النهضة الزائفة : وتجليها العراقي الاخطر/2

4 أسابيع يومين ago

عبد الأمير الركابي

في العراق ارض مابين النهرين، وعاصمة و قمة الدورة الثانية التاريخية الشرق متوسطية، وعاصمتها الامبراطورية الازدواجية، والموضع الذي فيه وعنده يسجل تاريخ انقضائها مع سقوط بغداد عام 1258، كان المسار الحداثي قد اتخذ وجهة أخرى مختلفة كليا، تنتمي بعكس التجليين المصري والجزيري، لعالم الراهن والدورة التاريخية الثالثة، وكانت فترة الانقطاع التاريخي الثاني التي ابتدات في القرن الثالث عشر، قد مالت للانحسار عند القرن السادس عشر والقرن الذي يلية، ومن سومر مرة أخرى ومجددا، بدات بالتبلور اشكال المجتمعية في طورها الراهن الثالث مع "اتحاد قبائل المنفك"، بينما راحت مفاعيل الانقطاع التاريخي تتراجع باطراد لصالح انبعاث الاليات الصعودية الازدواجية التاريخية الرافدينيه.
كان هذا التطور يعني على المستوى الكوكبي بدء دورة تاريخية انقلابية هي الثالثة النهائية، بعد الدورتين الأولى السومرية البابلية الابراهيمة، والثانية العباسية القرمطية الانتظارية، وصولا للدورة الراهنة، دورة التحقق التحولي وانتهاء المجتمعية، واهم مايميز الدورة الحالية كونها تتسم بوحدة الفعالبة التاريخية ضمن طور واحد على مستوى المعمورة، وبالذات في موضع الدينامية التحولية الأعلى المتوسطي وضفتية الأكثر دينامية، الغربية منها والشرق متوسطية. ويقتضي واقع اللحظة الاستثنائي المنوه عنه، وقفة استعادية تعيد بناء الرؤية والمغزى الذي تنطوي عليه لحظة انقلاب كبرى كانت بالاجمال خارج الادراك او قدرة العقل على الإحاطة، الامر الذي من الملزم التعرض لمجرياته على المديين الطويل التاريخي واللحظة المعاشة.
فالظاهرة المجتمعية تنشا بالأساس، ترافقها حالة أساس من التفارق العقلي المجتمعي، يظل العقل ابانها وعلى مدى الاف السنين، قاصرا وعاجزا عن الارتقاء لمستوى اكتناه واماطة اللثام عن منطويات الظاهرة المجتمعية، وهو مااستمر قائما حتى منتصف القرن التاسع عشر حين بدات طلائع تغيرفي العلاقة المذكورة، تمثلت في مايعرف ب "علم الاجتماع"، اخر العلوم، والذي رافق وتمخض عن النهضة الغربية البرجوازية الحديثة، ومنجزها الشامل على الصعد المختلفة، وينطوي النقص الأساس والاكبر ضمن المفارقة العقلية المجتمعية، على ناحية جوهرية تظل غائبة عن العقل، هي ناحية ادراك المنطوى التحولي المجتمعي المودع في قلب ووراء الظاهرة المجتمعية عند نشاتها واكتمال مقوماتها في ارض الرافدين وسومر منها جنوبا كمنطلق.
المقصود بالتحولية او انطواء الظاهرة المجتمعية عليها، ان المجتمعات ببساطة ظاهرة ليست نهائية، وانها ينطبق عليها قانون انتهاء الصلاحية والعبور الى مابعدها، بعد ان تكون قد أدت الغرض منها، الامر الذي يظل متعذرا على العقل البشري ادراكه، فيظل هذا محكوما ولالاف السنين لوطاة الفكرة التابيدية الأحادية التي ترى في الظاهرة المجتمعية مظهرا ابديا نهائيا، وهو ما يستمر باقيا، ويظل مهيمنا على العقل البشري حتى ابان بدايات وطلائع الاقتراب من كشف السر الأعظم المجتمعي مع العتبة الأولى الجنينية الابتدائبة، التي تشير بهذا الاتجاه خصوصا مع الماركسية و"المادية التاريخية"، التي من اهم ميزاتها انها اخضعت المجتمعيات ل"قانون" وقررت لها "غاية" ومقصد، بغض النظر عن احاديته وتابيديته.
لهذا وبسبب ثقل التراث الطويل من التابيدية والثباتية النهائية المجتمعية المترسخة في العقل البشري، ماكان بالإمكان مع النهوض الأوربي الحديث، ان يوعى ماهو حاصل وقتها باعتباره لحظة وخطوة لها مابعدها ضمن عملية تحول وانعطاف فاصلة بين زمنين، زمن بداية المجتمعات قبل قرابة عشرة الاف عام، وصولا لبداية انتهائها كظاهرة انتقالية لها مابعدها ومايعقبها، فظل العقل بناء علية يدور ضمن نطاق القفزة الاخيرة النوعية المتحققة داخل التاريخ الأحادي، وعند نهاياته، بما قد كرس الحدث الأوربي باعتباره حالة صعود تاريخي منظور لها كاستثناء ضمن سياقات الأحادية الموروثة. وإذ كان الحدث الاوربي يقاس على ماقبله، فانه كان يظهر كقمه، ومطمح لغيره، وهو ماتبرره وجعلته ممكنا قياسات الماضي، لاقياسات اللحظة التي اوجبت وقتها النظر للمتحقق الأوربي بما هو كعتبة، ومنطلقا تتلوه لحظات وخطوات تكميلية شاملة اعمق وابعد، ومن نوع مختلف كليا.
لم يكن متوقعا ان يذهب العقل البشري وقتها، وحتى اليوم، الى تلمس الانقلاب الذي حل على المعمورة والمجتمعات البشرية منذ النصف الثاني من الالفية الثانية، حين حلت على الكوكب لحظة يمكن تسميتها بالتفارقية الرباعية، هي حصيلة، ومنتهى، ومال عملية تفاعل تاريخي مجتمعي طويل، تمثلت في بدء افول بقايا الدورة الشرقية الثانية كما هي متبقية وشاخصة في السلطنه العثمانية اولا، وصعود الغرب المصنعي الالي الحداثي ثانيا، يقابلة ويواقته حدث عودة مجتمع الازدواج التحولي الرافديني للانبعاث في دورة ثالثة مع القرنين السادس والسابع عشر، وأخيرا ورابعا اكتشاف القارة الامريكية وبداية ظهور الإمبراطورية المفقسة خارج رحم التاريخ.
وتتوالى محطات الالية الكوكبية الموحدة الراهنة، أولا بطغيان الظاهرة الغربية وصعودها على حساب متبقيات الدورة الشرقية الثانية العثمانية، بظل حالة كان تعذر معها ظهور الفصل اللاحق على المنجز الأوربي، لابل والاندراج القسري ضمن اشتراطاته ووطاة نموذجه ومفهومه، لكن مع تميز وخصوصية تفاعليه مختلفة عن كل المتعارف عليه، ومايكون قد حل على المعمورة من اشكال تصادم تاقلمي مع الظاهرة الغربية، فالمنطوى العراقي الرافيديني يتضمن كما هي العادة وبنيويا، على المضمرات التحولية النهائية، والمؤدية لنهاية التفارقية الرباعية الراهنه، وارض الرافيدين هي ارض التحولية التاريخية، فيها وجدت بداية المجتمعية التحولية المنتكسه والمتعذر تحققها بسبب افقارها للعنصر المادي الضروري للانتقال الأعظم، أي وسيلة الإنتاج مافوق الجسدية، التي ظل غيابها يحول ابان دورتين تاريخيتين رافدينتين وعالميتين دون انتقال البنية التحولية وتحقيقها المضمر فيها.
هل كان بالإمكان ياترى لمن وجدوا من أولئك المتطلعين للعالم من حولهم او مايعرف ب" النخبة الحديثة"في عراق العشرينات والثلاثينات، ان يعوا وهم تحت وطاة كماشتي بقايا الدورة الثانية المنتهية العثمانية، والصعود الغربي، احتمالية ان يكون التصادم الحاصل هو حقبة ضرورية انتقالية ضمن متواليه رباعية، لحظتها الاوربية هي لحظة ماقبل نهائية ضمن التفارق الرباعي، هذا النوع من التطلب، كان بالتأكيد من المستحيلات مع الاخذ بالاعتبار ظروف مجتمع التحولية الصاعد من لحظة انقطاع وترد تاريخي، هو الأخير السائر نحو انقلاب ينهي الدورات والانقطاعات ومنظوراتها التي تلازم وتميز تاريخ العراق، مقابل المرحلية الانشطارية الطبقية التاريخية الاوربية، والمؤكد ان ما نسال عنه كتطلب، مايزال الى اليوم ابعد من ان يرد على العقل، لابل ويقع في باب شبه الاستحالة قياسا بالسائد المتعاظم ترديا على مستوى العقل عراقيا، بالاخص في العقود الأخيرة. مايجعل الدعوة، او التنوية الراهن الوارد هنا، بمثابة اعجاز لن يصبح مقبولا او يجد طريقه للواقع الا بعد صراع من نوع غير مالوف، لم يوجد مايشابهه او يقترب منه في الماضي الا من طرف بعيد.
يبدا التاريخ البشري المجتمعي بحالة تحول بنيوية متعذرة على التحقق، ويظل التفاعل المجتمعي الكوكبي سائرا على طريق بلوغ وتوفرالوسيلة المادية الضرورية والناقصة التي ظل المجتمع التجولي الرافديني بحاجة ماسة لها كي يحقق ذاته، مايجعل من تاريخ البشر، تاريخ التحولية ووالسير نحو انتهاء المجتمعية، ويجعل من هدف، والقانون المسير للتاريخ، وغرضه غير المدرك، الوصول لانتاج الوسيلة المادية التحولية المطابق للبنية التحولية الرافدينية الأولى، والتي تظل تمارس خلال تاريخها وعبر دوراته، التحول المنتكس لحين ان ينتقل الإنتاج، من معمليته المجتمعية "الالية" المصنعية التي هي محطة ماقبل الانتقال الأعظم، قبل التكنولوحيا والإنتاج المعرفي المتحقق بداية مع منتصف القرن العشرين.
وهذا بالطبع مخطط لايتلاقى مطلقا مع المخططات المتعارف عليها للتاريخ، والتي تقوم على فرضية المجتمعية الأحادية المخالفة لواقع نشاة المجتمعات وازدواجها التحولي الرافيديني، المرتكز أساسا لقانون "العيش على حافة الفناء"، مقابل قانون العيش التوافقي البيئي الرغيد النيلي، والذي يظهر بداية كنقيض دال، ومؤشر على التناقضية الازدواجية التكوينية البنيوية المجتمعية، بينما يميل العقل بحكم قصوره الأصل، والمستمر، الى تبني والتعرف على العينة الموافقة لمستوى ادراكه منها، ويظل على هذا الحال الى الوقت الراهن، فلم يحدث ابدا ان قرات الاشتراطات المجتمعية الإنتاجية الرافدينية والسومرية الأصل، ونو ع نمطيتها الموافقة لاشتراطات وجودها البنيوي، ولا امكن العبور من خلال ووسط قسوة وشبه استحالة الحياة السومرية ضمن مجال انتاجي ومناخ مجاف ومتعذر كليا، من فرضيات النمط الأحادي المتيسرة استيعابا، الى النمط الاخر اللاارضوي السماوي.
ان تاريخ البشرية حتى اليوم، هو تاريخ القصور العقلي بإزاء الظاهرة المجتمعية، يتجلى باعلى اشكاله بحالة العجز عن ادراك منطويات وعناصر واليات اللحظة الختامية الانتهائية التفارقية الرباعية الراهنة، واخطر اشكال تجلية وأكثرها مجافاة لقوة الفعل التاريخي، تلك التي تمثلت في العشرينات والثلاثينات من تاريخ ارض الرافدين، باستبدال المطلوب الملح بنيويا ورافدينيا عراقيا وكوكبيا، بالايديلوجيا والوطنية الحزبية التي تستبدل الواقع بالتصور والمتخيل، وتنحو الى قسر الوافع المتضمن قوة عناصر التغيير الكوني الأعظم، على الرضوخ والانصياع لمقتضيات واحكام لحظة وعتبة الانتقال الأخيرة الاوربية العابرة.
ـ يتبع ـ
النهضة الزائفة: و تجليها العراقي الاسوأ /3