نهاية النهضة العربية الزائفة/ 1

شهر واحد أسبوع واحد ago

عبدالاميرالركابي
انشطر العقل الشرق متوسطي، المعروف بالعربي اصطلاحا متاخرامستعارا، مع العصر الأوربي الحديث، الى محاكاة استحالتين حضرتا من خارج المعاش الميت والمستعصي على الطاقة العقلية والمعرفية المتاحة ضمن مجال تاريخي وبنيوي كان في طور الانقطاع بين دورتين حضاريتين تاريخيتين، الانشطار المنوه عنه تجسد عملياوواقعيا من خلال وعبر بؤرتين كيانيتين فرعيتين ضمن التشكل الانماطي التاريخي للمنطقة الشرق متوسطية، مصر يتبعها ساحل الشام باعتبارها موئل الاستعارة التي تحاكي الغرب، وتريد توطينه من دون خلفيته البنيوية التاريخية، وبغض النظر عن خاصيات المكان البنيوية التي هي منه، ومقابلها الجزيرة العربية التي تركز تعبيرها الاستلابي الراهن على الإيحاء مع السعي الأقرب الى الهلوسة التاريخية، لاستعادة مستحيلة لاليات لحظة تاريخية منقضية، زالت أسبابها وشروط تحققها من الواقع منذ مايزيد على الالف عام. وبين السلفية وصولا الى الاصلاحية الاسلاميوية بمختلف تفرعاتها الايهامية، ومايقابلها أي الفرع الاخر الاصلاحي المتشبه بالحداثية وصولا الى القومية، واليسارية الماركسية، والليبراليه، عاش العالم العربي اكثر من قرنين من الزمن خارج ذاته، منفصلا عن اللحظة المعاشة، ليتحول الى مجال تاريخي لحظته منوطة بحكم توزع ذاته الغائبة الممتنعة عن التجسد على استحالتين.
ويمكن بالطبع تصور نوع او مستوى واشكال تجلي الايهام المتجسد هنا منذ حينه، بالرجوع الى أساسه وخلفيته الفعليه، فالغرب في المنطقة العربية، يحضر اليوم بصفته المحطة الأخيرة من محطات الغياب، او مايعرف بزمن "التردي" او "الانجطاط"، وقد اصبح اليوم مغلفا ومغطى باستعاره وهمية، تتخيل احتمال او امكان تحقق غرب ناهض تاريخيا ومراحليا في موضع مايزال محكوما ذاتيا لاليات الانهيار، والعجز البنيوي، من بين اهم مظاهر او دلائل انهياره، عجزه المطلق عن وعي سردية تاريخه وايقاعه المطابق لبنيته، مايجعل من توهم الاستعارة والاستبدال بحالة اوربا المعاكسة كليا من حيث المسار والظرف والبنية، او طلب شكل من اشكال تحققها، من بين الدلائل الصارخه على عمق تجلي ووصول حالة الانهيارلاعلى اشكال تازمها الصارخ، شديد الدلالة على درجة ومستوى العجز والشلل العقلي والمفهومي قبل العملي.
ومن اغرب واكثر صور خراقه هذه اللحظة، كونها قد امكن ان تصاغ وفق شكل من اشكال الاستيهامية القصوى غير المسبوقه على مستوى الكوكب، وضعت لها لافته وتسمية دالة تقول بان هذه المنطقة تعيش، وهي قد دخلت مايعرف ب "عصر النهضة"، ونحن هنا يمكن ان نعثر بلا كثير جهد على أطنان من الخراقه المكتوبة والمصرح بها، وعلى نمط من الأفكار والتناولات المعزوله عن حضور اية محركات ذاتيه، والمصاغة باعتبارها قوة خلق او اختلاق واقع او حقيقة مفترضة لاوجود لها، لدرجة تتحول معها ماعرف بالافكار الحداثية، الى مافوق واقع، واداة توهم تريد اجبار الواقع على الانصياع لها، والى بنية من طبيعتها وظروف تشكلها ان تكون هشه وبلا أساس، أي انها ليست من نوع الأفكار التي تواكب او تكون نتيجة طبيعية واساسية مكمله لحالة تمخض تاريخي، والامر يشمل هنا السلفية بمظهرهاالوهابي الاساسي والذي يطابق بين موضع التحقق الأول المحمدي، وشكل اسلام ينتمي لزمن الانهيار الابن تيمي الذي هو شكل وطبعة اسلام مابعد انهيار بغداد، أي انتهاء وختام الدورة الثانية الحضارية التاريخية الشرق متوسطية.
والتوهم الوهابي ليس واحدا من ناحية الحقب الأولى العقيدية الانهيارية، والثانية الريعية، مع انهما لايقعان معا ضمن أرضية موحدة دالة واستعادية للحظة تحقق وبداية دورة تاريخية، ذلك مع العلم ان الريع النفطي هو الذي منه استمد ال سعود أساسا قوة التحقق في دولة في موضع لايعرف الدولة تاريخيا،بعد هزيمتهم التاريخية وانكشاف خطل ولازمنية او آنية مشروعهم على يد محمد علي الالباني/ المصري، الامر الذي كان قد سجل انهيارا صارخا يستحيل تداركه لتيار اسلام زمن الانهيار، وانتهاء الدورة الثانية العالمية الشرق متوسطية الأساس والمنطلق بعد الدورة الأولى الرافدينية النيلية المنتهية مع سقوط بابل.
ويمكن تصور نوع من المقارنة بين نظام قبلي يستعمل الإسلام كايديلوجيا، ركيزته الوحيدة الريع النفطي، والاستقلال عن المجتمع القبلي وادارته بالاعطيات، وبين ثورة قامت في القرن السابع وفق اليات هي استثناء غير مسبوق ولا ملحوق ضمن بيئته، اخضع القبيلة للعقيدة، واقام شكل تجل لدولة او نوع حكم لادولة أحادية، محركها الاحتراب الذي هو خاصيتها كمجتمع محكوم لاقتصاد الغزو، وافقه ومجال حيويته التجارية التوسطية اللازمة لاستمراره وانعاش بنيته، هو افق عالم ونظام الريعية العالمي التجاري الشرقي، الواصل الى الصين والهند، لينتهي وجودها مع نهاية عصر الراشدين المرهون باليات " الفتح"، أي الاحتراب التحريري، حين توفرت أسباب الانقلاب القبلي، بإعادة شكل جديد من اشكال سلطة القبيلة التغلبيه التي تستخدم العقيدة كايديلوجيا، بداية مع معاوية بن ابي سفيان والامويين، قبل ان يحتل صعود الإمبراطورية الازدواجية الرافيديني صدارة المشهد، ويصير هو البؤرة المحققة لأغراض الدورة المنوه عنها عالميا.
وماكان للوهابية اليوم حتى ان تكرر شكلا من اشكال عودة التغلبيه القبلية على النمط الاموي، بعد انتصار العقيدة الفتحية، حيث كان بالإمكان وقتها إيجاد شكل من اشكال القبلية المتغلبة بالارتكاز للعقيدة المنتصرة ومنجزها، باستخدامه في ممارسة نوع من الايهام الايديلوجي وتحويله الى قاعدة حكم ومصدر للشرعية، وهو مالايمكن تحققه الان بظل تراكمات من قرون هزيمه نمط الحكم الذي من هذا الصنف، حتى باعلى واكثر اشكاله دينامية امبراطورية، مع انتفاء أسباب غلبته، بعد ان فقدت الجزيرة العربية ميزتها الاحترابية الاستثنائية الكاسحة، التي كانت متوفرة لها في القرن السابع، وهيأت اسباب إزالة وطاة الامبراطوريتين الشرقية والغربية، وتمهيد الأساس لالتحاق المدى الشرقي الممتد الى الصين، للاندراج ضمن دائرة الابراهيمية، قبل ان تضطلع الإمبراطورية الازدواجية الرافيدينية بالمهمة على صعيد اخر، تمثل في قيادتها لاليات نظام عالمي ريعي تجاري، هو الطور الأعلى من تجلي النظام المذكور السابق على، والممهد للنظام الاقتصادي الراسمالي الحالي.
على منقلب اخر كانت مصر كقلب بجناحين شرقي ساحلي شامي، وبدرجة اقل مغربي، قد لعبت دورا مخالفا لتكوينها، باعتبارها كيان مجتمع دولة احادي نهري غير طبقي، ولايخضع لاليات التحولية المراحلية الطبقية المميزة للكيانية الاوربية على المنقلب المقابل من المتوسط، فتحول دين الدولة المهيمنة تاريخيا، والمحتوية للمجتمع بنية، الى افتراضي تحولي مستحيل، ومنذ محمد علي، صارت مسالة الثورة البرجوازية والحداثة الحالة على الغرب اليوم، عالم تجديد للاستبداية من اعلى، الممارسة اعتمادا على بنية السكونية الأحادية الاجترارية النيلية المرافقة والمميزةأصلا لقيام مجتمع النيل منذ الدورة التاريخية الأولى,
وتتفرع اشكال مقاربة ومحاولة إعادة انتاج الغرب في المنطقة، لتنتهي الى القومية واليسار وبمقدمته الماركسية والليبرالية، وهي اشكال من العمالة البنيوية مقابل عمالة اخرى سياسية، نحت الى التناغم مع الغرب بطبعته الاستعمارية، في وقت اتخذت تيارات التحويرية المقابلة وجهة تغلب الحزب وبنيته على الكيانية والوطنية الاصل، وتريد اكراهها على الانصياع لافتراضات بنيوية مستقاة من مجال ومحيط وينية مقابلة، ومثل هذا القول يفترض بالطبع اننا نعتقد بان المنطقة تنتمي لنمط بنية مختلفة عن تلك الاوربية، ولاتتوافق مع فرضياتها المنهجية والعيانية الواقعية، الامر الذي مايزال الى الان المحور الذي يقف العقل الشرق متوسطي امامه قاصرا ومنتكسا، بينما يرتكن وقت الحاجة الى نبذ "الخصوصيات" لصالح "ممكن وحيد" هو الغرب الراهن، حتى مع تفاقم ازمة الخيارات المعتمدة منذ اكثر من قرنين، وبدء انهيارها منذ نهايات القرن المنصرم، على الصعيدين، صعيد الدول المفبركة، كما القوى المواكبة لها، او المخالفة المعارضة شكلا على نفس أرضية الغرب بتعدد اشكال تجليه، الاستعماري، او ذلك الذي يتوخى الجوهر الثوري البرجوازي، والاشتراكي المزعوم.
يعني ماتقدم ان العقل الشرق متوسطي "الحديث"، قد ركب نظام "نهضة" زائف، قاعدة اشتغاله وتبريره، تاريخ طويل من الانقطاع التاريخي المسمى زمن الانهيار والتردي، يغلب بصورة كاسحه نموذجا صاعدا عالميا، ماقد برر حالة اشتثنائية من العيش خارج الحياة والواقع التاريخي والبنيوي، فالعجز الكلي عن مواجهة البنية والكينونة التاريخية "الوطنية" ومقتضياتها، اثمر تحت وطاة حضور العامل الغربي، هروبا من مواجهة المطلوب والإصرار عليه، نحو بدائل جاهزة قامت على تزويره واكراهه على قبول، والرضوخ لاليات، غريبة تماما،وغير متلائمه فطعا مع الإيقاع التاريخي والمراحلي الخاص.
ـ يتبع ـ