أميركا أولاً أم إيران؟ أولويات الواقع وتمنيات الرغبة

روحاني وترامب
شهر واحد أسبوعين ago

علاء اللامي

أثار منشوري الأخير الكثير من التعليقات حول الموقف الوطني الواجب اتخاذه من دولة الاحتلال الأميركي أو من إيران الدولة المهيمنة وذات النفوذ في العراق. هذه التعليقات والحوارات المهمة والمفيدة هي صدى لما يدور في الشارع العراقي هذه الأيام. لقد انتقلنا من حالة الاستقطاب بين محورين أو ما يشبه المحورين، في صفوف المثقفين والإعلاميين والمدونين والناشطين السياسيين: المحور الأول هو الساكت على الاحتلال الأميركي والمركز غضبه وجهوده على دولة الهيمنة إيران والمحور الثاني على العكس منه فهو يسكت بل ويطري مواقف إيران ويعتبرها حامية للعراق ويعادي دولة الاحتلال الأميركي عداء لفظيا في الغالب ناسيا أنها هي من أوجدت هذا النظام الطائفي الرجعي المتعفن!

أعتقد أنَّ كلا المحورين على خطأ، وأعتقد أن انتفاضة تشرين قد رسمت بوضوح الموقف الوطني اللازم بواحد من شعاراتها المهمة وهو القائل: لا للاحتلال الأميركي لا للهيمنة الإيرانية نعم للعراق الحر المستقل!

الأمر الأخر ذو العلاقة المباشرة بهذا الموضوع هو المتعلق بأولية التعامل مع الطرفين بالنسبة للوطنيين الذين يؤمنون بضرورة مواجهة الدولتين معا، وهم ليسوا قلة إلا في عيون الموسوسين بنظرية المؤامرة والمأخوذين بطرق شرلوك هولمز في قراءة تاريخ الشعوب وواقع حال انتفاضاتها وثوراتها: دولة الاحتلال أميركا ودولة الهيمنة أو النفوذ إيران! البعض من هؤلاء يعتقدون ان الخطر الحقيقي الراهن الذي يواجه الانتفاضة والحركة الاستقلالية لعراقية ككل هي إيران وهيمنتها ولذلك يجب تركيز الحراك الانتفاضي ضدها وتأجيل أو تخفيف العداء ضد دولة الاحتلال أميركا، وأما البعض الآخر فيتخذون الموقف النقيض لهذا الموقف.

في الواقع ليس موضوع الأولويات من حيث جوهره بالموضوع الإرادوي والرغبوي الذاتي بمعنى: ليستُ أنا أو أنت من يقرر من هو العدو الأول للشعب العراقي وانتفاضته بل هو الواقع المعيش والسردية الحقيقية للأحداث وتسلسلها، وقبل الخروج بحكم محدد في صدد الأوليات يجب أن نتذكر الحقائق التالية:

*لأميركا قوات عسكرية مسلحة بأحدث الأسلحة المدمرة وقواعد عسكرية محصنة وأكبر سفارة لها في العالم هي عبارة عن دولة داخل الدولة، وفي المقابل ليس لإيران أية قوات أو قواعد عسكرية.

*إيران دولة مجاورة للعراق ولنا معها تاريخ طويل ومعقد وخلفيات ثقافية مشتركة، أي إنها قدر جغرافي وتاريخي، فهي تتقاسم معنا أطول حدود دولية لأكثر من ألف وخمسمائة كيلو متر وليس من مصلحتنا الوطنية معاداتها بالإطلاق بل إقامة علاقات جوار ندية معها ومع غيرها، إنما يجب قبل ذلك إرغامها على إنهاء هيمنتها على بلادنا ووقف حمايتها لنظام الفساد القتل في بلادنا. أما أميركا فهي دولة إمبريالية معادية للشعوب عبرت إلينا المحيطات والبحار دفاعا عن دول أخرى في الخليج والجزيرة إضافة الى الكيان الصهيوني ودمرت بلادنا وقتلت أكثر من مليون من مواطنينا بذريعة حماقات وجرائم نظام صدام حسين وحروبه حتى ضد شعبه.

*المزاج العراقي العام موجه ضد إيران بشكل عنيف وهذا صحيح، وهو بين السكوت أو الإهمال للدور الأميركي، وهذا ليس نتاجا لعمليات مخابراتية غربية تقود الأمور كما يزعم المدمنون على روايات أجاثا كريستي والمصابون بالوساوس القهرية بل هو ناتج من عدة أسباب أهمها: سرية وذكاء الأساليب التي تتحرك بها أميركا في دعمها لنظام القناصة ببغداد، وسكوتها في الغالب الأعم على جرائمه، بعكس إيران التي تصرفت بغباء وصفاقة وعدوانية شديدة ضد الشعب العراقي وانتفاضته الباسلة وحرض زعماء إيران وفي مقدمتهم مرشدهم خامنئي ضد الانتفاضة العراقية وشبابها واعتبروهم عملاء ومتآمرين لمصلحة اميركا وإسرائيل والسعودية) علنا وبشكل مستمر ومتشنج. ولا يمكن بناء استراتيجية انتفاضية وطنية على أساس المزاج الشعبي فقط بل على أساس مجمل القراءة الواقعية للمشهد السياسي والاجتماعي والأمني ...الخ!

* التقديم والتأخير بين أميركا وإيران على المهداف العراقي، ليس قرارا إرادويا لي أو لغيري، ولكنه منطق الأحداث وترتيبها الحدثي، ولو حدث العكس وانتهى النفوذ الإيراني قبل الاحتلال الأميركي لكان الاحتلال الأميركي سيليه في وجوب الاستهداف والطرد. ونحن أمام حالة احتلال أميركي عسكري وسياسي واقتصادي، وهيمنة سياسية وأمنية إيرانية بلا قوات وقواعد عسكرية ويمكن بالتالي إعطاء الأولوية للاحتلال على الهيمنة لأن مسار الأحداث أخذ هذا المنحى ... ولكن العكس ليس ممنوعا أو خاطئا إذا جرت به الأحداث. أما القول إن وجود المليشيات والفصائل الولائية العراقية التابعة لإيران يقوم مقام قوات الاحتلال الأميركي فهذا قول ساذج ولا معنى له لأن هذه الفصائل مؤلفة من عراقيين أولا وأخيرا، ولهم مصالحهم الطبقية في الصراع الدائر، وهي حتى حين تدافع عن الهيمنة الإيرانية على العراق وحتى لو ساعدة القوات الإيرانية في احتلال فعلي للعراق تبقى قوات عراقية محلية عميلة للأجنبي، كما كان قادتها بالأمس كأحمد الجلبي وقيادة حزب آل الحكيم الذي كان العامري قائدا لجناحه العسكري "بدر" عملاء وحلفاء لأميركا ذاتها.

لا أقلل من خطورة الفصائل المسلحة الولائية ودورها الرجعي والدموي ولكنني أرفض اعتبارها بمثابة قوات احتلال إيرانية أو مقابلا لقوات الاحتلال الأميركية وصراعنا مع هذه الأحزاب والمليشيات الفاسدة هو صراع داخلي عراقي لاستعادة الدولة العراقية المخطوفة منها.

الخلاصة، هي أن مصلحة انتفاضة تشرين الباسلة المستمرة تكمن في معرفة أعدائها المتمثلين في الاحتلال الأميركي والهيمنة الإيراني وفي رفض كلاهما وعدم السكوت على أي منهما ومن حق شعبنا أن ينظر لمن يسكت او يدافع عن أي منهما بكونه عميلا وحلفيا لذلك الطرف المسكوت عنه. أما مسألة الأولوية في التركز والتصدي لأحد الطرفين فهي قضية ميدانية ومبدئية في وقت واحدة تقررها موازين القوى ووقائع الصراع وطبيعة علاقة الدولتين بالعراق والوضع العراقي فأميركا دولة احتلال عسكري وسياسي واقتصادي مباشر وتدعم سرا وعلنا نظاما رجعيا طائفيا قاتلا وإيران دولة جوار مهيمنة على العراق سياسيا وأمنيا ومعادية للشعب العراقي وانتفاضته السلمية علنا وبشكل هستيري وهزيمتها تكمن في هزيمة حلفائها في المليشيات الولائية والأحزاب الطائفية المسيطرة على الحكم في العراق... انتفاضة تشرين تقترب من النصر المؤزر بمقدار تمسك المنتفضين الأحرار الشجعان بهذه المعادلة الذهبية : لا للاحتلال الأميركي لا للهيمنة الإيرانية نعم للعراق الحر المستقل السيد!