الصَّابئة المندائيون في العراق

3 أسابيع يوم واحد ago

نبيل عبد الأمير الربيعي

لقد اختلف الكثير من العلماء والمستشرقين والباحثين في نسبهم وعقائدهم وعوائدهم الاجتماعية وخاصة الأمة المندائية، وبسبب سريّة معتقداتهم وعدم إدراك حقائقهم، والوقوف على أصول أوامرهم ونواهيهم، المرء لا يعرف فضل دينه إلا وأن يعلم شرائع الأمم السَّائرة، والفضيلة للعلماء، والمقام الأسمى لديانتهم الموحدة، الذي فيه علينا من حرج وصعوبة كما شهدت به هذه الأمة وغيرها بكماله وفضيلته علينا.

الصابئة المندائيون أقدم الجماعات التي عاشت في بلاد الرافدين، فهم قوم ساميون، وقد اختلف الباحثون والدارسون في زمن ظهور العقيدة المندائية كما اختلفوا في الموطن الأصلي للمندائيين، وبلادهم وموطنهم الأصلي بلاد الرافدين، والدليل هو بعض المخلفات السومرية التي ما زالت في هذه العقيدة وطريقة كتابة الأدب المندائي التي تتشابه مع صيغة كتابة الأدب البابلي وبخاصة في لغة التلمود، ناهيك عن اللغة ومفرداتها التي ما زالت شائعة في الجنوب العراقي خاصة، وإنهم يحفظون شريعة آدم عليه السلام الذي يعدونه أول أنبيائهم، ويعظمون شيت وسام في نصوص كتبهم الدينية، ويعدونهم معلميهم وأنبيائهم حتى زمن النبي يحيى بن زكريا عليه السلام، الذي يعدونه هو الآخر نبي لهم ومعلمهم الذي أعاد بعث ديانتهم القديمة، وأجرى رسم التعميد وهو السُّنة التي جرَت لآدم عليه السلام وهم عليها دائبون.

وديانتهم من أقدم الديانات الروحية في العالم، وهم أحد الأدلة الحيّة على حضارة بلاد الرافدين، لكن لم يتبق منهم سوى بضعة آلاف بعد أن عاشوا على أرض العراق عشرات القرون. وقد اطلق عليهم أهم التسميات في بلاد الرافدين منها: المندائيون. من مندا أي العارفون بوجود الحيّ العظيم أي الموحدون. والناصورائيون. وهي تسمية قديمة جداً، وتعني المتبحرين أو العارفين بأسرار الحياة أو المراقبين. والصابئة. ومن «صبا» أي المصطبغون (المتعمدون) باسم الرب العظيم. والمغتسلة. من غسل أي تطهر ونظف وأطلقها المؤرخون العرب، وذلك لكثرة اغتسالهم بالماء. واطلق عليهم تسمية «شلماني» من شلم أي سلم، وهي تسمية آرامية مندائية تعني المسالم. وأطلق عليهم «أبني أنهورا». أي أبناء النور وهي تسمية أطلقت عليهم من كتبهم الدينية. وأطلق عليهم «اخشيطي» من كشطا أي أصحاب الحق أو أبناء العهد، أيضاً أطلقت عليهم في كتبهم الدينية.

وما زلنا نؤمن أن الديانة المندائية ولدت في بلاد الرافدين، وإن شعبها الناصورائي هو أحد شعوب العراق القديم مثله مثل السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين، لكن هذا الشعب لم يكوَّن له دولة أو كياناً سياسياً ذات شأن لعزوفه عن مغريات السلطة والسياسة والجاه، ولا شك أنه حمل تراثاً روحياً عظيماص شفاهياً في تلك العصور، لكن تدوين هذا التراث حصل مع سيادة اللغة الآرامية في العالم القديم، وبذلك تمّ تدوينه بلهجة آرامية هي المندائية، وهنا تغير اسم هذا الشعب من الناصورائيين إلى المندائيين.

إنّ دراسة دين الصابئة المندائيين مهمة جداً للبحث في العقائد الدينية الأخرى، فهي مهمة من حيث المكان والزمان والموضوع لأنها قديمة العلاقة بكل مكان تتعلق به سيرة الأديان الأخرى وبخاصة سيرة الخليل عليه السلام، ثمَّ لأنّ لغتها المقدسة تشير إلى زمان متوسط بين اللغات القديمة المهجورة واللغة الآرامية الحديثة، كما أنها ترينا ملتقى التوحيد القديم والوثنية القديمة، وقد نجد فيها الاصطدام بين هاتين العقيدتين فهي ليست ديانة وثنية ولا إيمان لها بالكواكب من جهة، ثمَّ لا خلاص مطلقاً فيها من بقايا الوثنية القديمة وتعظيم الكواكب.

دراسة نحلة الصابئين وهي نحلة من نِحل الديانات الرافدينية الأصيلة والقديمة مهمة في دراسة الأديان على العموم، فالمندائيون طائفة عراقية قبل أن تكون أي شيء آخر، بل أنها كما تشير طقوسها صلة الحاضر بالماضي البابلي والأكدي والنبطي في العراق.

إن الصابئة المندائيون في العراق اليوم هم بقايا طائفة دينية عاشت في هذه البقعة من العالم منذُ آلاف السنين، وهي الآن في طريقها إلى التطور الديني بسبب التحضر والتمدن فلا بد أن يبعدها كثيراً عن طقوسها وشعائرها الأولى، بسبب سكن المندائيين الحواضر وابتعدوا عن شواطئ الأنهار وتفرقوا في المدن طلباً للرزق وهاجروا البلاد بسبب الأحتراب الطائفي الذي مر به العراق ما بعد عام الاحتلال الأميركي 2003م، فضلاً عن دخول أبنائهم الوظائف الحكومية وترك مهنهم التي كان آباؤهم يجيدونها، وقد ابتعدوا كثيراً عن الصابئين الذين كانوا يمارسون شعائرهم بصورة بدائية كما كان يمارسها الأسلاف، فاستعاضوا في كثير من شعائرهم بالماء المعقم بدلاً من ماء النهر الجاري، وحلقوا شعور رؤوسهم وذقونهم، واتخذوا الزي العصري لباساً لهم كسائر الأقوام من حولهم تمشياً مع ظروف العصر، وامتزجوا مع المجتمع العراقي امتزاجاً كاملاً لم يعودوا يميزون فيه عمن حولهم بأي شيء.

كما أن نصوصهم الدينية التي ما زال المندائيون يحتفظون بها تبرز التوحيد واضحاً في عقيدتهم، وتركز على الخلق والخالق وصراعات كينونة العوالم والعالم الآخر النوراني وحتمية العودة إليه، وتميزت طقوسهم الدينية وشعائرها التي ارتبطت بالماء والتعميد به يشكل طهارة للنفس والبدن، وكانت بداية التعميد للملاك «هيبل زيوا» وتعميد آدم وشيت وسام عليهم السلام. ولذلك تجد قربهم من الأنهار ومواقع وفرَّة المياه التي لم يبتعدوا عنها لأي سبب كي لا يتوقف عندهم الطقس الديني.

يشير كتابهم المقدس «الكنزا ربّا» إلى أن المعرفة قد كشفت لآدم من الله الحي الأزلي، وهو الذي سجدت له الملائكة، بل كشفت له المعرفة وعُلَّم الأسماء، كما أن الطوفان لم يبق من البشرية إلا نوحاً وأولاده الثلاثة الذين تشكلت منهم دورة حياة جديدة، هم «سام وحام ويافت»، ومن هؤلاء الثلاثة جاءت القبائل والشعوب وجاءت لغاتها.

كما أن لغتهم المندائية يصنفها اللغويون بأنها واحدة من عائلة اللغة السامية، ويعدونها الفرع النقي للغة الآرامية الشرقية في بلاد الرافدين، التي اشتملت على الآرامية الشمالية لغة الآشوريين والآرامية الجنوبيى لغة البابليين. وإن وجود المندائيين سابق لظهور اللغة المندائية، وقد أكدت الحفريات التي تمت قرب مدينة الرِقَة في أعالي نهر الفرات وكذلك في جنوب العراق في أطلال تلّو تم العثور على عملات نقدية تحتوي كتابات تبين أنها قد كتبت بأبجدية اللغة المندائية، ومن خلال اسماء وصور الملوك الظاهرة في هذه النقود ومقابلتها مع مصادر المعلومات الرومانية واليونانية المتوافرة تبين أن تاريخ أقدم النقود التي تم العثور عليها لحد الآن إلى حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، أي عام 165 ق.م كما ذكر ذلك الراحل عزيز سباهي في كتابه «أصول الصابئة ومعتقداتهم الدينية».

أول بحث اهتم بديانة الصَّابئة صدر بالسويد عام 1691م، وأول كتاب ينشر بالعربية عن الدِّين المندائي هو «مندائي أو الصَّابئة الأقدمين» لعبد الحميد بن بكر أفندي عبادة (ت 1930)، «طبعة الكتاب الأولى: بغداد، مطبعة الفرات 1927»، كان الكتاب ملخص حوار أجراه عبد الحميد عبادة عام 1925 مع رئيس الصَّابئة المندائية «الشَّيخ كنزبرا دِخَيَّل بن عبدان» بالناصرية جنوب العراق يوم كان موظفاً هناك، ويذكر د. رشيد الخيون قال : «ولعلَّ عبادة أخذ نصوصاً كاملة من بحث (الصَّابئة عقائدهم وتقاليدهم) للباحث الدَّمشقي نقولا سيوفي (ت1901) وكان زار بغداد العام 1873، والتقى بأحد أولاد شيوخ الصَّابئة واسمه آدم، وصنف كتابه بالفرنسية العام 1880، واطلعنا على ترجمة لمواده بالعربية في مجلة (البيان) (1897)، ومِن مقالات الكرملي، دون الإشارة إليهما. غاب كتاب عبد الحميد أفندي عبادة بعد صدور كتاب عبد الرَّزاق الحَسني (الصَّابئون في حاضرهم وماضيهم)، الذي صدرت منه الطَّبعة الأولى (1931) والعاشرة (1980). لم يًعَد (كتاب مندائي) بعد وفاة مؤلفه (1930) أي بعد صدوره بثلاثة أعوام، والمفاجئ في الأمر أن الحسني. بعد الاستفادة من فكرة الكتاب، وموضوعه للكتابة والتأليف في الملل والنحل، اختطف الكثير من مقالة نقولا سيوفي ونصوص كتاب عبادة دون الإشارة، إلا في مكان لا علاقة لهُ بالنُّصوص الرَّئيسة المقتبسة، ولا يبرر لهُ انتحاله ذِكر الكتاب في ثبت المراجع، وكذلك فعل مع ما كتبه الأب الكرملي في (المشرق) البيروتية، فقد أخذ ما جناه الكرملي من الكتب القديمة مع تعليقاته عليها، فكتب: قال ابن خلدون وقال الآمدي وغيرهما، مع أنه جناها من مقالة الكرملي.. إن استولى الحسني على جهود عبادة والكرملي، فهو ذكرهما في ثبت المصادر، لكن الأكاديمي السوري ورئيس قسم الجغرافية بجامعة حلب محمد التَّنجي سطا على كتاب الحسني (اليزيديون في حاضرهم وماضيهم) ليجعله كاملاً، مع بعض التَّغييرات... ومثلما تعرض كتاب الحسني (اليزيديون...) للسطو، تعرضت كتب الليدي دراوور (الصَّابئة المندائيون) وكورت رودولف (النشوء والخلق في النصوص المندائية)، وغضبان الرومي (الصَّابئة) من قبل العراقي محمد الجزائري في (المندائيون الصَّابئة)»([1]).

هذه المقدمة هي لكتابي المقبل تاريخ الصَّابئة المندائيون في العراق «أصولهم ومعتقداتهم» الذي أوشكت على إنجازة وهو قيد المراجعة اللغوية والطباعية، اتمنى أن يروق للقراء والمهتمين بتاريخ ومعتقدات الصابئة المندائيون في العراق الدينية. الكتاب يتضمن (13) فصلاً ومن القطع الوزير الذي تجاوز (500) صفحة من الحجم الوزيري.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

............................

[1] الخيون. رشيد. الدِّيانة المندائية كع الصَّابئة المندائيين في فقه وتاريخ الإسلام. دار مدارك للنشر والتوزيع. الرياض. ط3. نوفمبر 2015. ص13/14؛ الشرق الأوسط 18 ديسمبر كانون الأول 2001.