النهضة الزائفة وتجليها العراقي الاسوأ/3

أسبوعين يوم واحد ago

عبد الأمير الركابي

بالمقارنة ومع الاختلاف الجوهري بين المسارت المصرية الجزيرية، وتلك العراقية وجوهرها الراهني، بدى التجلي العراقي للنهضة الزائفة، الاسواء بالقياس لاشتراطاته التاريخية المجتمعية من عدة مناحي أساسية،فالعراق هو بؤرة تحولية عالمية، ليست مضاهية للغرب وحسب، او يمكن ان تكون تابعة له ولنهضته الحديثة وحسب، بل متجاوزة لها، والعراق موضوع في المكان الانقلابي الذي تتضمنه اللحظة الأخيرة من زمن الأحادية، أي الفصل الأخير من التفارقية الرباعية، مايجعل من امثلة حضور التعبيرات المنتمية للغرب اقرب الى الخيانة على المستويين الذاتي الوطني بنيويا، عداالعالمي وضروراته الأكثر حيوية، وهو مالا مماثل له في مصر او ساحل الشام، ولا في الجزيرة العربية.
ومايطلق عليه اسم "النهضة الحديثة" هو اتجاه يكرس النموذجيه الغربية بغض النظر عن تدرجات او الاشكال المختلفة تفصليا وجزئيا لمثل الالتحاق المذكور، بما في ذلك ادعاء توخي الظروف الخاصة، او اقتراح قوموية اواسلاموية متماشية مع متطلبات العصر، فالجوهر المعتمد هنا هو "اللحاق بالغرب" بناء لاليات الحاضر الأوربي السائدة عالميا، ومثل هذا التصور او الاقتراح يمكن ان يجد له بعض التبريرات المحلية في مصر، والتوهمية المغالية في ساحل الشام، او أي من الكيانات العادية المحاذية للشرق متوسطيه، والماخوذة باثر دينامياتها، الامر الذي يتحول حين نصل الى الحالة الرافدينية الى تبن للاخر وبنيته، والعمل على توطينه بالضد من، وعلى حساب، لابل وبنية سحق البنية الذاتية، عن طريق اختلاق اواختراع وطنية ذهنية مركبة فوق البنية الاصليه ومن خارجها، بحبث تصير الحزبية وايديلوجيتهاهي مصدر الوطنية واساس ومنطلق صياغتها.
ومع العشرينات وفي الثلاثينات من القرن الماضي، عرف بعض افراد ذهبوا الى التاسيس لنفي التكوين والبنية الخاصة الوطنية لصالح بنية انكروا بجهالة، كونها خاصة وتنتمي لمجتمعات وتاريخ بعينه، له بنبته وسياقات سرديته وتاريخه، فمن اهم موضوعات تبني بنية الاخر القول الصارم بعدم جواز الحديث عن "الخصوصيات" التاريخية والمجتمعية، ولا يعتقد هؤلاء اطلاقا بان مايقولون به يعنى تكريس خصوصية بعينها، هي الاوربية الانشطارية الطبقية، والذهاب لاعتمادها القاطع كقدر عالمي مقدر على الكوكب الأرضي،ناف لما قبله اومايحتمل ان يكون مختلفا عنه على مستوى الاليات والسياقات، الامر الذي وكما سبق ونوهنا، بالإمكان تصوره، او التساهل مبدئيا مع تجلياته خارج ارض الرافدين، أي العراق الراهن كما صار اسمه ككيان، حيث الانشطارية المجتمعية هنا لا الطبقية هي محرك التاريخ، وحيث الفاعل والناظم هو قانون التحولية المجتمعية، واللاثباتية، وقانون الدورات والانقطاعات، بمقابل مايعرف بقانون المراحل التاريخية الطبقي الأوربي.
وسواء عدنا لفهد ( يوسف سلمان يوسف) الشيوعي، او كامل الجادرجي الليبرالي الشعبوي، او تيار حزب الاستقلال ممثل الطبعة القومية العروبية العراقي، فاننا سنتعرف على تيار وجمع من الأشخاص دابوا على فبركة صورة وطنية مرتكزها نفي الواقع والهرب من مواجهته لصالح وصفة جاهزة امنت أسباب الهروب من مواجهة اشكالات الوطنية وصعوبات عملية الخوض فيها، مع ماتقتضيه من ممكنات ادراكية لم تكن متاحة، فذهبوا الى استدعاء الاحتدام المتصاعد على مستوى الصراعية المجتمعية مع الحضور الغربي ومشروعه لينفوا محركاته الفعلية لصالح افتراضات منقولة، ولم يكن الامر هنا شبيها على سبيل المثال وبالمقارنة، بحالة مصر، الامر الذي يميل الحزبويون الايديلوجيون ( بالذات زكي خيري )بالاخص اليساريين منهم للتعرض له ملاحظين "قدرة البرجوازية المصرية على إقامة حزبها الوطني الكبير" ممثلا ب "الوفد المصري" او الهندية وتمكنها من إقامة "حزب المؤتمر الهندي"، بينما كان حزب جغفر أبو التمن "الحزب الوطني العراقي " 1922/1937قد نكص دون تلك المهمة نكوصا كليا، بحيث صارت الظاهرة الحزبية الايديلوجية الماركسية والقومية، والليبرالية الشعبوية، من قبيل التعبير عن حاجة تاريخيه متعذرة، ونوع من بدل غير مطابق عن ضائع لم تكن بنية وطاقات النخبه التي كانت موجودة في حينه قادرة، او مؤهلة لادائه، او حتى اتخاذ موقف الإصرار على العثور عليه بغض النظر عن احكام الاستحالة الزمنية.
ولن يكتمل هذا المشهد المختل من دون الاحاطه بمجمل لوحة الفبركة الكيانية التي اصابت العراق مع العقد الثاني من القرن العشرين، واسفرت كاطار عام عن حالة مما يمكن ان نطلق عليه تسميه "الوطنية الكيانية المفبركة" من اعلى، و "الوطنية الحزبية الايديلوجية من اسفل"، وهذا الانشطار يتوافق ويتناظر مع واقع تاريخي وبنيوي عراقي، اصله ماثل في الازدواجية البنيوية التكوينية التي تميز هذا الموضع من الظواهر المجتمعيىة على مستوى المعمورة، ذلك مع الأخذ بالاعتبار ماقد اضفاه الظرف واللحظة التاريخية عالميا على واقع الازدواج التاريخي من متغيرات واشتراطات مستجده، لم تعرفهما الدورتان التاريخيتان الرافدينيتان السالفتان، الأولى السومرية البابلية الابراهيمية، والثانية العباسية القرمطية الانتظارية، واللتان نشاتا وتشكلتا انطلاقا من محركات وعوامل ذاتية واقليميه، عراقية بحته بالنسبة للاولى، وباسهام من الجزيرة العربيه التي حررت الاليات التاريخية من وطاة الاحتلال الفارسي، وأسباب ذاتية تظافرت لتفضي الى الانقطاع التاريخي الأول الأطول، والذي استمر من سقوط بابل في القرن السادس قبل الميلاد، الى القرن السابع مع الفتح الجزيري.
ذلك بينما صادف الطور او دورة التشكل والصعودالثالثة الراهنة، حدثا عالميا نوعيا، تمثل بالانتقال الى الإنتاج الالي، مترافقا مع الثورة البرجوازيه في اوربا، ماقد خلق ولأول مرة نوعا من اقتصاد عالمي جدد،مع هيمنة نمط ونموذج تفكري القى بوطاته على السيرورة الرافدينيه المستمرة ابتداء من القرنين السادس والسابع عشر، مع تراجع مفعول واليات الانقطاع الثاني، وعودة مظاهر التشكل الوطني الحديث ممثلة بالاتحادات القبيلة، واولها واهمها واكثرها تمثيلا للخاصيات التاريخية، "اتحاد قبائل المنتفك" في ارض سومر التاريخيه تكرارا، ومرور عملية التشكل بحقبتين، الأولى "قبلية" استمرت حتى القرن الثامن عشر، والثانية "انتظارية" دينية، حلت محلها واستمرت غالبة حتى القرن العشرين وطلائعه مع حضور الغرب، ولأول مرة في التاريخ الرافديني من نقطة الأمان التاريخي، من الجنوب لجهة البحر التي ظلت الوحيدة التي لم يسبق ان اخترقت، او عرفت وطاة السيول السلالية المتدفقه باتجاه ارض السواد، المصب الخصب للاقوام، من الجهات الثلاث حيث الجبال والصحارى الجرداء.
كان الطور الذي يشتمل على الحقبتين، القبلية والانتظارية الدينية التجديديه، قد اتخذ شكل صعود وتحقق مضاد للمتبقيات الشاخصة من الدورة الثانية التاريخية المنتهية عام 1258 مع سقوط بغداد عاصمة الدورة الازدواجية الإمبراطورية، ظبعها شكل استئناف مفتقر لاسباب الغلبة النهائية، وهو ماكان يتمثل في الصراع المماليكي المنتفكي، مع صراع المنتفك مع الصفوية جنوبا، الامر الذي لم يكن ليصل حدود، او نقطة الحسم التي كانت تطرح تساولات ابعد من تلك المتاحة او المتوفرة بناء على ماهو ممكن حتى حينه من أسباب انقلابية تاريخية نوعيه، لم يكن الواقع ولا البنية الرافيدينية مؤهلة للاضطلاع بها، الامر الذي تحقق وقتها في الطرف المقابل من المتوسط على يد اوربا وثورتها الحديثة وانتقالها بالعالم الى الإنتاج الالي، وجعل من اختفاء اخر مظاهر الدورة الحضارية الثانية، ومتبقياتها ممثلة بالسلطنه العثمانية، من اختصاص وفعل الصعود الغربي الحديث، الذي افضى من ضمن ماحققه على هذا الصعيد الى تحرير الاليات الرافدينية العراقية من وطاة ومسؤولية الاجهاز على او إزاحة وطاة متبقيات الدورة المنقضية ومخلفاتها.
بالمقابل وبنفس الوقت تضمن حضور الغرب ومشروعه ، تهديدا تمثل بمحاولة حرف مسار التشكل التاريخي الرافديني الحديث، بمحاولة قطع مساره، واحلال منظور ونموج الحداثة الغالب على مستويي الأفكار والكيانية والدولة، ومنذ 1921 اقام الإنكليز دولة للعراق من خارج النصاب المجتمعي، دولة تحتكم للكيانيه المفترضة، وليس الى الاليات ومسارات التشكل الوطني. وعند هذا الامتحان يقع الغرب تحت وطاة حالة استثناء تجبره على تغيير ذاته، واعتماد مفاهيم وتطبيفات تبطل جوهر ه، ونوع مشروعه، فالانكليز ذهبوا الى فبركة "اقطاع" في مجتمع لايعرف علاقات الإنتاج التمايزية، وظل على مر التاريخ مساواتيا ومشاعيا، ومع قانون التسوية لعام 1932 عمد الغرب الى ان يكون اقطاعيا، بينما هو واقعا وادعاء مابعد اقطاعي، والحداثة في الغرب تعني مغادرة المرحلة الاقطاعية والثورة عليها، ويعود السبب في اغتماد الإنكليز هذا الخيار، الى ثورة العشرين التي وان لم تتمكن من هزيمتهم عسكريا، لدرجه طردهم، الا انها هزمتهم على مستوى الخيار النموذجي، بان اضطرتهم الى خيانه ذاتهم كثمن لبقائهم في العراق، بشرط القضاء على البنية التاريخية للمجتمع الجنوبي، مجتمع اللادولة التاريخي، وليس هذا كل ماقد خسره الغرب بمناسبة حضوره الى ارض مابين النهرين، ذلك لانه بالأحرى قد اضطر أيضا الى ارتكاب مخالفة جوهرية واساسية أخرى تخرجه واخرجته فعليا من ذاته وطبيعة ودلالة لحظته التاريخيه.
فالدولة التي اتجهوا لاقامتها في حينه، وبالشكل والصيغة التي اقاموها على أساسها، كانت بحد ذاتها نفيا لاهم ولجوهر النموذج الغربي الحديث في الدولة، أي ( الدولة/ الامة) التي شرطها اكتمال التشكل الوطني التاريخي وليس افتعاله وفبركته.
ـ يتبع ـ