عفيفة اسكندر : من المسدس سريع الطلقات إلى إيقونة الغناء العراقي

3 أسابيع ago

عبدالامير الركابي

كان من الممكن ان يكون للعراق ايضا، مطربة تحمل لقب او اسم "الصغيرة "، ولو حدث ذلك لعرفنا على نطاق اوسع ربما، اسم "عفيفة الصغيرة "، بدل "عفيفة اسكندر" بلبل الغناء العراقي، فالمقارنات تعطي المقارنين قدرا متساويا تقريبا من الشهرة، اذا كانا حاضرين بقوة في مجال واحد. وعفيفة غنت ايضا وهي في عمر الخامسة، واقامت اولى حفلاتها في ملهى في اربيل شمال العراق وهي في الثامنة من عمرها، لكن الجمهور وقتها لم يتبادر له ان يسمي المطربة المعجزة ب "عفيفة الصغيرة "، انما اطلقوا عليها اسم " المسدس الرشاش / جابر كلي " لانها كانت سريعة النطق، وهذه الخاصية اكسبتها اسم شهرتها الاول، فضلت تعرف به لاربع سنوات، الى ان تزوجت من العازف الارمني العراقي القدير "اسكندر اصطيفان"، فاكتسبت من يومها اسمه لتصبح "عفيفة اسكندر" وظلت تعرف به الى اخريوم. تزوجت عفيفة في سن الثانية عشر، من رجل يكبرها كثيرا، فقد كان في الثانية والخمسين، غير انه كان فنانا قديرا، وعازفا مهما، وامها عازفة هي الاخرى، يونانية الاصل اسمها / ماريكا ديمتري / اما الاب فمسيحي عراقي من الموصل، حيث ولدت عفيفة عام 1921 وثمة من يقول انها ولدت في حلب، امها كانت تعزف عدة الات موسيقية، وعملت كمغنية في ملهى الهلال يوم كان اسمها / الماجستيك /، وهي من ملاهي منطقة الميدان في بغداد، التي اقيمت مباشرة بعد الاحتلال الانكليزي عام 1917 وظلت تعمل فيه حتى مفتتح الاربعينات. اعتبرت عفيفة اسكندر في بدايتها مطربة مو نولوج ـ وهو لون من الغناء ابتدعه الفنان الكبير "عزيز علي" وعاد واضع قواعده ومطلقه فاقترح تغيير اسمه من المونولوج الى "المقال" في الستينات ـ . لااحد يمكنه ان يحدد تماما ماهي اغراض عفيفة اسكندر التي عاشت لتحققها، وهل كانت بالفعل تعتبر نفسها مطربة كبيرة او هي كذلك فعلا، وهل كان همها ينصب في الاصل على بناء مجدها الشخصي، او تدبير شؤون حياتها، فلقد كانت توحي دائما وكانها مسيرة بحافز خفي تترك له عنانها، وظلت بعيدة بقدر ماهي قريبة، وقد غنت لعبدالكريم قاسم الذي كان يستهويه صوتها، كما غنت لنوري السعيد الذي كان احد معجبيها، الا انها في نهاية المطاف كانت تسير بين المتناقضات،بيسر،كانها محمية من قدر غامض، في عصر تلح فيه على المستوى الحياتي والواقعي، مهمة الصمود بين المتناقضات،و ظلت تلك على راس مهمات وانشغالات الفنانيين لابل الفنانات حصرا. غيرانها كانت قادرة على ان تجعل بينها وبين السياسة غلالة شفافة واغواء لايقاوم، فلقد كان الملك فيصل يهوى صوتها، ونوري السعيد وغيره من شخصيات النظام الملكي، يرتادون صالونها في بيتها في منطقة المسبح في الكرادة، بينما كان العلامه في التاريخ واللغة مصطفى جواد صاحب "قل ولاتقل "، يضبط لها اغانيها الفصحى التي اجادت ترنيمها، ولم يبارحه الشغف بصوتها وفنها، بينما يحضرالى بيتها فنانون كبارا ممثلون ومطربون وشعراء وسياسيون، فكانت تصبح بهذا مثل الذين يحيون الفن ويعيشونه على عتبة اخرى تذهب نحو تمجيد الفن وحفظ عالمه، وهي لم تكن ابدا قليلة الطموح، فلقد غنت في فرقة بديعة مصابني في القاهرة، وعملت مع فرقة تحية كاريوكا، ومثلت مع محمد عبدالوهاب وفاتن حمامه في فيلم " يوم سعيد"، الا ان دورها في الفيلم ازيل من قبل المخرج محمد كريم، بعد ان اكتشف طول الفيلم وبلوغه اكثر من ساعتين، فازال اغنيتها مع مشاهد اخرى، وفي هذا الفيلم لحن لها عبدالوهاب تلك الاغنية المغيبة، وعادت ومثلت في فيلمين اخرين هما / القاهرة ـ بغداد/ مع مديحة يسري وبشاره واكيم وفيلم/ ليلى في العراق/ من اخراج احمد كامل مرسي، وتعتبر غريدة بغداد حدث ازالة اغنيتها من فيلم / يوم سعيد / نوعا من سوء الطالع، كان يصادفها احيانا فلا تكاد تاسف على شيء كما هي عادتها، مع ان "المسدس الرشاش سريع الطلقات" لم يكن من دون حظ سعيد، ففي مصر تعرفت ايضا على عبدالقادر المازني، وعلى الشاعر المصري ابراهيم ناجي، كي تبدا من حينه علاقتها القوية بالادب. وعفيفة كانت اديبة تتذوق الشعر، وتغني الصافي منه مثل "قصيدة البهاء زهير" / ياعاقد الحاجبين على الجبين اللجيني / ،وهي اكثر من غنى قصائد من اللغة الفصحى في وقتها، ولم تمدح احدا، والغريب ان احدا لم يطلب منها ان تمدحه، لكنها كانت حريصة على الغناء في يوم الجيش في 6كانون الاول من كل عام، فتؤدي قسطها للعلا، ومع ذلك كان عبدالسلام عارف يقول عنها بانها تخبيء الشيوعيين في حديقة بيتها، وهو كعدو لعبدالكريم قاسم، وكرجل محافظ، انتهى كارها لمايحبه ويحبذه صديقة اللدود، وقاسم كان يحب صوت عفيفة بتعفف عرف عنه وميزه طيلة حياته. من بين بنات جيلها امتازت عفيفة بالخروج من نطاق الفن والغناء حصرا نحو دنيا الثقافة والادب، فكانت تستضيف في صالونها الشعراء والسياسيين، ومنهم نوري السعيد وفائق السامرائي احد زعماء حزب الاستقلال، وكان الملك فيصل الاول يطرب لصوتها، كما انها غنت في خطوبة الملك فيصل الثاني اخر الملوك الهاشميين في العراق في اسطنبول، كما فعلت ام كلثوم في زواج فاروق، غير ان مايثير التفكر في مسار ومصير عفيفة، كونها قد رافقت قدرا من سنوات العراق تحكي قصة تاريخ كامل، ومرحلة خطيرة وغنية، مع نهايتها، فمن الغريب ان تكون ولدت مع قيام "الدولة الحديثة" عام 1921، كما من الغريب ان تظل حية حتى يوم امس *، الاثنين، فتظل شاهدة على نهاية تجربة الحداثة العراقية، بعد سقوط الدولة الحديثة وسحقها بععلى يد الاحتلال الامريكي، فلم تغادر عفيفة عام 2003 مع نهاية ذلك التاريخ، بل ظلت حية مريضة معزولة ومهملة، تعاني المرض كانها دخلت مع العراق عصرا ينتهي الى الزوال، بينما تبدا اليوم تململات تقول كلها بان عصر مابعد " العملية السياسية الامريكية" قد ابتدا، فكانها غنت وماتت كي تعيش لاكثر من سبب غير الغناء وغير الحضور الادبي. وفي مكان مثل العراق يتشكل في الاسطورة وتتشكل فيه، لايمكن ابدا للخيال ان يلغي اليوم من تاريخ عفيفة اسكندر، مغزي حياتها التي تروي لنا قصة الحداثة وتوثباتها ونهايتها، وصنوف عزلتها وطردها المرير والماساوي، هذا مايميز عفيفة ويعطي مسارها وعمرها المديد دلالاته، وقد بدات اصلا ك "رشتاش سريع الطلقات"، ينطق قبل اوانه، ويغني في الخامسة، من دون نضج، بالضبط كما هي حالة دولة ظلت صغيرة كما بدات لانها جاءت من عدم. وحتى اصول عفيفة تشي بملامح تلك الحداثة السياسية ممثلة بالدولة ومصادرها، واختلاط لهجتها الموصلية اولا والبغدادية لاحقا/ قامت المطربة الكبيرة سليمة مراد بتعليمها اللهجة البغدادية / ونوع اغنياتها، ومرورها على الانقلابات والتغيرات، وحضورها في قلبها كلازمة شعورية لها وقع مميز، كل هذا يقول لنا بان عفيفة اسكندر لم تعش لكي تعرف ويؤرخ لها كفنانة ومطربة فحسب، بينما هي يمكن ان تعرف بانها المعبر الاسطوري عن قصة حداثة اخرى غير الحداثة السياسية والعصرية عموما، فذلك الدفق النسوي الذي صنع في العصر الحديث ذائقة العراقييين مابين الثلاثينات والسبعينات، وحفظ لنا اسماء مثل، صديقة الملاية، وزكية جورج، والكبيرة سليمة مراد، وزهور حسين، ووحيده خليل، ومنيرة الهوزوز، واحلام وهبي، ومائدة نزهت، كان ينتظر من طرف خفي ما، تمثلا من نوع اخر، ينتسب الى تلك الكوكبة، ويظل حيا وحاضرا، لكي يؤسطرها فتتحول حداثة الغناء النسوي الباهروالموجع، الى قصه اخرى تروى بالتوازي مع حداثة الشعر ومصيره، وحداثة الدولة وانهيارها، وحداثة الاحزاب ونهايتها، وحداثة الثقافة ومازقها القاتل. لااحد يمثل تاريخ ومسارات وتعرجات ومالات الماساة التي خاضتها تجربة الحداثة العراقية وتعرجات حضورها وكارثتها، مثل تاريخ عفيفة اسكندر، فكانت في كل ماتركت وحدة حياة وموسيقا، وصوتا ودلالة نغمية، وحياة مديدة ناطقة، الى ان سجلت بموتها اليوم بدايات ونهايات، واقفلت الراديو على: "جوز منهم لاتعاتبهم بعد جوز .... شلك عدهم ناس ماالهم عهد جوز ".. فبكى العراق، وبكى دجله الخير. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * توفيت في 22 أكتوبر 2012، بعمر 91 عاماً، في مدينة بغداد بعد صراع طويل مع المرض، والمقال منشور بعد ايام من وفاتها في جريدة "السفير" اللبنانية .