الهبة الشعبية بعد مجزرة القائم والتظاهرة المسرحية للفصائل

قادة الفصائل والحشد في التظاهرة
8 أشهر 3 أسابيع ago

علاء اللامي

الهبة الشعبية التي حدثت أمس ردا على المجزرة التي ارتكبها الطيران الأميركي ضد الفرقتين 45 و46 من قوات الحشد الشعبي هي أهم وأعمق من أي تهديدات حكومية أو فصائلية فارغة لأميركا ومن بيانات لفظية تصدرها مرجعيات سياسية ودينية متورطة حتى النخاع في إقامة نظام المحاصصة الطائفية وحمايته حتى الان. لقد أحرق المتظاهرون السلميون - المتهمون من قبل أحزاب ومليشيات القتل والفساد بأنهم ينفذون مؤامرة أميركية - علمي أميركا والكيان الصهيوني وهتفوا ضد العدوان، ولقد أعطت هذه الهبة صدقية إضافية لقولنا إن الانتفاضة هي المرجعية العليا الوحيدة التي أنجبها الشعب العراقي وعلى الجميع الاستماع لصوتها ومبادئها وشعاراتها! ولنكن واضحين في رفضنا وفضحنا للأوهام الكثيرة السائدة ومنها:

*إن حكومة عبد المهدي لن (تراجع العلاقة وسياقات العمل أمنياً وسياسياً وقانونياً) كما وعدت، لأن إلغاء الاتفاقيتين "الأمنية "صوفا" والإطار الاستراتيجي" ليس وارداً البتة في تفكير حكام العراق في التحالف الطائفي الثلاثي من عملاء الاحتلال.

*لا تعويل أبدا على الأحزاب والكتل السياسية والمرجعية الدينية لأنها لم تدع ولن تدعو إلى إخراج القوات المحتلة الأميركية والأجنبية عموما من العراق، وهذا واضح في بيانتها التي صدرت، بدءاً من بيان مكتب السيستاني إلى بيان الحزب الشيوعي البريمري وما بينهما والتي لم يجرؤ أصحابها على المطالبة بسحب وإخراج القوات الأميركية من العراق بل إن أحد الأطراف لم يذكر حتى اسم المعتدي الأميركي بالاسم! أما الدعوة التي أطلقها مقتدى الصدر للانضمام إليه في محاولة (إخراج قوات الاحتلال بالطرق القانونية) فهي دعوة مهمة لجهة توقيتها ومضمونها وأعتقد أن القائد الاستقلالي الحقيقي هو الذي يبادر الى العمل فورا بما تمليه عليه مبادئه وتبيحه إمكانياته ولا ينتظر دعما من أحد او طرف آخر! 

*إن فصائل المليشيات لن ترد وتستهدف القوات الأميركية كما وعدت، لأن قرارها ليس بأيديها، وإذا قامت برد فهو سيكون ردا رمزيا لا قيمة عسكرية له والهدف منه خلط الأوراق، لأن الأولوية عند هذه الفصائل المليشياوية هي للحفاظ على حصتها في الحكم القائم وعلى استمرار بقاء الهيمنة الإيرانية والدليل على ذلك إنها قتلت برصاص الاغتيال المتظاهر السلمي علي خالد الخفاجي في الناصرية بعد ساعات على مجزرة القائم! وآخر الأخبار تقول إنَّ مئات المتظاهرين من كتائب حزب الله تظاهروا صباح اليوم أمام السفارة الأميركية! بالمناسبة: لماذا يُمنع المتظاهرون السلميون من الوصول إلى هذه السفارة وتنهمر التهديدات والتحذيرات عليهم من عبور الجسور الى هناك؟ من كان يقف وراء ذلك المنع وتلك التحذيرات بالويل والثبور وعظام الأمور، هل هم مدسوسو السفارة الأميركية ومن تأثر بهم من مضللين وحسني النوايا؟

ولكل ما سبق أخلص إلى القول:

*كل التعويل والأمل ينبغي أن يكون في استمرار الانتفاضة الشعبية السلمية حتى محاصرة النظام وإسقاطه وسيكون أي سكوت على الاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية بعد اليوم أو سكوت على طرف منهما ضربة قاسية للانتفاضة.

*إن التظاهرة الصاخبة التي قام بها أنصار ومقاتلو الفصائل المسلحة ومعهم قادة الحشد الشعبي الرسميون أمام السفارة الأميركية هي عبارة عن مسرحية بائسة ومضطربة حاولوا من خلالها امتصاص غضب ذوي الشهداء الذين قتلهم الطيران الأميركي وكسب بعض التعاطف ورفع معنويات جمهورهم الحزبي وإزعاج واشنطن ولكنها لن تكون ذات نتائج مهمة، ولن تغيير من طابع العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وحكم المليشيات ببغداد. وواشنطن نفسها مطمئنة لنتائجها وأبعادها ولم تقلق منها أبدا.

وعرضا أقول إن من حق جميع العراقيين أن يتظاهروا ضد سفارة الدولة التي تحتل بلادهم وتقتل أبناءهم ومن السخف حقا أن ينبري أولاد السفارة الأميركية من بعض من يسمون أنفسهم "مدنيين ويساريين" لرفضها او المطالبة بمنعها! إن من حقنا أن نفضح طابعها ومعناها ونشكك فيها ونطالب القائمين بها بإخراج قوات الاحتلال رسميا وبرلمانيا وهم قادرون على ذلك أما معاداة ورفض تظاهرات يقوم بها عراقيون آخرون فليست من الديموقراطية في شيء!

وعموما فقد كان المتظاهرون السلميون وخصوصا في المحافظات أكثر تأثيرا وإضرارا بواشنطن ومصالحها من تظاهرة الفصائل حين سبقوا أنصار وعناصر المليشيات  الى التظاهر والتنديد بأميركا وأدانوا المجزرة وأحرقوا أعلام اميركا والكيان الصهيوني وبلغت هبتهم الشعبية السريعة هذه أسماع واشنطن وهو ما حدى بالسيناتور الأميركي كريس ميرفي عضو لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي الى القول (إن ترامب بضربته العسكرية في العراق خرَّبَ الشيء الوحيد الجيد في الشرق الأوسط حين حول الانتفاضة العراقية من العداء لإيران إلى العداء لأميركا )! كما كشفت هذه التظاهرة عن طبيعة النظام القائم ولكنه نظام حكم المليشيات والأحزاب الفاسدة وهو النظام نفسه الذي قتل العشرات من المتظاهرين حين حاولوا عبور جسور بغداد نحو المنطقة الخضراء ولكنه فتح أبوابها لمتظاهري الفصائل في تمييز إجرامي وخطر بين العراقيين واعترف عمليا بأنه يعرف من هم الوطنيون الاستقلاليون ومن هم المدسوسون وسارقوا الشعارات الوطنية وقتلة المتظاهرين!

*ليس أمام الاستقلاليين والوطنيين العراقيين سوى طريق واحد هو طريق الكفاح السلمي ضد النظام الرجعي الطائفي الملطخ بدماء العراقيين، وضد جناحيه الحاميين الأميركي والإيراني وليعلم الجميع أن طرد القوات الأميركية من العراق سيعني بداية نهاية الهيمنة الإيرانية! فالوجود الأميركي العسكري يعلله أصحابه بمواجهة الهيمنة الإيرانية، ووجود الهيمنة الإيرانية يعلله المدافعون عنه بالوجود العسكري الأميركي، وحين تطرد القوات الأميركية وتلغى الاتفاقيتان مع واشنطن بموجب المادة 30 ثالثا من صوفا أو بموجب القسم 11 ثانيا من الإطار الاستراتيجية واللتان تنصان على أن من حق العراق أن يطالب خطيا ومن طرف واحد بإلغاء الاتفاقيتين فيتم ذلك بعد عام واحد من تقديم الطلب، حين تطرد القوات الأميركية ستبدأ نهاية الهيمنة الإيرانية والتي سيكون الشعب العراقي بكامله في مواجهتها هذه المرة وقد تحرر من الاحتلال الأميركي! وعندها ستكون امام خيارين لا ثالث لهما فإما تتنازل وتخضع للإرادة العراقية وتكف يدها عن العراق فيسقط سريعا نظام المحاصصة الطائفية الآيل إلى السقوط او أن تتدخل عسكريا لإنقاذ النظام وتحتل العراق وهنا ستواجه حرب تحرير شاملة يشنها العراقيون ولا اعتقد أن الزعامات الإيرانية ستجرؤ على اعتماد الخيار الثاني لأن ثمنه سيكون كارثيا عليها!

*ملاحظة: الشماتة التي أبدتها عناصر ومجموعات من الأردياء سياسيا وأخلاقيا على مواقع التواصل الاجتماعي بشهداء مجزرة القائم عار عليها وهي ليس حجة على الاستقلاليين الوطنيين المؤيدين لانتفاضة تشرين الباسلة والمدافعين عن قواعد ومقاتلي الحشد الشعبي والمناهضين لقياداته الفاسدة المتاجرة بدماء أبناء الفقراء والرافضين لبقاء مليشيات القنص والاغتيالات والاختطافات، فهؤلاء الشامتون - لو تحرينا الدقة - لا يختلفون كثيرا عمن يشمتون بشهداء الانتفاضة السلميين ويسخرون ويهددون عوائل الشهداء كما حدث في حالة الشهيد علي العصمي!