العبقرية والاتباعية وثورة تشرين العراقية؟أ/4

3 أسابيع ago

عبدالاميرالركابي
حلت متغلبة على الرؤية العراقية المعتبرة "حديثة" وطاة الاتباعية النقلية، والاستعارية الببغاوية المدرسية، ولم تكن العبقرية اللازمة، الموافقة لطبيعة الازدواج الكياني الرافديني، وقتها ممكنة، او قابلة لان تحضر برغم الحاجة الاستثنائية لها، وقراءة التاريخ المستمر من بداية القرن المنصرم الى اليوم، تكفي دالة على ضخامة الإرث المتولد عن البرانية المصممة من خارج الحياة والوقائع، واشكال تجليها ووجودها المفبرك والمفتعل حين تتحول الى وطن ووطنية بديله، تتشكل كشريحة فوق مجتمعية يصنعها ويرعى حضورها واستمرارها زخم خارجي مباشر وغير مباشر.
وفي حين كانت النحب العراقية العثمانية، او المتلائمه مع الزمن العثماني بلا اساس موحد تصوري، وهامشية، لان طبيعة الوجود العثماني لم تكن تسمح ب، او تتيح للعراقيين أي حضور فعال ماعدا ذلك الذي حصل عليه المماليك باعتبارهم بغداديون، والذي وجد باعتباره حالة انابة وضمان للهيمنة بالواسطه وعبر وكيل محلي، بين الباب العالي او المركز العثماني وبين الموضع المعروف وقتها بالعراق، أي بغداد كعاصمة برانية متبقية من الطور الثاني، والتشكل العراقي الحديث الراهن المبتدء مع القرنين السادس والسابع عشر متمثلا ب "المنتفك"، فالعثمانيون لم يحكموا العراق على عكس الشائع والمتداول، وكل الوقائع تؤكد بان سلطاتهم لم تكن تتعدى المدن وبعض الحواضر والقلاع، في حين ظل عراق السواد مستقلا يخضع فعليا وواقعيا لسلطات عراقية قبلية بداية، او انتظارية دينية، الى ان وصل الامر عند بدايت القرن التاسع عشر لدرجة تمكنت معها المنتفك من تولية الوالي الذي يناسبها، بدخولها بغداد واجلاسها بقوة حرابها، سعيدا حليفها ابن الوالي سليمان باشا الكبير على كرسي الولايه، ماحدا يممثل المماليك الأبرز داوود باشا واخرهم قي السلسله الحاكمة، لان يهرب وقتها لاجئا الى الشمال عند ال بابان، حيث وجه من هناك رسالته الى الباب العالي والتي تقول نصا: بان "سعيدا قد حكم العرب اهل الغشامة والجهل"، قبل ان تتسنى له الفرصة ويعود الى بغداد فاتحا، ليذبح سعيدا ابن خالته في حضن امه. ويقيم مابين 1817/1831 حكما مدعما باعتى جيش في حينه وصل تعدادة مائة الف، مع مايعرف من بدايات صناعة حربيه، وما ينسب لمظاهر تعتبر حداثية/ جعلته من وجهة نظر النهضوية الزائفة وبحسب الاعتباط المشهود مثيلا لمحمد علي المصري.
وقتها يدخل الحضور العثماني التركي ذروة مازق وجوده المرتكز للانابة، يوم أصبحت الإدارة المباشرة ضروره لامهرب منها، فازيح داود باشا اخر المماليك على يد على رضا وحملته التي تعرف بالاحتلال التركي الثالث عام 1831، وهو التاريخ الذي سيعتبره وايرلند الضابط الإنكليزي الملحق بالحملة البريطانية، بداية لتشكل العراق الحديث، بناء على مايراه زمن ولحظة الالتحاق بالسوق الراسمالية، الامر الذي يؤيده ويتبناه كافة الحداثيين الحزبيين، مقتطعين من لوحة العراق التاريخية تاريخ مابزبد على القرنين من التشكل، ومن اشكال التجلي الوطني، لصالح نوع معين ونموذج عن الدولة والوطنية، صار غالبا على مستوى المعمورة، وكما يقتطع باجحاف شطر مهم وطويل من عمر الحداثة العراقية ماقبل الغربية، المنتمية والعائدة للدورة الثالثة الحالية، فان نمط تجليات ذلك القسم من التاريخ العراقي الحديث، يتم محوها وتشويهها كليا، لابسبب رغبه الغرب في فرض رؤيتة المفبركة للعراق وحسب، بل وأيضا وبالاساس بسبب عجز العقل العراقي المزامن عن الإحاطة ب، وادراك خاصيات الوطنية التاريخية الرافدينية الوطن/ كونية. باعتبارها ماتبقى من التجليات المتاخرة من الدورة الثانية.
ولا يستبعد اطلاقا والحالة هذه، ان يزال من اللوحة المجتمعية التاريخية وسيرورتها جانب الازدواج المجتمعي، والتصارعية المجتمعية / كما تجلت ضمن الاشتراطات التاريخية المستجده بداية بفعل عودة التشكل الوطني، وتاسيسات الخروج من الانقطاع الثاني، يظل وطاة متبقيات الدورة الثانية، واستمرار هيمنتها على القسم الأعلى من العراق، وبغداد المتبقية كاثر يذكر بالدورة الإمبراطورية الثانية، على غير حالة بابل العاصمة الكونية الاولى، التي لم يبق منها مع بدء انتهاء الانقطاع التاريخي الأول، مايدل عليها، او يمكن ان يبقيها شاخصة كبقية واثر ينتمي لدورة تاريخية منقضية، وتمثل بغداد في الفترة من عام 1258 حتى انكسار العثمانيين وتبدل نوع السيطرة على العراق عام 1917، بغداد أخرى، لاتمت بصلة لبغداد العباسيين، منفصلة عنها وعن ارض السواد، حيث لا اثر هناك لاية سلطة مركزية، او قادرة على بسط نفوذها جنوبا، بينما المجال الممتد من بغداد الى الفاو واقع تحت مفعول الفوضى وفقدان الاستقرار، واختلال العملية الإنتاجية والحضارية وانهيار قواعدها الضرورية واللازمه لضمان سلامة فعاليتها، الامر الذي أوحى في حالات معروفة لبعض المعتبرين من الباحثين في التاريخ الاجتماعي العراقي من العراقيين المفعمبن مفاهيميا بنزعة الاستشراق، مثل على الوردي، الى تبني مايطلق عليه نظرية تنازع الحضارة والبداوة، مدللا تكرارا على عجز عن استكناه ومقاربة طبيعة ارض الرافدين البنيوية والتاريخية المحكومة لقانون الانقطاعات التاريخية والدورات، في موضع نهري بامتياز، لاعلاقة له، ولاصله تصله من قريب او بعيد بعالم البداوة.
وثمة نقطة أساسية وجوهرية بنيوية يتوجب اعتمادها في النظر الى العراق وارض مابين النهرين، تتمثل في انتفاء التجسد "الوطني"، فالعراق وعلى مر التاريخ هو موضع "لاوطني"، وهو مستوى وعينه، بل ونموذج مجتمعي كياني مختلف عما هو معروف ومتداول، وبالأخص نمط الكيانية الغربية الحديثة، فالازدواج المجتمعي العراقي، له الياته النافية ل "الوطنية" بصفتها او بصيغتها الابتدائية الأولية الدنيا، على النمط المصري النيلي تاريخيا، والاوربي الحديث متاخرا، فالموضع العراقي / الرافديني تاريخيا، هو مو ضع "امبراطوري" كينونة وبنية، وهو "نمط " بذاته لاينتمي من قريب او بعيد للنمط النيلي "الأحادي" الأدنى، وهو اما ان يتجسد ويتحقق امبراطوريا وكونيا، او لايكون موجودا، ومثل هذا الجانب الجوهري والاساسي لاغنى عنه في باب التفريق بين عراق الانقطاعات، وعراق الدورات، أي حالة التشكل الازدواجي، فما يطلق عليه العراق اعتباطا ابان فترات الانقطاع، هو ابتسار واسقاط مصدره العجز، مع الرضوخ ل والانسياق وراء حالات ونما ذج اخرى غريبه على واقع له خصوصياته واليات وجوده وتشكلة التاريخي.
ويترتب على ذلك مثلا مايرد من حديث عن "العراق" ابان فترة العثمانيين او قبلهم، فكان مايجري الحديث عنه كيان موحد، او من تمط واحد، او حضور تاريخي متماثل، الامر الذي لاشيء يؤيده على الاطلاق، فلاعراق بعد 1258 حتى القرنين السادس والسابع عشر، حين نشا عراق مستجد، بدا بالتشكل في ارض السواد/ سومر التاريخية، والكوفة/ البصره في الدورة الثانية، اتفافا مع فعل القانون الأساس في تشكل هذه البقعة من الأرض مجتمعيا، والتي تنشا من حتما من الأسفل، فالعراق، او مابين النهرين، محكوم لقانونه الخاص تشكلا وابتداء، بما يوافق طبيعته المجتمعية والكيانية، فالاليات الحضارية الأعلى والأكثر تركزا، موجوده في العراق الجنوبي، وهنالك تبدا التبلورات الأولى للمجتمع اللادولة السماوي، الذي لايتجسد ارضويا، والمرتكز لقانون العيش على حافة الفناء، قبل قرون من حضور الطرف الاخر الضروري والموضوعي ليشكل اليات الاصطراع الازدواجي التاريخي الامبراطوري للامة من امتين.
وهو ماكان ميز هذا الموضع ومنحه الاسبقية على صعيد قيام الإمبراطورية، فلقد قامت الامبراطوريات الازدواجية الرافدينية كابتداء على مستوى المعمورة، بقوة فعل واليات الصراعية الازدواجية، حين يتوحد ضمن وتحت وطاة الصراع، فكانت الإمبراطورية ردة فعل على واقع امتناع ومخالفة كلية نمطيا، واجهتها الدولة الاحادية النازلة من اعلى ببنبتها الأحادية، وعزلتها داخل مدن محصنة اشد واعقد تحصين، والمعسكرة من داخلها، قبل ان يسري عليها قانون الاستحالة، وتصير محكومة لواقع امتناع قبول مصدره المجتمع الاسفل، متعذر على الحل، فتضطر لان تتغير، ومن يومها تصير ازدواجية وبالحتم امبراطورية، استقلالها بالحكم من اعلى مشروط بمداهنة غريمها، مع السعي لمصادرة معتقده وتحويره ( شريعة حامورابي هي الرابعة المحورة، بعد ثلاثة شرائع قبلها، أولها شريعة كوراجينا المشاعية الأولى في التاريخ حيث ظهرت كلمة "حرية/ امارجي" وكل حقوق الانسان والعدل وحقوق المستضعفين ) ومع تغيير الاتجاه والانكفاء على الاعقاب، نحوالجهة التي تنزل منها الدولة الأحادية، من الشمال عادة، يصيرالتمدد الى ساحل الشام والاناضول، وشرقا الى عيلام، ممارسة دافعها محاولة تامين الريع من خارج ساحة الازدواج، لتعذره، او عدم كفايته بسبب الامتناع داخليا، مع رفض المجتمع الأسفل اداءه ودفعة تحت طائلة القتال حتى الموت، أي تخفيفا اجباريا لاسباب التصادم، الى الحد الممكن الذي قد يفضي الى استقلال مركز الإمبراطورية بذاته، ليصبح "دولة مدينه" مثالاها الأبرز بابل وبغداد.
ـ يتبع ـ