مفهوم الامتين في الكيان الواحد العراقي

شهران ago

عبدالاميرالركابي
يصطدم المفهوم الذي نحن بصدده بجمله من المعضلات تحول دون التعامل معه كحالة معتادة، اومقبوله منهجيا وعلى صعيد مايعرف على انه معقول افتكارا، وأول تلك العقبات او المعضلات غير العادية، ترجع للكينونه البشرية بعلاقتها بالظاهرة المجتمعية، فالبشر وعلى عكس مايظن بداهة، يوجودون داخل الظاهرة المجتمعية مع بداية تبلورها واكتمال عناصرها، محكومين لحالة نكوص وتاخر عقلي عن الإحاطة بها، بينما يظل العقل على مدى الاف السنين من وجود الظاهرة المجتمعية في حال تصيّر وارتقاء عبر التفاعل العقلي المجتمعي، اول مظاهرها حالة التوصل الى مقاربة، تتيح النظر للظاهرة مدار البحث باعتبارها معطى قابلا للفحص.
ذلك يعني بالأساس، ان مفهوم الظاهرة الاجتماعية المتعارف عليه مايزال يشوبه خطا أساسي يقول بانها اكتملت، او صارت من قبيل الحقيقة بمجرد ان توفرا عنصرا ( التجمع / وإنتاج الغذاء بعد ان كان يجري الحصول عليه بالصيد او التقاطا)، وهنا تكمن احدى اهم مظاهر التفارقية العقلية المجتمعية، فالمجتمعية وجودا لاتكتسب درجة النضج والاكتمال، الا مع وعيها لذاتها، بينما تظل قبل ذلك غير مكتملة كظاهرة حية، تهيمن عليها بالاجمال مفاهيم أحادية، او انشطارية أحادية طبقية، والمقصود بالاخيرة الشكل الارقى من اشكال تجلي المجتمعية الاوربية عند لحظة انتقالها المتاخر الى الطور البرجوازي، على انقاض الاقطاعي من تاريخها، ومارافقه ونتج عنه من اقتراب من نقطة وعي المجتمعية بذاتها.
وهيمنة الأحادية المجتمعية نموذجا ووعيا، هو اهم مارافق القصور العقلي بإزاء الظاهرة المجتمعية، فالمجتمعية تنشا أصلا "ازدواجية"، تقابلها حالة مقاربة تاريخيه نمطها احادي، الأولى في ارض الرافدين، والثانية المقابلة في وادي النيل حيث مجتمع أحادية الدولة، المقاربة والملائمة لماهو متاح عقليا، وماسيظل يعتبر بداهة من قبيل النمط المجتمعي الأمثل، والوحيد مادام العقل في حالة عجز عن الإحاطة بالمجتمعية الثنائية الازدواجية الأولى والتاسيسية الرافدينية، ويتكرس هذا المفهوم بالدرجة الأولى بسب كون المجتمعات قد وجدت، اما أحادية، او مزدوجة، فهي اما أحادية دولة، او أحادية لادولة، والنمط الأول مثاله حالة وادي النيل، وارفع اشكاله وأكثرها دينامية حالة اوربا المنشطرة طبقيا، في حين عرفت أمريكا اللاتينيه ومثال المايا والانكا والازتك، وامريكا قبل الغزو الاستيطاني الأوربي، وأستراليا قبل غزوها وبعض افريقيا، وأجزاء من اسيا، نمط مجنمع اللادولة الذي له، او من ضمنه نمط احادي متميز، هو نمط مجتمع الجزيرة العربية، الخاضع لاقتصاد الغزو، وممارسة الحرب كوسيلة للعيش مكان العمل اليدوي، مامنح هذا المكان طاقة احترابية استثنائية، ظلت تنتظر لكي تتجلى فعلا كونيا لحظة انتقالها من القبلية الى العقيدية، تحت طائلة ازمة تاريخية، واحتمال اختناق ناجم عن حضور ووطاة الاحتلال الفارسي، واغلاقه للمنافذ التجارية الريعية القارية متنفس هذا المكان الواصل من البحرجنوبا، الى الهلال الخصيب، اما الازدواج والمجتمعية او الكيانية المجتمعية الازدواجية، فهي منفردة، ولاتوجد الا في موضع وحيد على مستوى المعمورة، هو كيان ومجتمعية ارض مابين النهرين، إضافة لمايمكن اعتباره من قبيل اشكال الاختلاط النمطي.
والانماط، او التقسيمات الانفة لاوجود لها في المعارف الابتدائية المخصصه للظاهرة المجتمعية، بما في ذلك الاحدث منها، مااعاد في العصر الحديث تعزيز غلبة نموذج الأحادية الدالة على نكوص العقل،بنقلها من مستوى البداهة، الى افتراض "العلموية"، بعد ظهور مايعرف ب " علم الاجتماع"، اخر العلوم، ماقد ابقى الظاهرة الاجتماعية خاضعه لنفس نمط الرؤية المستمرة على مدى الاف من السنين، هي المدى الزمني الضروري واللازم لاكتمالها مع تحقق والوصول الى نقطة وعيها لذاتها، شرط بدء عبورها الى مابعدها، وماتقرر ان يعقبها، بحكم قانون "التحولية" الناظم للحياة والوجود على مستوى الكون. وهو ما يعني بتعبير اخر ان المجتمعات تظهر عند مبتداها ناقصة، وتظل كذلك، تسير نحو الاكتمال، منتقلة من حالة "الوعي بالذات" الى "الوعي للذات" كما سبق لماركس ان راى عند تعرضه لمراحل وحالات انتقال الطبقة العاملة، او البروليتاريا، ووصولها حالة النضج المفترض كما اعتقده.
هذا يعني ان الظاهرة الاجتماعية هي حالة تظهر ملازمة كينونة للنقص والقصورعلى مستوى الادراك، وانها حين تكتمل وتتوفر على أسباب ادراك حقيقتها وكنه وجودها، لاتعود قابلة للبقاء، فتحل محلها وداخلها حالة انتقال انقلابي الى مابعدها، والى ماينافي استمراريتها ويضادها، مايمكن نعته ب"الضد مجتمعية"، وهذا ماتبدا البشرية اليوم السير باتجاهه، وماتتبلور الأسباب والاشتراطات المفضية اليه، في المواضع او مصادر التحولية الرئيسية المادية، المتصلة بشروط الإنتاج، المستجدة منها، بجانب تلك المتاتية من مستوى الوعي بالحقيقة المجتمعية التحولية، المضمرة، والكامنه المودعة في الظاهرة مدار البحث.
لم تبدا الظاهرة المجتمعية بالظهوراحادية او واحدة، والاهم انها لم تظهر ابتداء كمعطى ارضوي، ونحن حين ننظر اليوم الى المجتمعات ومعتقدها الرئيسي الباقي معها منذ عشرات القرون، فاننا لانجد أي مجتمع ارضوي بحت، والمعتقد السماوي هو لازمة تكاد تكون شاملة وراسخه، بما هي " مملكة الله" المفارقة على الأرض، الامر الذي تجرى احالته من قبل الأحادية الطاغية وطرده خارج الواقع المعاش، وبعيدا عن الحقيقة المجتمعية الأصل كما نشات بما هي مجتمعية سماوية لاتتجسد ارضويا، وأخرى ارضوية أحادية، الأولى وجدت في سومر وارض السواد، متجلية بصورة وكيانبة لادولة ممتنعه على التجسد الارضوي، ومعها وفوفها اشكال دول ارضوية، تقوم شمالها، داخل مدن محصنه اشد تحصين، تمارس حلب الريع بالغزو الداخلي، وتعجز بسبب مستوى مقاومة حيز اللادولة عن اختراقه، فتميل الى مداهنته ومحاولة مصادرة مفاهيمه، مع اضطرارها للانكفاء الى حيث كانت قد جاءت وانحدرت، لتذهب الى الغرب بحثا عن تعويض للريع غير القابل للاستيفاء من مجال اللادولة الأسفل المتضامن، الذي تتساوى في بنيته وتكوينه، حرية العاملين في الأرض بالوجود وسلامه عملية الإنتاج.
وهكذا تتولد ديناميات ى الازدواجية الامبراطورية ويظهر لأول مرة في التاريخ البشري سرجون الاكدي، حاكم زوايا الدنيا الأربع، وصولا الى بابل وبغداد، وكل هذه العواصم العالمية العظمى، تجهد نافية مقابلها، وصنوها وشريكها، الذي هو مصدر كينونتها عبر الصراع، وهي تستفيد هنا بالطبع من واقع شائع، يكرس الأحادية ويقف عاجزا دون الازدواج المجتمعي الكياني، وبالذات دون ظاهرة المجتمعية التي لاتتجسد ارضويا، والتي هي نتاج اشتراطات استثنائية تضع المجتمع على حافة الفناء الدائمة، بفعل الاشتراطات المجافية، الإنتاجية، مقارنة بحالة الأحادية المصرية، التي تنشا وسط بيئة واشتراطات مؤاتية كليا، بينما دجله والفرات مدمران عاتيان يفيضان عكس الدورة الزراعية، والأرض رخوة، والمناخ متغير قاس ومتطرف، والتهديد قائم من كل الجهات، ماعدا الجنوب، شديد الخصوبة ( بالمقابل تعيش مصر معزوله محمية بالصحاري من الشرق والغرب )من السلالات والاقوام والمجالات الجبلية الصحراوية الجرداء، نحو ارض الخصب، ناهيك عن التهديد الداخلي المتاتي من نصف البلاد المؤهلة لقيام دولة أحادية المبتنى كما الحال في "عراق الجزيرة" الأعلى، مايجعل بنية العراق وتشكل الكيان الازدواجي تمر بمراحل وحقب تشكل، وتخضع لقانون من الدورات والانقطاعات،مختلفة عن تلك الأحادية التقليدية، كانت الأولى منها السومرية البابلية الابراهيمية، والثانية العباسية القرمطية، والثالثة الحالية المعاشه، فصلت بينهما حالتا انقطاع وغياب، الأولى شملت الفترة من سقوط بابل الى الفتح الجزيري، والثانية من سقوط بغداد الى القرنين السادس عشر والسابع عشر، مع تبلور اول اشكال التشكل المجتمعي الحديث الثالث بظهور اتحاد قبائل المنتفك في ارض سومر الحديثة.
لم تنشا الابراهيمية او "الإمبراطورية السماوية" خارج المعاش، او بانفصال عن اصل تكوين المجتمعية وطبيعتها، فشكل الدولة السماوية هو تعبيرعن "نمط مجتمعي" موجود وحي وحاضر على مدى تاريخ العراق، تجلى خلال الدورتين الأولى والثانية، بالابراهيمية وبالانتظارية المهدوية، باعتبارهما شكل الإجابة التجسيدية لمالا يتجسد ارضويا، ومايتعذر تحققه في حينه، أي ابان هيمنة القصور الأحادي الموضوعي، والمتصل بغاية المجتمعية والمضمر المودع فيها، هذا وتظل الازدواجية الكيانية الرافدينية، خارج الافتكار سواء بالنسبه لاهلها المحكوم عليهم بتبني تصورات غير موافقه لطبيعتهم الكيانية، بحكم القصور، وغلبة منظورات الأحادية الاجبارية، ناهيك عن العالم اجمالا. بانتظار لحظة الانقلاب المفهومي الكبرى، يوم يتعرف العقل العراقي على ذاته ضمن سياق انقلاب شامل، وكمقدمه لبدء انتهاء زمن وابتداء زمن اخر على مستوى المعمورة، هو زمن نضج الظاهرة المجتمعية، بوصولها لحظة وعي ذاتها وحقيقتها، والمودع فيها، مع تغير كل اشكال النظر والتصورات المتعارف عليها، والتي ظلت مكرسة وشائعة على مدى الاف السنين، مرت على الكائن البشري، وكانت ملزمة، ومن قبيل الضرورة وحكم الانتقال، من المجتمعية الى اللامجتمعية، والضد مجتمعية.
ـ يتبع ـ