النساء العراقيات لا يغنين للدكتاتورية

أسبوعين يومين ago

عبد الأمير الركابي : ثلاثون سنة من الصمت .....‏ كتب هذا المقال أواخر التسعينات أي قبل قرابة عشرين عاما وقبل الاحتلال الامريكي عام 2003 طبعا، ونشر وقتها في جريدة "الحياة" اللندنيه، وجدت من المناسب ان اعيد نشره اليوم فقط من باب الذكرى والاعتبار: ثلاثون سنة مضت ولم نسمع بمطربة عراقيه جديده ظهرت، وهذا بحد ذاته ليس حدثا عارضا في تاريخ شعب صداح وشاعر، بالامس فقط اكتشفت هذه الحقيقة التي نزلت علي مثل الصاعقه، جاءتني الفكرة بعد منتصف الليل حين كنت اهم بالذهاب للنوم، وبسبب الإرهاق حاولت ان أتهرب من فظاعة تلك الفكرة المرعبة حتى لاتاخذني، كما هي العادة، الى ليل ابيض آخر، ثم وجدتني ربما بسبب تشوهات الولع والمنفى أجد في هذا شيئا من السلوى، فالصداحات كما اردت ان اقنع نفسي، قد صمتن لأننا لسنا هناك، ولأنهن ما أردن ابدا ان تصنع ذاكرة بديله للروح المترنمة، تزيد من محونا من خارطة الزمن، ولان لكل شي وجهه الآخر فلقد واصلت بحثي في هذا الاتجاه، لعلي افلح قليلا في الهرب من رعب كارثة اعتقدت بدل مواجهتها انها دليل على انتصار، فلقد فشلت هنا محاولة الإفناء المستمرة، وعجز ذلك النظام عن ان يصطنع سلاحا يمنع على العراقيين الاحتفاظ بذكرى وحيده عن زمن الترانيم . من هن النسوة اللواتي رعين بأصواتهن غفواتنا في المهد وفي الصبا والشباب، وكيف كن قد اختلقن فينا ذلك الزمن ونكهته التي لاتمحى، ولا تشبه أية نكهة في الوجود (منيرة الهوزوز) و(صديقه الملايه) و (زكيه جورج)و(سليمة مراد) و(لميعه توفيق) و(وحيده خليل) و(مسعودة) و(زهور حسين) و(إنصاف منير) و(ومائدة نزهت)و( عفيفة إسكندر)..حتى (أحلام وهبي) كان عدد الرجال المغنين مابين الثلاثينات والستينات، لايكاد يضاهي عدد المطربات وكان الغنى والمعنى يتشكلان عبر اصوات النسوة اكثر مما عبر أي شكل تعبيري آخر، وهنا ايضا كان الحزن والفرح يختلطان في الذاكره بالنهايات التي لاقرار لها، قال الصديق الشاعرشاكر السماوي عن صديقه الملايه : حسافه الصوت جف بكل قوافيه وتظل وشالته من الناس تطلب روح راعيه حين قرات هذه القصيده قبل اكثر من ثلاثين عاما سمعت حشرجة صديقة الملاية في اخريات ايامها، سالها المذيع بحنوعما تعاني منه : فقالت ((الوحده ..الاحباب راحوا .. ماادري ..يمكن معذورين يمكن العمر.. يمكن ماتوا..ماادري)) طلب اليها ان تغني فصدر عنها شئ اشبه بحشرجة الموت، تلك كانت اكثر المطربات تصويريه ابتداء مما تخلقه في زمن التخيل ـ السابق على التلفزيون ـ من ملامحها هي الباقيه في الذاكره والتي تتبدى متشابهة للجميع بصورة امراة سمراء ممتلئه قوية الملامح وعميقة الحزن، ترتدي العباءة السوداء وتجلس على جرف دجلة تناجيه وتتحدث معه ((عسنك هلو يبه ياشط عسنك تبكي على العافوك ياشط عسنك )) كانت بدايات تشكل صورة الشخصيه العراقيه في الحاضرقد راحت تنبثق وقتها مع جهود اوليه للابداع الادبي والرسم، وكان صوت صديقه ورسوم فنان الكاريكاتير (غازي) تضع وتعمم لبنات اعادة صياغة الحياة ((عبود جاي من النجف..ومنكس عقاله )) و((ياقهوتك عزاوي بيها المدلل سهران )) و((الافندي عيوني الافندي .. الله يخلي صبري صندوق امين البصره )) و((للناصريه تعطش واشربك ماي باثنين اديه ))، و " الولد الولد الولد .. تربات اديه يالولد عيني" و "" ومر يااسمر مر والله غيابك مر" و " وجوز منهم لاتعاتبهم بعد جوز" ولم يكن هنالك ابدا شئ يملك قوة اعادة تشكيل وصياغة المنظور الجماعي مثل الاغنيات التي صدحت بها صديقه، وغياب الاعتراف بهذا الدور وبمجمل الدور الذي احتله الغناء في الثقافة العراقيه المعاصره/ يعكس قصورواحادية الموقف الثقافي الحداثي، وهذا المظهر كان يصل في احيان كثيره الى مستوى من البدائيه والجلافة لايمكن تصوره. ذكرت لي صحفية عراقيه كانت تعمل في الجريدة الناطقه بلسان الحزب الحاكم ان رئيس التحرير استدعاها مرة لانها نشرت خبرا يقول بان رئيس الجمهورية الفرنسي شارك في تشييع جنازة المغنية الفرنسية العظيمة ((اديث بياف)) قائلا لها بان نشر هذا الخبر يسئ للعلاقات الفرنسيه العراقيه، لانه اهانة صريحه لمقام ومكانة رئيس الدولة فالرؤساء برايه لايشيعون ابدا "المغنيات" . ولست اعرف اذا كنت ساتجاوزعلى الحقيقه حين اتساءل عن مصير الغناء في الاتحاد السوفياتي، انني اعرف بان الفنون ذات النكهة الانضباطية العاليه مثل رقص الباليه او الجمناستيك قد ازدهرت في العهد "الاشتراكي"، وان الغناء لم يكن مزدهرا،وهذا ينطبق على اوربا الشرقيه والصين، فالغناء هوتجسيد للنزعة الفرديه، وهو اذا لم يكن محنطا ويعاني من الانهيار،اصبح قوة فعل في الوجدان وتحول الى سلطة على الشعور تنافس السلطات الاخرى بما فيها السلطات السياسبه . ان انقطاع الغناء العراقي وصمت النسوه لايبرره ابدا تزامن هذه الظاهرة مع الانحطاط الذي عرفته الاغنية العربيه، فثمة اخيرا ظاهرة كاظم الساهر التي تستمد حضورها من شبه تنكر للخلفية العراقيه، مع الاحتفاظ بصرامة الحضور والحزن والجاذبيه التي تضفيها صورة العراق المحاصر والمدمر، ناهيك عن استيحاء آخر النغمات الكلاسيكيه للعاطفية الشبابيه التي كانت قد ذوت برحيل عبدالحليم حافظ، ولهذا كله يصبح هذا الصوت اليوم كلاسيكيه جديده في زمن الاغنية المبتذله، وينجح في الانتشار عربيا متضمنا شحنة غامضه من تحدي التردي وهذا لا يكذب مايقوله ملحن عراقي كبير مثل محمد جواد أموري الذي ينكرعلى كاظم الساهرانتماءه لثراث الاغنية العراقيه . كان يمكن بالطبع ان تظهراصوات وان تغني رغم التردي ومحنة الاذن والذائقه العربيتين المستمره منذ ثلاثة عقود، وهانحن قد شهدنا في الفترة ذاتها ازدهارا في كم المغنين والمغنيات وقد امتلات بهم الاجواء في سوريا ومصروتونس والمغرب العربي، بينما اكتفت النسوة العراقيات بالصمت المطبق، واثبتن انهن لايحسن الصراخ، وان الغناء الذي يعرفن كان فعلا ثقافيا بمعنى الصياغة الحقة للحياة التي لم تعد تقبل سوى صوت وحيد، هو الصوت الذي راح يصفي كل اشكال التعبير الفكري والثقافي والروحي، ناهيك عن التعبير السياسي .وهذه الفروع وجدت في العقود الثلاثه الماضيه من يؤشربهذا القدر او ذاك الى محنتها وماعانته من تدمير شامل ومنظم، الا الغناء الذي لم يدافع عنه في الثلاثين سنة الماضيه احد، رغم ان محنته كانت الاقسى، وان مدى التدمير الذي لحق به كان كاملا لابالنسبة للنسوة المغنيات فحسب، بل حتى للرجال الذين صمت البعض منهم، اوانقطعت صلته بروح اصبحت ممنوعه ومشوهه ... اريدان اجازف معلنا عن اعتقادي بان عودة الحياة للغناء ستكون دليلا على عودة الحياة نفسهامع انبعاث الفعل الاجتماعي الحي والمستقل، والمراهنة هنا مبرره لان تراث الاغنية العراقيه يجب ان يجعلنا متاكدين من ان هذا الميدان الغني المتشعب مابين الريف، والمقام وتفرعاته، حتى الغناء الجبلي، وغناء الباديه، اوالايحاءات الفولكلوريه شديدة الثراء، وصولا للخلفية المتداخله للنغم الذي تحفظه الذاكرة على امتداد القرون والحقب والتجارب، مرشح حسب مسار تداخلاته بتعرجات وفظاعات التجربة الثقافية المعاصره، لان يكون له حضورانفجاري هو الآخر، ربما سيبدا غدا، او هو قد بدا في مكان ما، متجاوزا وطاة وطول امد انكساره وثقل المحق الذي الحق به . كان الغناء مخيفا ومرعبا في العراق، فشغل النظام الحالي واقلقه، خاصة غناء النسوة، لانه مصدر منافسة على سلطة هي الاقوى في تكوين العراقيين وفي تحديد استجاباتهم العميقه ..سلطة المشاعرالتي كان النظام الحالي مشغولا بمصادرتها كليا، ولايتوانى عن قتل كل منافس له عليها، مقررا الهيمنة على كل مساحة الجمال الذاتي لروح المجتمع، ولوجوده الحي، وبالذات لتشكل ونموقسماته وخصوصيته وفقا لآلياته حياته وتاريخه، وبالنسبة لنظام يقوم همه على مصادرة كل مساحات اللاشعور الجمعي، فان معركة قد جرى خوضها هنا بتخطيط محكم، وبخبث اعلى خلال ربع القرن الأخير، من هدف المطابقه القسرية والفجة بين الشارع الملئ بصور الزعيم القائد وبين منحنيات الروح والوجدان. وهذا ماسيعطينا الدليل في المستقبل على عظم ماقد فعله النظام الحالي وعلى شمولية قسوته التدميريه، فحين يقف العراقيون بعد الخروج من البيت في اية زاويه، لايعود الفضاء ملكا لهم فيصادر خيالهم التصويري، أي المدى والنخيل وزرقة السماء، واسراب الطيوروالغيوم التي تحكي قصة العالم منذ ان ابتدا، لان الناس تحرسهم اينما يولون وجوههم صورة "الرئيس القائد " ـ قال ملاحظ اجنبي في التفاتة تليق بعين بريئة من سطوة الاصنام : ان توزيع صور صدام حسين يجعل الانسان يقع على احداها كيفما القى ببصره واينما اتجه ـ وهذا مخطط لايمكن ان يكون عفويا، وهو يذكرنا بالقوة الرمزيه لكراهية قالها الاسلام بخصوص التصوير بصفته رفضا لاشغال المساحة والوجدان بغير الوجه الاعلى للخالق الذي تنهار وتتصاغر امامه كل المخلوقات، وبالاخص منها الحكام، ولكن مخطط الاستعباد والشراكة الذي يصر على اشغال المدى بصورة "القائد" هو حتما مقصد يعطي لكلمة "الشرك " معنى ملموسا ومجسدا . لقد عبر الناس لاشعوريا عن مقدار مقتهم لذلك النمط من اشغال دواخل العراقيين بتكرار النمط والصوره المناقضة لحقيقتهم ابان انتفاضة آذار، فصبوا جام غضبهم على الاصنام ماخوذين بماضي تشكل وعيهم العميق ابتداء من اول محطم للاصنام في اور الكلدانيين ابو الانبياء "ابراهيم "، وصولا الى ملحمة "مكه "، وتلك مناسبة ستحتاج في المستقبل الى بحث وتدقيق، فكم من التماثيل جرى هدمه وتخريبه، وباية حالة ؟ وهل جرى ذلك برغبات فردية ام بفعل جموع ساخطة، او باية صيغة كانت ؟ ولعل ابناء ذلك الحدث والاكثر حساسيه وقوة ذاكرة من بينهم، يسجلون الان تلك الوقائع ويجهدون ضد النسيان، على امل ان تنهض في مستقبل العراق قوة بحث عن يقظة للوجدان المدمر والمقتول . في مستويات اخرى من دواخل الجمع العراقي، كان هنالك اعتداء ابعد ينم عن جنون الاصرار على كره خاصيات مجتمع هو الاكثر تعلقا بالحريه، ورفضا للسلطه، فالايقاع والنغم المكون هنا موصول بالكون، وبالمجاهل البعيدة التي انجبت القيثارة وصدحت للمرة الاولى نغمات اطلقها الانسان واضعا الوتر واليد والروح في وحدة تنطق اعماق الوجود الساكن، بينما جاء صدام حسين لكي ليمارس بالضد من الايقاع الكوني الرافديني، اغلاقا لتلك النافذه العظيمه، وجعل الوجدان بالقوة والاكراه موضعا يحتله هو عبراصوات كريهه، وكلمات مخجلة، ظل يسطرها كتاب و"شعراء" حقبة الصمت وغياب الصداحات، فاحلوا نغما اكراهيا ومات اللحن النابع من الفضاء الحر، ليحل محله لحن محسوب مصنوع ومقدر،ساهم في ملء الدواخل ووجدان العراقيين بالاضطراب والحنق، وشوش عليهم صلتهم بماينبغي ان تقع عليه انظارهم، فالدكتاتورية المهووسه بالسيطرة الكلية، تجد نفسها مطاردة من دواخل الناس، ومن صياغات العراق الاوليه التي يرسمها النظر والفضاء والصورة الأولى، وانغام الليل والنهار وايقاعهما .. انها حرب لاتترك زاوية، وتغلق كل المنافذ، وتتمنى لو انها تحشر البشرفي جحورالديدان والنمل