مَن المُحاصَر؟

أسبوعين يومين ago

علي القادري

  • غالباً ما يتردّد على أسماعنا أن أميركا تحاصر هذا البلد أو ذاك، أو هذه الشركة الكبرى أو حتى شخصيات رسمية وغير رسمية. تردّد، أخيراً، الكلام عن تزايد الحصارات. أميركا فعلياً تحاصر الاتحاد الروسي وحتى الصين. كبرى شركات الصين «هواوي» محاصرة، دع عنك سوريا وفنزويـلا وكوبا وإيران، وأخيراً إعادة تهديد العراق بحصار جديد. وفي حربها التجارية مع الصين، عطّلت الولايات المتحدة أعمال منظمة التجارة العالمية بإبطالها تعيين قضاة جدد فيها. وبما أن الولايات المتحدة تهدّد بالحصار أو تحاصر كلّ من يتعامل مع مَن تحاصره اقتصادياً، فهي فعلياً تحاصر الشطر الأكبر من الاقتصادات الدولية، إن بتضييق الخناق أو بالانتهاك. هذه الإجراءات لا هي عقلانية ولا هي معوّلة على سوابق تاريخية مثيلة. عادة ما تحاصر قوة عظمى دولاً صغيرة تقتنص منها بالحصار مبتغاها، لكن أن تحاصر الشطر الأكبر من النشاط الاقتصادي الدولي بدرجات متفاوتة من القسوة طبعاً، فما هذا بحصار، إنّما هو تمظهر لحرب كونية غير قادرة على أخذ مجراها الطبيعي ربما لأسباب تعود إلى الردع النووي.

    • لسنا في وارد استشراف الحرب الكبرى في زمن محفوف باللايقين، لكننا على إدراك بأنّ أزمة التراكم الدولي تتفاقم ولا تجد سبلاً للحل إلّا بتفاقم العلاقات الدولية التناحرية. آخر الدراسات الجدية في هذا الموضوع، تعود إلى المفكر الثوري توركل لوسن (Torkil Lauesen) في كتابه الأخير المشهد العالمي: تأملات في الإمبريالية والمقاومة، حيث يجادل بأن أهم التناقضات الدولية انتقلت إلى تناقض بين صينٍ معولمة ومنفتحة على الأسواق العالمية، وبين ولايات متّحدة منغلقة على ذاتها تمارس كلّ الضغوط لإفقار الآخرين وإثراء نفسها. لكن بين هذا أو ذاك، نَفَذَ ما لم يكن في الحسبان والتحقت الصين في ركاب التنمية بجهودها الذاتية. كان الترقي بالتنمية حكراً على الدول التي تمثّل المعسكرات المتقدّمة لأميركا، كتايوان والكيان الصهيوني، وقلّة هي الدول التي ارتقت إلى صفوف الأثرياء، تكاد تحتسب على أصابع يد واحدة، وكلّها على أي حال تنتمي إلى المعسكر الأميركي أو تشكل قواعد عسكرية إمبريالية، تكمن ماهيتها في كونها حزاماً وقائياً لكبح تمدّد القوى المناهضة لمنظومة رأس المال الأورو ــ أميركية.
      نحن إذاً أمام ثقلٍ مختلف، فمن حيث الحجم الحقيقي بحسب أسعار تعادل القوة الشرائية، تتخطّى الصين الولايات المتحدة، وبحسب حجم السوق التبادلية تتخطّى الصين الولايات المتحدة (15 إلى 20 في المئة). بالطبع، بالأسعار الاسمية تأتي الصين بالمرتبة الثانية، لكننا إذا أخذنا في الحسبان حجم السوق الآسيوية المرتبطة بالاقتصاد الصيني، تصبح آسيا أكثر من نصف الاقتصاد الدولي بحسب ما أوضح دايفيد هارفي (David Harvey) في عام 2019‏[1]. للتذكير، أصبح لدى الصين أكبر مخزون للذهب، وبنكها الدولي للتنمية، ومركزها المقابل لمنظومة «سويفت» (SWIFT)، وكذلك أكبر أربعة بنوك من حيث الأصول. تغيّر العالم؛ صارت أميركا تختبئ والصين تتقدّم. لم يبقَ لأميركا إلا دولارها، فصارت تهاجم به يساراً ويميناً. لكن دولارها هذا ليس ذا شأن ضئيل. فقبل أن يكون عملة التداول الدولية، هو حافظٌ للمدّخرات أو القيمة، سواء تدنّى أو ارتفع، وسواء هبطت معدلات الثراء الدولية أو ارتفعت. إذا ما انخفض الدولار مقابل العملات الأخرى انخفضت القوة الشرائية لكل حاملي الدولار أو العملات المثبتة مقابل الدولار. كما تنخفض قيمة كلّ الأصول المدولرة إذا لم تُقيَّم بعملات سيادية أخرى مستقلة عن الدولار. والدولار، كذلك، حزام ناقل للقيمة بشكلها النقدي، أي أنه الآلية الرئيسة للريع الإمبريالي. يستند الدولار إلى قدرات الإمبراطورية الأميركية على التحكّم في مصادر السلع الاستراتيجية، أولها النفط. قصة النقد القانوني (Fiat Money) هذه، المبنيّة على الثقة بقدرات الدولة على الدفع بالوعد ليست إلا هراءً؛ الوعد هذا ليس إلا قدرة الدولة على التحكم والتنكيل، وقدرات أميركا في هذين المجالين همايونية‏[2].
      إذاً، الدولار ينكل بإفقاره للمُحاصَرين ويَستقوي بالتنكيل وبقدرته على التحكم في السلع الاستراتيجية. وبما أن معدّل الأرباح صار مرتبطاً أكثر بالشركات المالية التي تَثْرَى بتوسع النقد، وبما أن المؤسسات المالية هي التي تنتج النقد بتحكّمها في الإرادة السياسية والمصارف المركزية، يضع التوسعُ غيرُ المُحكم اجتماعياً للنقد الإمبراطوريةَ أمام خيار واحد أساسي، ألا وهو التوسّع بالعسكرة والهدر، بما في ذلك هدر البيئة والإنسان. الفائض النقدي يُمتصُّ بائتمان أميركي جديد، وعملية العسكرة والهدر تعيد جدولة القاعدة التي تنبثق منها القيمة. والهدر هذا سلعة مستهلكة تُباع وتُتَبادل في السوق، مثلها مثل السلع الأخرى. وهي كذلك بمدى تمظهر الحرب والتلوث أكثر السلع تداولاً في السوق. الهدر هو المُقرِّر الرئيس في علاقة رأس المال، لكن العلم يعتني بدراسة درجات التغيير، ونحن هنا أمام موألة تزيد من نهم رأس المال للهدر؛ وللتنويه، العسكرة هي الهدر الصافي.
      التنكيل هنا هو وسيلة الإنتاج وغرضها في آن معاً. هو عملية إنتاجية تكمل وتتكامل مع عمليات الإنتاج الأخرى، أي هو أداة تحديد الاتجاه (Gyroscope) لسيرورة التاريخ الرأسمالي وليس بمفردة مجازية. وللتنكيل بالدولار حسابان:
      الحساب الأول والأهم، هو الاضطهاد الذي يفرزه ويتماثل به قانون القيمة من أجل إنتاج فائض القيمة. على سبيل المثال، كصنم لقوة رأس المال تفرض المديونيةُ بالدولار، أو توزيعُ الدخل من خلال التحكم في سعر الصرف بالدولار، مستوياتٍ معيشيةً أدنى، أي تكلفةً أقل لإعادة إنتاج الطبقة العاملة. حينئذ ينخفض العمل الضروري، أي حصص الأجور لما تحت خطوط الكفاف، ويزيد العمل الفائض، القاعدة التي يُبنى عليها، فائض القيمة؛ ومن خلال توسيط القوى في السوق وفي زمن اجتماعي، على عكس كرونولوجي تزيد الأرباح؛ فالأرباح تتزايد مع عملية نقل التكاليف الإنتاجية إلى كاهل المجتمع. كلّما ضعفت قدرة المجتمع على إنتاج ذاته، زادت الأرباح. من الخطأ أن يُختزل التاريخ الذي يمثل تاريخ القيمة التي تعيد إنتاج المجتمع إلى لحظة شراء وبيع.
      أما عن التنكيل الأكثر عنفاً، لمّا كان ليوبولد الثاني يقطع أيادي العاملين في الكونغو، أوائل القرن، كانت فرنسا وبريطانيا صامتتين عنه لأنه سمح لهما بالتجارة الحرة، فقتله لعشرة ملايين كونغولي كان ثمناً لبقاء الكونغو تحت سيطرة البلجيك؛ هكذا رواها إيمانويل أرغيري في كتابه التبادل غير المتكافئ: دراسة في إمبريالية التجارة؛ فتكوين القيمة بأبخس الأسعار لا يعني فقط دفع أقل تكلفة لمكونات القيمة في لحظة بيع وشراء، إنما يعني إنفاقاً أقل على إعادة إنتاج المجتمع في دورته الحياتية، بما في ذلك خفض فائض العمل بسياسة إفراغٍ سكاني. الاضطهاد مقرون بالاستغلال والمكون الاجتماعي لفائض القيمة‏[3]. وفائض القيمة فئة اجتماعية تختلف عن القيمة المضافة أو الفئة الحسابية. القيمة هذه علاقة اجتماعية لذات بغرض، علاقة قوى، علاقة تاريخية، علاقة تناقض بين العمل الضروري والقيمة الاستعمالية، وعلاقة تناقض بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية موسَّطة بالقيمة الكونية، أي النقد. هي كل هذه سوية، وهي الحاكم الآمر بتطور الحياة الاجتماعية، لأنها السلعة، والسلعة هذه بموضوعيتها هي رأس المال. كلما ضعُف العملُ مقابل رأس المال في الذات المُتحكِمة في السلعة حَكم عقلُ السلعة المتوسعة من ذاتها المجتمع. السلعة في البرهة هذه، برهة انهيار العمل كبديل تاريخي، «تُمدّي» (Reification) رأس المال، أي يصبح الرأسمالي مادةً أو شيئاً. إنتاج فائض القيمة يتخذ حينئذ أشكالاً هدرية أكثر أو يمتثل للتراكم بالعسكرة وبهدر الإنسان والبيئة بأقل التكاليف.
      أما الحساب الثاني فهو حساب اقتناص القيمة من خلال الدولرة، لكون الدولار هو العملة المتداولة في التجارة الدولية. حسابنا الأول كان حساب خلق القيمة، وحسابنا الثاني هو حساب اقتناص قيمة خلقها آخرون. هذا الحساب مترابط مع الحساب السابق لأنه منوط بالقوة المتأتية من ممارسة الاضطهاد أو حروب الانتهاك. على سبيل المثال، خلال الأزمة الكبرى عامي 2007 ـــ 2008 هرعت رؤوس الأموال الدولية إلى المرتع الأميركي رغم أن أميركا هي التي أسست للأزمة بخلقها فائضاً ائتمانياً أو نقدياً من دون ضمانات، تم تعويضه لاحقاً بأصول الاحتياطي الفدرالي المغطاة بدورها بالضرائب المفروضة على الطبقة العاملة الأميركية، أو بقدرة أميركا على البطش بثروات بلدان العالم النامي. حين تكون قوياً تفعل ما تشاء إلى أن تحكم الضرورة التاريخية بغير ذلك.

      الدولار ينكل بإفقاره للمُحاصَرين ويَستقوي بالتنكيل وبقدرته على التحكّم في السلع الاستراتيجيّة


      منذ عام 2008 إلى تاريخ كتابة هذا النص، في بداية عام 2020، مضت أكثر المراحل ثباتاً في تاريخ الرأسمالية الحديثة من دون أزمة. الأزمة دورية آتية لا محالة. ما من صحيفة أو مصدر اقتصادي إلا ويتكلم عن انتهاء حقبة الرخاء والإقبال على الانتكاس، حتى إن المحاسبين المثريين الأغنياء في الوطن العربي يتبجّحون في استشراف ما هو مؤكّد؛ كبصارات القرى يتبوّقون عن أزمة مالية في الغرب بينما الأزمة الاجتماعية في العالم الثالث، أزمة الجوع والحرب، لا تبرح المكان والزمان. أزمة العالم الثالث لا تُحلّ برخاء العالم الأول، فما مساعدات العالم الأول في العالم الثالث، إلا استثمار في هدر البيئة الاجتماعية. لكن منذ أن خرجت الصين غير متأثرة بالأزمة الكبرى، عام 2008، تغيَّر العالم ولم تتغير عملة العالم، وعملة العالم هذه (الدولار) تقبع ككابوس على رؤوس كثرٍ، فإلى متى؟
      والسؤال اليوم، هو ماذا سيحصل إذا ما حلّت الأزمة الاقتصادية المنتظرة وذهبت الفقاعات؟ إلى أيّ سوق مالية ستلجأ رؤوس الأموال، فهل ستكون أميركا المرجع الآمن مرة أخرى؟ كل الأسئلة ذات الصلة متعلّقة بمتغير رئيس ألا وهو اقتصاد الصين العظيم، ذو القدرة الشرائية الهائلة، الاقتصاد الذي انتشل العالم عام 2008. تنامت أجور القطاع الصناعي الصيني ثلاثة أضعاف في العقد الأخير، وقدرة الصين الإنتاجية والمالية تخطّت القارات عبر طريق الحرير، لكن رغم هذا كله ليست للصين المرونة والسيولة والطاقة المالية الكبرى لتغطية التعاملات المالية الدولية، فسوق المال الأميركية تستحوذ على ريع سك (Global Seigniorage) العملة الكونية، وهذا بدوره كفيل بضمان الائتمان والسيولة. أدوات الصين المالية لها من الإرث الاشتراكي ما يُضفي عليها صفة «الجمود». فوفق مُعطى الفكر الاشتراكي، العلاقات المالية والسياسة المالية هي وسيلة للتنمية وليست غاية في حدّ ذاتها كما في الرأسمالية. لكنّنا كذلك أمام أزمة أخرى رأسمالية، ألا وهي استنفاد قدرات السياسة النقدية‏[4]، تلك المتعلقة بخفض مُعدل الفوائد لحفز الاستثمار والدورة الاقتصادية التي تجلّت، أخيراً، في هبوط أسعار الفائدة على اليورو إلى السلبي لأول مرة في تاريخه؛ ورغم ذلك، أي رغم خفض سعر الفائدة، لم تنشط الدورة الاقتصادية، أي أننا أمام عقبة وازنة، ألا وهي انعدام جدوى السياسة النقدية وفاعليتها. وبما أن النيوليبرالية تستثني السياسة المالية والإنفاق العام لأسباب راسخة في عقل السلعة المسيطرة على عقل الرأسمالي، جُلّها إعادة تأهيل الطبقة العاملة كي لا تكون شريكاً في عملية الإنتاج الاجتماعية، فإننا أمام ظرف من نوع آخر، ألا وهو نفاد السياسات التقليدية وتضخم الفقاعات. وباستثناء عملية إفقار تسيَّلُ فيها حيوات الإنسان، والموارد الوطنية، سواء بحرب أو بحصار أو بؤس، وبسرعة أكبر، أي بخصخصة الموارد وتنقيدها، فالأزمة القادمة ربما باقية وعاتية.
      لكن على المحمل الآخر، لدينا الصين التي تتوقع الأسوأ وتحتاط له. دخل قانون الاستثمار الأجنبي الجديد حيّز التنفيذ، في كانون الثاني/ يناير 2020. زد هذا الإجراء على احتياطي الذهب والسعة الهائلة الداخلية، ولدينا البديل للدولار بشكله الجنيني. نظرياً كذلك، لا يمكن أن تتمكّن الصين بالدورة الاستعمالية، أي دورة إنتاج وتبادل السلع، وألّا يتطور هذا التمكن إلى التحكم في الدورة المالية أو النقدية، أي الدورة التبادلية. حصة الصين في التبادل التجاري الدولي، اليوم، ارتفعت إلى ما فوق الـ20 في المئة. في 23 آب/ أغسطس 2019‏[5] قالها رئيس مصرف بريطانيا مارك كارني، لقد أصبح الدولار عبئاً ومن الأفضل أن نستبدله بعملة إلكترونية مكفولة بعدة بلدان بما في ذلك الصين. ما من دخان بلا نار، لقد كان تعليق كارني هذا في اجتماع لرؤساء المصارف الرئيسية كافة، فما من اقتصادي عاقل إلا ولديه الحَدس بأن زمن خفض الفوائد ولّى. لكن هؤلاء اقتصاديون وهم ليسوا باقتصاديين سياسيين؛ فالاقتصادي يُكَمِّمِ ويرى ضعف الدولار من توافر سيولة زائدة تحفّز على الاحتفاظ بالنقد بدلاً من الاستثمار في ظروف مضطربة. لكن من منظور الاقتصاد السياسي، أي من منظور المنظومة الموسّطة بالأداء الفردي والمستقلة، فامتداد التدفق المالي ليس إلا تراكماً لرأس مال خيالي يحتاج إلى ضمانات أو إلى ما يُرتهن به، وهو بذلك ــ أي بثقل الثراء النقدي الخيالي غير المضمون ــ يُعجّل بدورة التبادل غير المنتج، أي التبادل المبني على التجارة الذي لا يولد فائض قيمة ذا فائدة اجتماعية، أو الهدر الذي يولد قيمة تقلِّلُ من العمل الضروري أو ما يعيد إنتاج الطبقة العاملة. فمن البديهي أن يبادر الفرد بسلوكه إلى الحذر وتفضيل النقد على الائتمان الطويل الأمد في زمن محفوف بالمخاطر. لكن كم السيولة الهائل، كم الأرباح الاحتكارية، يضغط على المنظومة لإيجاد غطاء لها بالدولار وفي سلع حقيقية، وبخاصة مقابل طاقات العمل الاجتماعية التي عادة ما يُرتهن مستقبلها لخدمة الدين ــ الإنفاق الحربي المدعوم بسندات خزينة طويلة الأمد، هو المحرك للكمّ الفائض من رأس المال النقدي. وبما أن الإنفاق الحربي يتطلّب الحروب، فإن الحروب تُفتَعل لامتصاص رأس المال الخيالي، وكعملية هدر غير منتجة اجتماعياً، وهي كذلك عملية صناعية مرتبطة بمستوى عالٍ من فائض القيمة؛ فالقتل الصناعي (Industrial Scale Killing) هو صناعة. إنّ منتوج صناعة الحرب هو الدمار والموت طبعاً. وحلقة الدمار في الدورة الاقتصادية هي ما تهيئ له السلعة بعقلها ذي النزعة التوسعية. والسلعة هذه تتحكم بمقدار ما يتقمصها عقل الرأسمالي المشيَّأ. وفي ظل الأزمة الاشتراكية وأزمة العمل المرحلية تحكم السلعةُ التاريخَ، وإلا ما الذي يفسر الأزمة الوجودية، فما من عقل إنساني يأتي على وجوده بهذه الهمجية. السلعة تبحث عن حرب أو حرب استنزاف جديدة كي تسلخ العام من الخاص، وكي تخصّص الموارد وتُسيِّلها أي تُنِّقدها. لذا التخبط في دور الإمبراطورية والهجوم بالدولار ما هما إلا عارضان للأزمة التراكمية الاجتماعية. استعمال الدولار في إركاع الدول هو التجلّي لمنطق السلعة عندما تمثّل القوة المطلقة. منطق السلعة هذا المبني على العنف، لأن العام لا يُسلخ إلا بإخضاع الطبقة العاملة إلى حدود خارجة عن السيطرة كما في حالة الاستلاب الشاملة المتمثلة بالأزمة البيئية والاجتماعية، فهذه الظاهرة الكارثة ما هي إلّا الدليل على تلقائية المنظومة الرأسمالية، أي أنها الدليل على أن المنظومة غير قادرة على إصلاح نفسها بنفسها من دون فعلٍ ثوري.
      وبما أنّ عقل السلعة هذه هو عقل التاريخ، أي المُحصّل لموازين القوى الاجتماعية والسياسية التي تمثل الأولوية في علاقة التراكم، وبما أن القوة سبّاقة على سيرورة التراكم، تبحث الإمبراطورية عن حروب تنهك الصين، القوة العظمى الصاعدة، فهي تُكثفُ حصارها لمنطقتين، المنطقة الموازية للصين أي كوريا الشمالية، ومنطقتنا العربية. وللتذكير، بالرغم من طغيان النمط الصناعي على الإنتاجية في الطور الرأسمالي، فإنّ حافز التراكم لدى القوة الإمبريالية ما زال «مركنتيلياً»، أي مُحفزّ بجمع الفائض المالي. وعودة إلى الحسابين، فما بين خلق القيمة بالصناعة أو اقتناص القيمة بالدولرة والحرب، الإمبريالية تفضل الأخيرة.
      هاتان المنطقتان هما الأكثر محاصرة رغم أن الحصار يصيب الشطر الأكبر من الاقتصاد الدولي. هذه الحصارات تُبدِّد القدرات الوطنية وتهدرها؛ ففي العراق آخر هذه الحصارات حصد أرواح مئات الآلاف، فكانت كسلاح دمار شامل تدور ببطء سينمائي. لكننا، كما ذكرت في مطلع هذه المقدمة، نواجه اليوم إمبراطورية آفلة تحاصر كلّ شيء حتى ذاتها؛ فآخر تقارير الفقر في أميركا تشير إلى أن ما يقارب نصف السكان يعيشون دون خط الفقر الوطني. إن سياسة إفقار الآخر لإثراء الذات تُفقر السواد الأعظم لاستخراج القيمة المضافة عن طريق تسليع الموارد وتخصيصها وتنقيدها وتسييلها. هذه السياسة ليست بحديثه أو مستحدثة، إنما هي على درجة أعلى من الحدة في المرحلة النيوليبرالية أو مرحلة غياب البديل الأيديولوجي. فبدلاً من ناتج إضافي ذي صيغة استعمالية مفيدة، تنصاع سياسة الإفقار لحكم السلعة فتُسيّل الأصول، بما في ذلك الموارد البشرية، في عملية صناعية مسَعَّرة، أي أنها موسّطة في السوق وتخضع لإملاءات قانون القيمة‏[6]. وهي بذلك، أي صناعة التسييل والتبديد هذه، تخلق فائض القيمة، فهي كذلك عملية إنتاجية صناعية تكثف ساعات العمل الضروري في إنتاج سلع ليست ذات فائدة اجتماعية، لكنها مركّبة أيديولوجياً وكأنها ذات فائدة. ولكن رغم إفقار الكل بالتسييل، ورغم تدني القيمة المضافة، وبالذات تلك التي ترسُمِلُ الطبقة العاملة والتي تنعكس في معدلات نمو أقل، تزداد حصة رأس المال من الناتج الاجتماعي وتزداد أرباحه. إن سياسة إفقار الآخر لا تفقر الكل، بل تثري بصفة استثنائية الشريحة المالكة للأصول والمتحكمة بالموارد. نحن إذاً أمام درجة أعلى من التراكم وربما حالة نوعية جديدة من التراكم: حصة أكبر للطبقة المموألة من الناتج الاجتماعي الكوني ومنتوج هدري أكبر يتجلى بتبديد الإنسان والبيئة. النقطة الجديدة في هذا الطرح هي فهم اقتصادي سياسي لمفهوم القيمة، على أنها علاقة تناقض بين الخاص والعام مفترضة مسبقاً بتمظهرها الفيزيائي؛ وهي بذلك لا ينطلي عليها الإسقاط الأتيقي؛ معنى القيمة هنا لا هو شيء ولا شخص ذو قيمة أو قِيِّم، إنما معناها منتوج من ساعات العمل الضروري يعيد إنتاج أو استهلاك المجتمع في زمن اجتماعي‏[7] ما. القيمة هنا هي المنتج فقط، والمنتج هذا يُقرَّرَ هدراً؛ بما أن الأزمة البيئية الاجتماعية اكتسبت شكل المسألة الوجودية تصبح هذه القيمة بشكلها الفيزيولوجي بالضرورة سمّاً اجتماعياً وبيئياً مقرراً مسبقاً بضعف العمل مقابل رأس المال في الذات أو الفاعل في علاقة إنتاج القيمة. وضعف العمل هذا موازٍ للهزيمة الأيديولوجية الاشتراكية. طبعاً كان من الممكن أن نصل إلى هذه النتيجة بقراءة ظواهر الواقع كما هي، لكن قراءة الظواهر من دون البعد النظري غالباً ما تنتقص للعلمية من الطرح، فلا تفسير للظاهرة بالظاهرة.
      عملية صد الحصار الأميركي هي عملية بناء قدرات الشعب من أجل تمكين الأسس التي تُبنى عليها حرب الشعب. قالها لين بياو (Lin Biao) في عام 1965: قدرات الأوطان ليست بقنابلها الذرية إنما بوعي شعوبها. تأكيداً لذلك، استطاعت دولتان صغيرتان أن تصدّا أصعب الحصارات، هما كوبا وكوريا الشمالية، ما هذا إلا الدليل القاطع على قدرة الشعوب، إذا ما اصطفت خلف قيادة سليمة، على أن تتخطى الحصار وتبني قدرات إنتاجية ذاتية ذات شأن. تجربة العراق في إعادة بناء البنية التحتية عقب حرب الخليج الثانية هي بدورها مثال آخر ما زال في الذاكرة لحداثته. أينما بُنِيَت القدرات الإنتاجية بفك ارتباط مع الدورة الاقتصادية الرأسمالية ودورتها المالية، فهي تؤمّن السلع الأساسية للطبقة العاملة وأمنها المعيشي. هذا بدوره مرتبط بتركيبة العلاقات الطبقية الوطنية، فكلّما تموألت الطبقات الحاكمة مالت المنظومة الاجتماعية إلى الارتباط بالمحيط الدولي. كل هذا ليس غريباً عن أدبيات اليسار، لكن المُغيَّب هو التكوين الجديد لماكينة الفرم التي تُسمى رأس المال. فكما ذكرت سابقاً، القتل الصناعي صناعة. هذه العلاقة التجريدية غير المشخصنة القابعة ما وراء الخير والشر، التي لا تبقي على شيء، حتى على فلذات أكبادها والموالين لها من الطبقات الحاكمة في الدول المكشوفة أمنياً، لا تفعل ما تفعل لسبب هو شرّ مطلق يكمن في جوهرها، وإنما تفعل ذلك لأن عملية الإنتاج الاجتماعي، اجتماعية عضوية أولاً، أي أن عملية التراكم الأيضية تتطلب استهلال مداخيل بشرية وبيئية على نحو تصاعدي لتكوين فائض القيمة. وكما ذكرت، فائض القيمة علاقة اجتماعية بينما القيمة المضافة فئة حسابية. القيمة المضافة، أي كم السلع المنتجة، تكثر بالمكننة لكن المكننة تؤسس للربحية من خلال علاقة تاريخية يُختزل فيها العمل الحي بالعمل الميت. وهذا الاختزال ليس صورياً، إنما هو في صلب العلاقة الاجتماعية التي سميناها فائض القيمة. والعلاقة هذه هي الذات بالجوهر، Subject in Substance. الأشياء بذاتها تُفهم بالعلاقات الاجتماعية التي كونتها. تحجيم الأمور وتمديتها يبسّط التفكير لكنه يلغي التاريخ، وبذا يلغي الواقع المُعطى في الظاهرة «Actuality». أسس الربحية تكمن في قدرة رأس المال على تشييء العمل، وهذه قدرة بأولوية سياسية تعني التوحش في تنفيذ قرارات السلعة المصنَّمة والمتبادلة في السوق. الإشارات السلعية المنبثقة من الأسعار الكلية، أسعار الصرف، أسعار الفائدة، أسعار الأجور، كل هذه هي لغة السلعة المُصنّمة، وكلها ليست بمؤنسنة. كلها تُخفض العمل الضروري أو حصة الشعب من الناتج القومي كي يعيد إنتاج نفسه بأوضاع أسوأ مما سبق.
      الحصار والخنق والحرب هي كذلك من إشارات وتعليمات السلعة المصنَّمة، كما أنها ممارسات إنتاجية تخضع لقانون القيمة وفائض القيمة التاريخي. تخيَّل هنا إنتاجية عكسية أو سلبية لها سوقها وتدرّ الربحية بصناعة التبديد، لكن في الواقع علاقة القيمة هي أولياً علاقة تبديد. دورة رأس المال هي اقتصادية في ظاهرها فقط، أما في مضمونها فهي اجتماعية، وهي منوطة بقدرة رأس المال الدورية على إلغاء الذات بالعمل (De–Subjectification). وفي ظلّ أزمات فائض الإنتاج الدائمة يعني إلغاء الموارد الإضافية حرفياً حذف الإنسان في متوسط عمر متوقع أقل.
      الحرب والحصار والخنق هي هذه العلاقة نظرياً. أما سياسياً، فالحلول مستبانة من التجارب وناضجة في الظروف. تمثل كوبا وكوريا الشمالية أنموذجين للتكيف مع الحصارات، بما في ذلك سياسات الاكتفاء الذاتي والانفصال عن دورة الدولار. الأزمة الأيديولوجية لن تطول، ليس فقط لمصلحة العمل باستبطان الوعي الثوري بل كذلك لمصلحة رأس المال؛ لكن عن غير قصد، وذلك بزرعه البذور لإنتاج وعي ثوري من خلال تلقائيته وتحكم السلعة فيه. ترتكز دورة رأس المال على دورة إلغاء الذات في العمل، وهذه الدورة تقتضي إعادة بناء الفكر الثوري كي يُهدم. إلغاء الذات في العمل هو المُفعل لدورة إنتاج فائض القيمة.

      ماذا سيحصل إذا ما حلّت الأزمة الاقتصادية المنتظرة وذهبت الفقاعات؟ إلى أيّ سوق مالية ستلجأ رؤوس الأموال، فهل ستكون أميركا المرجع الآمن مرة أخرى؟


      لقد حالفنا الحظ نحن العالمثالثيين بأن شراهة رأس المال أتت على العالم في خضرته ويباسه، وبات من المحالة استمرار الحياة البيئية والاجتماعية من دون دحر قانون القيمة والقيمة وفائضها التاريخي الذي يعيد إنتاج علاقة رأس المال ليعيد إنتاج التدهور. لمدة خمسة قرون، كانت أوروبا البنية الممثلة لرأس المال والمسلحة بفائض القيمة التاريخي، بما في ذلك تراكمها العلمي والأيديولوجي في آن، الذي أودى بالبيئة والبشر. منذ القرن السادس عشر، أتت أوروبا على حياة ما يقارب المليار نسمة. خلال خمسمائة سنة، اقتات رأس مالها على تبديد البيئة كي يبدد الإنسان في دورة إنتاجية يُرمز لها بربحية مُسعَّرة يحددها الإنسان الاجتماعي الذي يعيش في عالم رمزي. أي أن البيئة تُدمَّر لتدمير الإنسان. إلى أن أتت أوروبا على البيئة وبدأ الرجل الأبيض يقتات من نفسه بتلويثه هوائه. هذه النقطة الوجودية التي نعيشها اليوم هي العامل المؤثر في قلب الأيديولوجيا الغربية. لم يعد في إمكان أوروبا أن تبعث السم والتلوث للعالم الثالث من دون أن تتأذى هي. وبالرغم من قدرة أوروبا على نقل ثِقل الأعباء الإنتاجية إلى العالم الثالث وأن يكون تضرُّرها أقل من تضرُّر العالم الثالث، فهي اليوم تدرك أن الإخلال بالتوازن البيئي يعني أزمة وجودية.
      التلوث البيئي لا يعترف بالحدود الجغرافية السياسية، والنضال ضد رأس المال يجب ألّا يعترف بهذه الحدود أيضاً. آلية الهوية في الصراع الطبقي تتطابق مع التصدي للدمار البيئي والاجتماعي بمدى تصديها للإمبريالية؛ فالإمبريالية تهتك البيئة لتهتك الإنسان. هويات مشبوهة في العالم الثالث تنظر إلى القومية كغاية في ذاتها وتحتمي بأميركا، هي عدو طبقي كما الإمبريالية.
      إضافة إلى الأزمة الوجودية، العامل الآخر غير الوجودي المؤثر في التحول الأيديولوجي المُرتقب، هو الصين. الصين شكلت الردع بفعل زخمها وعظمتها، فحتى لو لم تشِع الصين شيئاً عن نموذجها، فهي فقط لأنها كبرت، أصبحت اليوم دعامة رئيسية في العلاقات الدولية، فهي التي كسرت الحصار عن روسيا أولاً ثم عن فنزويلا وإيران.
      مع هذا من دون الحرب النظرية تخسر الطبقة العاملة الحرب. حرب الفكر المعادي للمنظومة الرأسمالية هي حجر الأساس في الحرب الطبقية. من دون إعادة التاريخ إلى العلوم الاجتماعية وسلخ التشييء والتصنيم لا تُنفَضُ الغيبوية. كلما رُكِّز على فاعلية الآلة خارج تاريخ الآلة الاجتماعي انتصرت النيوليبرالية. الآلات ليست بفاعل تاريخي، وكلما قامت الأنجزة الليبرالية بالتحكم في انتفاضات الشعوب ووضعت نصب عينيها تقليد ديمقراطية غريبة تستلب إرادة الشعوب لتقتات على حيواتها، هُزمت الانتفاضات. ما هي هذه الديمقراطية الغربية التي يصوت بها أناس مشيّؤون لأناسٍ مشيّئين كي يقصفوا شعوباً عُزّل؟ كيف للصين التي ترفع مستوى المعيشة 3 أضعاف في عقد ألا تكون «ديمقراطية»، ولا تحترم حقوق الإنسان، بينما الرجل الأبيض ينتخب بديمقراطية ليقتل في عالم يعاني فائض الإنتاج؛ أيهما ديمقراطي أكثر؟ الديمقراطية ليست إلا شكلاً من أشكال استعمال القوة، والقوة هذه هي تلك المتعلقة بالصراع الطبقي.
      كانت فلسطين ولا تزال تعاني نكبة وتخوض حرب وجود، صار العالم كله يعاني نكبة ويخوض حرفياً حرب وجود. العلاقة الاجتماعية نفسها التي كونت الفاعل التاريخي لنكبتنا هي التي كونت نكبة الكون برؤوس متعددة، بما في ذلك رؤوس الرجعية العربية. العلاقة الاجتماعية هذه هي رأس المال؛ وكأي علاقة اجتماعية هي تاريخية، غير مشخصنة، موضوعية، تمتثل لموازين قوى، وتُمثل الثقل الأيديولوجي المتوارث لإعادة إنتاج موازين القوى. وليست مصادفة أن الموألة وشركات الموألة تحظى اليوم بأكثر من نصف مستوى الأرباح الدولية، وتتنكرُ لكل ما هو له علاقة بعمليات إنتاجية تُرسمل الطبقة العاملة. الموأله درجة أعلى من دورة الريع، وربحيتها تُحَفِّز سرعة ترداد التداول (Speeds Up the Frequency of Exchange) لتختصر المكان بالزمان. اجتنابها للإنتاج هو كذلك عامل في الحصارات التي تقزم الإنتاج في المحيط، فالحصار يحاصر القدرات الإنتاجية التي تفرضها أزمة فائض الإنتاج كما سبق الذكر.
      السببية التاريخية واضحة، لكن زمنها اجتماعي. الزمن الاجتماعي أو المجرد، هو الزمن الذي يُكثَّف به العمل الاجتماعي الضروري. التحكم في الزمن أهم من التحكم في المكان، لأنه نتاج الصراع الأيديولوجي بأولوية.
      حربا تحرير الزمن والمكان متوازيتان، لكن حرب تحرير الزمن هي حرب تحرير الإنسان من المفاهيم السائدة، فهي حرب على الأنا الغربية المنتفخة التي تجرّد الإنسان من بيئته. وبهذا، أي بانتصار الحرب على التحكم في الزمن، يعود الإنسان إلى مجتمعه، وتُدحض التمدية التي كُوِّنَت كفكرة ثم أخذت شكلاً بشرياً بقوة رأس المال.
      ولفك الحصارات لنا في فلسطين عدة دروس. للعالم اليوم أن يتعلم من تجربة فلسطين في الإخفاق والنجاح، كما قالها جورج حبش، وأن ينطلقوا بوعي ثوري وأن يحاصروا حصارهم، كما أتى بها محمود درويش. كانت حرب الوجود عربية. صارت حرب الوجود كونية تتطلب إعادة ترسيخ أسس حرب الشعب التي لا تعني أولاً بالسلاح الحربي إنما بالسلاح الأيديولوجي. لدينا من قرائن الأزمة قرائن ما بعد الحدث، أي الأدلة المعطاة في الظاهرة. لذا بما أن الفاعل التاريخي المُكون لفائض القيمة التاريخي هو أيديولوجي الأرضية، وبما أن الأيديولوجيا هي المُفعِّل للعلوم، فإن كل المفاهيم التي بنت الظاهرة مغلوطة بحجم الأزمة الوجودية. الحرب الطبقية حرب فك الحصار هي حرب ضد المفاهيم السائدة ومناهج التفكير السائدة، بما في ذلك المعارضة الزائفة التي يبنيها رأس المال ليسقطها، فلا يزال السلاح منذ لين بياو هو الوعي الثوري.
      في هذا المفترق التاريخي مع الأزمة الوجودية، وصعود الصين، تصبح الهجمة على زيف الأيديولوجيا الغربية هي المدخل إلى تكوين وعي ثوري يحاصر الحصار. لو لم تكن أفكار الغرب خاطئة لأنها مُفرزة أيديولوجياً لخدمة رأس المال، لما آلت الكرة الأرضية إلى هذه الأزمة.
      في العودة إلى سؤالنا الأولي، من المُحاصَر؟ عادة ما يكون المُحاصَر منغلقاً على نفسه يرفع رسومه الجمركية يتلاعب بسعر عملته ويفعّل استثماراته الوطنية ليذود عن نفسه. ها هي أميركا اليوم تُفِعّل هذه الإجراءات. قانون الصين الاستثماري الجديد (دخل قيد التنفيذ في كانون الثاني/يناير 2020) إجراء استباقي يحضر للتحول إلى سوق مالية مستقلة عن الدولار، أي كي لا تهرع رؤوس الأموال إلى السوق الأميركية بكثافة في حال الأزمة الدولية المرتقبة. تاريخياً كانت نزعة الدولار إلى الانخفاض ترمز إلى معدلات انخفاض الثراء الكوني بمدى هبوط الدولار. كلما هبط الدولار يستملك حاملو الدولار بأقل من ذي قبل. هذه النزعة لها أسسها السياسية والاقتصادية، انحسار أميركا واضمحلال مضارباتها الصناعية، وها هما يتبلوران اليوم.
      الحصارات لا تنفع لولا ميل الطبقات العاملة في الدول الرأسمالية إلى الفاشية، تلك التي كانت تصوت لأوباما كي يقصف ويبكي على ضحاياه، تصوت اليوم للذي يشمت بضحايا الجوع والحصار. هذه الطبقة «الشيء» هي الهم الأعظم والهول الأكبر الذي لا يُهزم إلا بإخلال موازين القوى كمثيلاتها في الكيان الصهيوني وجنوب أفريقيا البيضاء. حرب فك الحصار ترابطت مع حرب الوجود الكونية والانتصار فيها متعلق بتفعيل سبل النضال الكونية كذلك.

      المصادر:
      [1] انظر نقاش دايفيد هارفي مع جون سميث على موقع Review of African Political Economy
      [2] انظر: Prabhat Patnaik, The Value of Money (New Delhi: Tulika Books; New York: Columbia University Press 2008).
      يناقش باتنايك بهذا الكتاب انعدام الثوابت لنظرية النقد القانوني. ويتوصل إلى نتيجة فحواها أن النقد لم يتخلَّ أبداً عن أسسه وضماناته السلعية.
      [3] الاضطهاد فئة اجتماعية تشكل الحالة الأولية لعملية التراكم المبنية على الاستغلال، الاستغلال هو الفئة الاقتصادية، التي تعني معدلات فائض العمل من رأس المال الاجتماعي الإجمالي.
      [4] Mark Carney, «The Growing Challenges for Monetary Policy in the Current International Monetary and Financial System,» (Speech by Governor of the bank of England at Jackson Hole Symposium 23 August 2019).
      [5] انظر: المصدر نفسه.
      [6] الحيز الذي نذكره هنا في قانون القيمة هو التهذيب الاجتماعي غالباً بالعنف الذي يكثف العمل الضروري لإملاءات الزمن الاجتماعي.
      [7] في العلاقة الجدلية المُحدّد هو النوع الاجتماعي المنوط بقوانين اجتماعية - والهدر مؤسِّس لعلاقة رأس المال.


      *باحث في جامعة سنغافورة الوطنية، أعدّ المادة ونُشرت في مجلة المستقبل العربي
      (مركز دراسات الوحدة العربية) عدد شباط 2020.