع لحظة انطلاقتها.

5) عدم وجود قيادة للحركة الاحتجاجية في العراق يعني منحها قوة إضافية، باعتبار أن مطالبها ستمثل كل الجماهير، وليس سياسة تنظيم أو تيار محدد، وهذا الشكل من الضغط يمكن له أن ينجح بفعل غياب حكومة شرعية أولا، لفعل التعبئة الجماهيرية الكبيرة كعنصر ضغط على الطبقة السياسية "الفاسدة"، كذلك لتمتع الحركة (حتى اليوم)، بدعم جماهيري واسع، بالاضافة الى قبول من المرجعية، فضلا عن بداية لتفهم دولي واسع".

ويختتم حديثه يالقول إن "جميع هذه النقاط تشكل عناصر قوة للحراك الشعبي في العراق أكثر منها نقاط ضعف، بسبب الاجماع على المطالب، والضغط لتحقيقها كشرط مسبق لأية مشاركة في العملية السياسية اللاحقة على أسس جديدة"، لافتا الى أن "المشكلة الأساسية التي يجب حسمها سريعا جدا، في حال الاستجابة لمطالب الحراك، هو كيفية اختيار الحكومة الانتقالية، فالبرلمان والكتل السياسية تريد إعادة تدوير شخصياتها لتبقي عملية التغيير حبيسة فضائها السياسي المرفوض والفاسد، في حين يصر الحراك الجماهيري من جانبه، على مطلبه الأول، وهو تشكيل حكومة مستقلة لإدارة المرحلة الانتقالية الدقيقة هذه، لكن من يمتلك الحق في اقتراح الشخصيات المستقلة والنزيهة التي ستتكفل بهذه المرحلة الانتقالية، وهذه عي النقطة الأساسية التي ستحدد مسار العملية السياسية القادمة".

واندلعت الاحتجاجات مطلع تشرين الأول أكتوبر الماضي، ضد الفساد وضعف الخدمات، وارتفع سقف مطالب المحتجين في الموجة التالية للاحتجاجات في 25 من الشهر ذاته، ليشمل المطالبة بإصلاح شامل للنظام السياسي، وقد أدى ذلك الى مقتل ما لا يقل عن 460 شخصا وجرح نحو 20 ألفا منذ أكثر من شهرين، وفقا لأحدث تقارير المفوضية العراقية العليا لحقوق الإنسان.

العالم الجديد