مؤتمر تأسيسي تحولي و-قرآن العراق- ـ ب ـ/4

شهران أسبوع واحد ago

عبدالاميرالركابي
في العشرينات والثلاثينات من القرن المنصرم طرات على ارض مابين النهرين اشتراطات عالمية على راسها صعود الغرب وحداثته واستعماره، مع انقسامه الى معسكرين، حالة من اللجوء الى الفبركة والى استقدام الغرب وموضوعاته، واعتبارها مطابقة للواقع العراقي اكراهيا وبالاعتباط، وتحت طائلة حالة من العجز عن التعامل مع اشتراطات وخاصيت البنية التاريخية العراقية، واحتمالات انجاز مهمة اكتشاف مقومات الوطنية العراقية المتعذره تاريخيا، وتحت وطاة اشتراطات الحاضر والالحاحات الت ولدها، جرى الميل القاطع والمتعجل الى إحلال الايديلوجيات الحزبيه محل الوطنية العراقية، وبما يؤدي وادى الى مواصلة طمسها، والعبور فوقها لصالح وطنية مفبركة مستعارة.
وهذا مافعله واضطلع به اشخاص من أمثال "فهد" سلمان يوسف سلمان، وكامل الجادرجي، وفؤاد الركابي، مستندين لانعكاسات واهية، وبالدرجة الأولى لقيام الكيان والدولة "الحديثة" التي فبركها الإنكليز من خارج النصاب الاجتماعي، وقبل اكتمال التشكل الوطني، ولاغراض تتعلق بمحاولة الاجهاز على الخلفية والاصل البنيوي لثورة العشرين، وهي مهمة اضطر بموجبها الغرب ممثلا بالاستعمار الإنكليزي لان يتردى مخالفا ومناقضا طبيعته المفترضة البرجوازية، واساس نموذجة في الدولة، أي "الدولة الامه"، بجانب فبركة نوع مصطنع من الاقطاع بناء لقانون التسويه لعام 1932 المستعمل لغرض، وكوسيلة لقلب علاقات الملكية المشاعية التاريخية في الريف الرافديني.
ولم يكن ممكنا لهذا النوع من النخبه وقتها ان ترتقي لمستوى ماهو مفترض ومطلوب، وبالأخص من ناحية تصور قدرة هؤلاء على اكتناه والتعامل مع ضرورة من نوع توخي " مابعد غرب" على اعتباره التطلع المطابق لحالة ونموذج او نمط مجتمعية مابين النهرين، فالعراق كان وقتها مايزال يمر عبر لحظة من تشكله الوطني الحديث، لم تصل بعد درجة الاكتمال او بلوغ مشارفه، وبالاجمال واصلا فان هذه العملية التاريخية لم تكن قد دخلت ذهن النخب الجاري الحديث عنها، والتي هي نتاج زمن من الانقطاع، او مايعرف بالتردي المستمر من عام 1258 مع سقوط بغداد على يد المغول، فما كان متوقعا لها باي شكل ان ترتقي لمستوى ادراك ابعاد لا الظاهرة الغربية، ولا الواقع الخاص الرافديني وسيرورته، وبقدر من المحدودية والتدني الفكري والثقافي بإزاء تحديين ضخمين، ذهب هؤلاء الى اسباغ حالة من التوهم، اسقطوها على واقع ظل ينتظر ان يماط اللثام عن مكنوناته، نظروا اليه اسقاطا، طبقيا، او ليبراليا، او قوميا، بناء على التشبه المستحيل بالغرب الذي لاوجود له ولا للخلفياته البنيوية في العراق آنذاك، ومما زادهم ايغالا في الوهم، كون وجود الغرب كان قد اجج حالة من الرفض المطلق المستندة الى البنية التاريخية الرافدينية ومكوناتها وخاصياتها الازدواجية التحولية وديناناتها الكونية المتجاوزه لظاهرة الغرب ونهضته وحداثته.
والحديث هنا يمكن تعميمه على الاطار او المدى شرق المتوسطي ككل، فالمنطقة المذكورة عاشت مع نهوض الغرب، حالة استيهام مزدوج مثالاها الأبرز ماقد حدث في مصر، ومقابله في الجزيرة العربية، أي محمد على، ومحمد بن عبدالوهاب، المصطرعان المقتتلان، لكن الشاخصين حضورا الى الوقت الراهن باعتبارهما علامتي استعاره نموذجية متقابله خارج غعل الاليات الخاصة بالمنطقة، الجزيرية تريد إعادة استحضار الثورة المحمدية، ومنطلق الدورة التاريخية الثانية، بعد الدورة الأولى الرافدينية النيلية المنتهية بسقوط بابل، انما بحسب استيهامات لم بعد لها من وجود، سواء من حيث الشروط التي المت بالجزيرة في القرن السابع، او على المستوى البنيوي المرافق للثورة المحمدية، والذي تمكنت العقيده على أساسه من اخضاع القبيلة، الخلية المجتمعية المازومه وقتها تازما اقصى بفعل الاحتلال الفارسي ودابه على خنق ومحاولة اختراق الجزيرة تجاريا يقطع شرايين تواصلها، وكمكون لادولة أحادية "طلع" لايحكم ولايحكم، وهو ماقد تحقق على يد النبي محمد الذي تسنت له وقتها فرصة تاريخية استثنائية لاتتكرر، اقام بموجبها حدسيا، وبناء على اشتراطاتها مجتمعا عقيديا/ نبويا، في مجتمع كان مهيئا بحكم كينونته الاحترابية الاستثنائية لان يؤدي مهمة تحرير المنطقة، ويطلق الياتها التاريخية البنيوية المتوقفة، مدشنا بدء دورة ثانية استكمالية، اعلى من الأولى البدئية الاستهلالية تاريحيا على مستوى المعمورة.
ويتيه العقل في حالات الانقطاغ وازمان التردي خارج العلية والأسباب، ليحلق منذ ابن تيمية وسط اسلام الانحطاط واحكامه الرغائبيه التي تتغذى من وطاة الفارق، بين لحظة نهوض لها اشتراطاتها واسبابها الملموسة، وبين استيهامات تريد قسر للواقع وصياغته على وفق تمنياتها، بما في ذلك باللجوء الى ماهو مخالف تماما ومناقض على طول الخط للاصل على المستوى البنيوي التكويني، ففي حين كان الجهد المحمدي الجبار قد تركز على استراتيجيا اخضاع القبيلة للعقيدة، وصولا للمجتمع العقيدي المحارب بالطبيعة والكينونه، لم يكن لجاهل مثل محمد بن عبدالوهاب كما لمختل مثل ابن تيميه( هذا راي الرحالة ابن بطوطة وقد راى ابن تيميه وحضره) من قبله، التفريق بين قبيله تتراجع لصالح العقيدة، وعقيدة موضوعة ومستعملة كايديلوجيا من قبل القبيلة، وآل سعود، تكرارا لمافعله معاوية ابن ابي سفيان عند مشارف انتهاء زخم عملية الفتح، ماهيأ له مع تركز وضخامة اعداد المقاتلة في الشام تحت امرته بمواجهة الروم، ان يعيد قلب المعادلة، وينهي فترة العقيدة النبوية الراشدية، لصالح القبلية، وقد وجدت من يومها في العقيدة وسيلة وايديلوجيا تؤمن وتركز سلطتها.
بالمقابل قامت في مصر مع مالها من موقع وحجم، واقتراب مواجه لاوربا الناهضة، حالة استيهام مناسبه لكبنونتها، وبنية نمطها الاحادي الدولة، لتكرس الى حد بعيد وهو اعتباره نموذجا قبلا لتكرار نهضة الغرب في مجتمع خاضع بنيويا لمحركات رئيسية نهرية، غير تلك الطبقية كما الحال على الضفة المتوسطية المقابلة، واليات تاريخها المراحلية كما بسطت في العصر الحديث، مع علم الاجتماع "اخر العلوم"، والماركسية و"ماديتها التاريخية". وبينما غلب حضور هذين الاستيهامين المانعين والمعوضن الوهميين عن العيش في الحاضر، خلاف ما يطابق الإيقاع الذاتي التاريخي، فان المنطقة لم تعدم كليا، حضور الراهن غير المنظورولا المعبر عنه، فشطبت عملية عودة التشكل الوطني الرافديني وبقيت خارج الاحتساب، وفي حين كان العراق قد عرف منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر، بداية توقف وتراجع لوطاة مفاعيل حالة الانقطاع التاريخي المستمرة من عام 1258 ، وبدء دورة ثالثة تاريخية استنادا لالياته الذاتيه، كما حصل في الدورة الأولى، ومن نفس المكان، أي من سومر الجديثة "المنتفك" حين بدات بالظهور أولى الاتحادات القبلية هناك، فان التفاعل العقلي مع المستجد، عدا عن دلالاته وابعاده ظل منعدما لصالح انعكاسات مصدرها الغرب بذاته وحداثته واثار التوهمية المزدوجه المصرية الجزيرية.
ويواجه العراق والمنطقة من هذه الناحية الأساسية والفاصلة معضله كبرى، ليست هي من الاستثناءات على مستوى المعمورة، فالمجتمعات توجد ووجدت خارجة عن قدرة العقل على الإحاطة، وهو قانون لازم الظاهرة المجتمعية وتصيّر العقل داخلها وفي غمرتها. والغرب الحديث لم يبدا مقاربة الظاهرة المجتمعية بصفتها معطى قابلا للفحص، الا مع منتصف القرن التاسع عشر، أي بعد مضي الاف السنين من تاريخ المجتمعات، انقضت على العقل وهو قاصر عن الإحاطة بها، يتعامل مع مكنوناتها والمضمر فيها بالتوهمات واشكال الرؤى الأسطورية، هذا مع العلم ان ماقد اجترحته اوربا على هذا الصعيد اليوم، وقبل قرن ونصف، ليس، ولايمكن ان يكون كاملا او مستوفيا من لحظة انبثاقه الأولى، لاشتراطات الادراك المكتمل للظاهرة المنوه عنها، بالاخص اذا اخذنا بالاعتبار مسالة أساسية تتعلق بتعدد أنماط المجتمعات، وغفلة العقل الغربي عنها لصالح نمط واحد، اعتبر ومايزال على انه النمط الأوحد القابل للتعميم.
ولايجب ان ينكر اثر الخطوة التاسيسية التي حققها الغرب على هذا الصعيد، بغض النظر عن قصورها الفادح، وتدني صلاحيتها، فما تحقق لهذه الجهة راهنا، انطوى على الإيحاء القوي بضرورة ولزوم، مع امكانية اتباع طريقة في النظر الى الظواهر المتعلقة بالمجتمعات، تسد النقص، وتواصل عبور ماقد تبقى من عوامل التفارقية الملازمة لعلاقة العقل البشري بالظاهرة مدار البحث، وتوقف قدرته دون الإحاطة بها، الامر الذي ظل ملازما للتاريخ البشري وتاريخ العقل لهذه الناحية طيلة تاريخ الصيرورة المجتمعية، الامر الذي كان يتطلب الزاما، المرور بالكشف الأوربي الأول الابتدائي، واللاحق زمنيا قياسا بالموضع البدئي، والاساس الذي وجد بالاصل ممتنعا على الادراك العقلي، كما كان عليه الحال في منطقة شرق المتوسط، السابقة والمنطوية على المضمر المودع والكامن في العملية المجتمعية من مستهدفات بعيدة.
ويجب هنا اجراء مقايسة بين الحالتين بناء على توافق بنية كل من الموضعين الجاري الحديث عنهما ( الأوربي ومقابله الشرق متوسطي)، بضوء مايوافق في كل مهما بنيويا الغرضية المجتمعية المصممة من قبل الغائية الكونية العليا، ماتطلب التفريق بين مستهدف تحولي مافوق ارضي، يقول بان الكائن الحي وجد على كوكب الأرض باعتبارها محطة تعقبها مرحلة انتقال الى الاكوان العليا، مع انفصال العقل عن الجسد، وتخلصه مماعلق به من بقايا الطور الحيواني من تحوليته الارتقائية ( الجسد)، وبين منظور ارضوي تابيدي يرى المجتمعات كحقيقة نهائية، غير خاضعه لقانون التحول، وبلا زمن صلاحية قابل للانتهاء، وهو مايتوافق مع البنية الانشطارية الطبقية، باعتبارها بنية أحادية جوهرا، بغض النظر عن كونها الأعلى دينامية وتركيبا داخل نمطها، مقارنة بالبنية الانشطارية المجتمعية الازدواجية الرافيدنية البدئية، المنطوية على، والموافقة لديناميات التحول، الممهدة للانتقال من " الانسايوان" الى "الانسان"، ومن الارضوية الى السماوية اللاجسدية.
ـ يتبع ـ
مؤتمر تأسيسي تحولي و"قرآن العراق" ـ ج ـ/5