إنهيار إدارة الاقتصاد وتبديد الثروة النفطية لا يتوقف باتفاقيات التعاون مع الدول

شهر واحد ago

صبري زاير السعدي

أولاً: من العبث الاستمرار في تبديد الثروة النفطية بإطار برنامج وسياسات صندوق النقد الدولي، المعيبة والعقيمة، الجاري تطبيقها منذ عام 2003، والتي أدت إلى تفاقم أزمة الاقتصاد الوطني: ركود النمو، وزيادة البطالة، وانتشار الفقر، وتفشي الفساد، وزيادة التباين في توزيع الدخول والثروات بين المواطنين والمناطق، وزيادة الدين العام والقروض الأجنبية، وتبديد الموارد البشرية، وتآكل الثروات الوطنية من الموارد الطبيعية، وتقادم مشاريع البنية الأساسية المادية. ومن التضليل أيضاً، مواصلة التذاكي بتنصل السلطة الحاكمة من مسؤولياتها في تَكريس تؤأم الفشل والفساد بإيجاد التبريرات. ومن الحذلقة، إطلاق الوعود الفارغة في معالجة المشاكل الاقتصادية والمعيشية من خلال مشاريع وهمية، هامشية أو قليلة الإنتاجية، تُمَولُ من الثروة النفطية، ومن إتفاقيات التسهيلات الإئتمانية والقروض مع الدول الأجنبية بدون التَقيّد باستراتيجية وسياسات اقتصادية ومشاريع إنتاجية واضحة للحفاظ على المصالح الوطنية الحالية والمستقبلية. وإنكار السلطة الحاكمة والأحزاب السياسية المهيمنة بالفشل الدائم، لا يوقف الإنهيار الاقتصادي ويقلل من سرعة التدهور في مستويات المعيشة بمعايير الدخل والتعليم والصحة والضمانات الاجتماعية، أو يُفيد في تلبية مطالب المواطنين جميعاً.

 

ثانياً: قد يُفيد سياسياً، مناقشة القرارات الاقتصادية والمالية التفصيلية للسلطة الحاكمة إذا استندت لخلفية التغيير المطلوب في السياسات الاقتصادية. أما بدون ذلك، وللأسف، قد تُسهم المناقشة ليس فقط في تشتيت الإنتباه بالقضايا الأساسية والميل نحو التفاصيل المُبهمة، والقليلة الأهمية، في القرارات التي تمتلك السلطة بياناتها، بل وأيضاً، قد تُسهم في إرباك النوايا الوطنية لإحداث التغيير الاقتصادي والسياسي المطلوب. ولعل مثال توظيف الإعلام لمناقشة "إتفاق إطار التعاون مع الصين" (الإتفاق) والترويج المضلل لكفاءة الحكومة في منع الإنهيار القادم بتغيير نمط توزيع الإيرادات النفطية لصالح الاستثمار، ما يؤكد التحفظ في تقييم أهميتها، لاسيما وقد إزداد بمنحها بعداً سياسياً لتأييد أو لمعارضة الحكومة. ليست هنالك مشكلة في التعاون الاقتصادي مع الصين، أو مع أية دولة، فهو مُفيد إذا كانت شروطه مناسبة، وكما يعلم الجميع. إنما المعضلة المستعصية هي: واقع إنهيار إدارة الدولة للاقتصاد وتبديد الثروة النفطية والموارد البشرية حيث أسهمت السياسات الاقتصادية المالية والنقدية الكلية، وسياسة الاستثمار، وسياسة تدفق الاستيرادات بتمويل إيرادات صادرات النفط الخام والقروض الأجنبية حتى عام 2024. والأهم، وكما تكشف التجربة، ليس هنالك معايير واضحة في أولويات التصرف بالموارد الاقتصادية والمالية العامة لتنظيم عمليات وتحديد صلاحيات اتخاذ وتبادل الآراء في القرارات الاقتصادية وتنفيذها من قبل مؤسسات الدولة. ولهذا، يبقى تقييم جدوى التعاون الاقتصادي المالي والتجاري مع الصين، ومع أية دولة، ناقصاً، بدون الإهتداء باستراتيجية وسياسات المشروع الاقتصادي الوطني الذي تغيب أهميته عند السلطة الحاكمة، كما يبرز في إرتباك وإرباك البرنامج الحكومي (2019-2024).

 

ثالثاً: للصين، وبصورة عامة، مصالح اقتصادية-سياسية ذات طبيعة استراتيجية في التعاون مع دول منطقة الشرق الأوسط، تماماً كما في تعاونها الوثيق مع بلدان أورآسيا، بتقديم تسهيلات إئتمانية وتمويل عدد من مشاريع البنية الأساسية المادية، كالطرق والسكك الحديدية ومجمعات سكنية والموانئ، التي تُسهم في تَسهيل وتوسيع تجارتها واستثماراتها في المستقبل، بتشييد ما أصبح معروفاً مشاريع "طرق الحرير"، البرية والبحرية، وهو مشروع يُفيد أيضاً في توسيع تجارة البلدان التي تقام فيها هذه المشروعات. والمهم أيضاً، أن الصين بحاجة شديدة لمصادر الطاقة الرخيصة، أي النفط الخام، فإن هنالك مصلحة في تقديم التسهيلات الإئتمانية والتمويل لعدد من المشاريع من جهة، وإشراك شركاتها في التنفيذ من جهة ثانية. في المرحلة الأولى من تنفيذ "الإتفاق"، عدد من المشاريع السكنية والمدارس والنقل بالسكك الحديدية ومعالجة التلوث في المياه ومشاريع الطاقة المتعثرة التنفيذ والتي لا تحتاج في تنفيذها وتشغيلها التكنولوجا المتقدمة، كالمشاريع الواردة في البرنامج الحكومي.

رابعاًً: أما بالنسبة للعراق، فإن المتاح من المعلومات التي تم تسريبها من قبل خبراء الحكومة، يشير إلى أن العراق سيمنح الصين تصدير ما معدله 100 ألف برميل/يومياً الذي قدرت قيمته السنوية بنحو 2.2 مليار دولار لعدد من السنوات في مقابل تقديم الصين تسهيلات إئتمانية وضمانات تمويل بقيمة 10 مليار دولار لمدة 20 سنة بشروط وتكاليف أفضل وبضمان الحكومة الصينية. والسؤال الهام هنا، إذا كانت الطاقة الإنتاجية وصادرات النفط الخام محدودة، وقد تم توزيع الإيرادات النفطية المتوقعة منها في الموازنات المالية الاتحادية السنوية بموجب "إتفاقية الاستعداد الإئتماني" مع صندوق النقد الدولي للسنوات (2019-2024)، وتقدير معدلات النمو في الإنتاج والاستهلاك والاستثمار، والإيرادات النفطية، والدين العام والقروض الأجنبية، ومقدار الإحتياطيات من الدولار، والقدرة على تغطية الاستيرادات بمدة ستة أسابيع فقط في عام 2024 (عن البيانات الخاصة بهذه المؤشرات، أنظر مقالتنا "تفاقم أزمة الاقتصاد العراقي والإنقياد نحو حافات الإنهيار في تقديرات صندوق النقد الدولي (2019-2024)") ما الذي إذن يستدعي كل هذا الضجيج والتضليل ليس فقط في القيمة الاقتصادية العالية لمثل هذا التعاون، بل وأيضاً، ما الذي يدفع للإدعاء بأنها تمثل تغييراً في نمط توزيع الإيرادات النفطية بين الاستهلاك والاستثمار؟ فهذه التسهيلات الإئتمانية تماثل القروض الأجنبية وتتحمل الفوائد التجارية ويمكن الحصول عليها من الدول والمؤسسات المالية الكبرى، كما أن من المثير للتساؤل حكمة تحويل قيمة ما معدله 100 ألف برميل/يومياً من صادرات النفط لحساب العراق في الصين، بينما تبلغ صادرات العراق ا نحو 850 ألف برميل/يومياً للصين. ليس واضحاً، ما الذي يدفع إذن بقرار تقييد بيع كمية من النفط الخام!

الأكثر أهمية هنا، أن "الإتفاق" يخفي تماثله مع سياسات صندوق النقد الدولي، كما يُمهد لتشريع "قانون الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص" وهو المشروع المماثل، وربما البديل، لمشروع "قانون مجلس الإعمار" المُعيب الذي وافقت عليه الحكومة وأيده رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب (أنظر مقالتنا "مشروع قانون مجلس الإعمار").

أما هدف زج السياسة في مناقشة "الإتفاق"، فهو محاولة للدفاع عن سياسات الحكومة وبغطاء معارضة الولايات الأمريكية المتحدة له بحكم استراتجيتها الهادفة لمنع الصين من تأمين مصادر مستقرة للطاقة الرخيصة من ناحية ثانية.

خامساً: وفي المقابل، يجب التذكير بأن القرارات الاقتصادية والمالية للسلطة والإضطرار للقروض الأجنبية بأشكلها المختلفة، ومنها التسهيلات الإئتمانية، هو دليل يؤكد فشل الحكومة في أداء مسؤولياتها بإدارة اقتصاد البلاد وثرواته العامة. وأن هذه القرارات تقلل من أهمية الإستعانة بالمؤسسات الحكومية وبالخبراء والمواطنين للمشاركة في إعداد وتنفيذ المشروع الاقتصادي الوطني برؤيا وطنية واستراتيجيات مستقبلية متفائلة تَهتدي بتخطيط اقتصادي مركزي حديث شعاره "ما يجب تحقيقه، وليس ما يمكن تحقيقه" من الأهداف العامة.

وبرأينا، في المرحلة الحالية، وبإرادة سياسية وطنية مستقلة حازمة وعالية الكفاءة، يمكن المباشرة في تنفيذ "خطة العمل الاقتصادية"، التي يتلخص إطارها في المهام التالي:

  • التنفيذ الفوري لبرامج المناطق الفقيرة في المحافظات التي تشمل مجموعة متكاملة من المشاريع كثيفة العمل، وسريعة في زيادة الدخول، والإسهام في تشييد البنية الأساسية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ليتم تمويلها من الإيرادات النفطية حصراً، وتنفيذها من الطاقات الإنتاجية والموارد البشرية الوطنية في القطاع الخاص والقطاع العام.

  • التنفيذ الفوري للإصلاحات المؤسسية بتأكيد مركزية الدولة في المٌلكية العامة للثروات الاقتصادية، ومنها الثروة النفطية، وفي تحديد الاستراتيجية والسياسات والمشاريع الاقتصادية والإنمائية، ومنها السياسات النفطية في الإنتاج والتصنيع والتصدير، بإطار التخطيط الاقتصادي المركزي الذي يعمل بنظام مؤسسي حديث في إتخاذ القرارات يشمل معايير الأولويات ويحدد صلاحيات التنفيذ في كافة المستويات.

  • إعلان التغيير في أسس إعداد الموازنة العامة السنوية ومعايير توزيع الإنفاق لجميع المحافظات، والعمل بمنهاج الاستثمار السنوي الحكومي المستقل عن الموازنة السنوية، وبمسؤولية مجلس و وزارة التخطيط، بما يؤدي إلى تقليص الإنفاق الحكومي الإستهلاكي بما لا يزيد على 70% من الإيرادات النفطية والموارد العامة، وزيادة الاستثمار الحكومي بتمويل ما لا يقل عن 30% من الإيرادات النفطية.

  • صياغة وتنفيد السياسات الاقتصادية الجديدة: المالية والنقدية الكلية، وسياسة الاستثمار، وسياسة التجارة الخارجية بتدرج يناسب التغيير المستهدف في تقليص عجز الموازنة العامة وعجز الميزان التجاري بدون صادرات النفط ومشتقاته.

  • إعادة تقييم وتأهيل مشاريع القطاع العام الإنتاجية، وخاصة الصناعية منها.

  • تحديد مهام الوزارات والمؤسسات الحكومية كافة في تنفيذ الاستراتيجية والسياسات الاقتصادية.