الشيوعيون العراقيون والدين

5 أيام 16 ساعة ago

علي عباس خفيف

 درج البعض ممن امتطوا بغل السياسة بضغائنهم البالية، وكذلك البعض من الموتورين خصوصاً المنظمات والأحزاب التي تكونت على أسس من الكراهيات المذهبية والاحقاد والايديولوجيات العنصرية، التي وجدت نفسها فجأة ولسبب واضح في خندق العداوة لمطالب الجماهير وفي مواقع المزايدة على مصلحة الشعب خصوصاً بعد ثورة 14 تموز 1958 في العراق ، قلنا درج هذا البعض على التشهير بالشيوعية والشيوعيين. والاساءة للشيوعيين العراقيين، وللحزب الشيوعي العراقي ، الذي تبنى منذ نشأته الدفاع عن مطالب ابناء الشعب العراقي ووقف إلى جانب حقوقهم دونما خوف، وقارع المستعمرين وتصدى لصنائع المستعمر بقوة، وقدم التضحيات من دماء ابناءه ، فكان من ضحايا القمع مؤسس وقائد الحزب الرفيق الخالد ( فهد ) الذي اقدم المستعمرون على اعدامه مع رفيقيه صارم وحازم، عام 1947 .

مع كل ذلك، لابد من أن نوضح قضية ذات أهمية خاصة ، لتعلق الأمر بالحرية قبل كل شيء، وهو الأمر الذي يؤكد: ( أن نختار كيف نمارس اعتقاداتنا هي الأمر الأكثر أهمية في موضوع "الحرية"، فان نختار عبادة ما أو لانختارها هو جوهر الحرية الانسانية الذي يجب أن يدافع عنه الجميع.)

   نحن إذ نضع هذه الحقائق التي تفنّد اكاذيب اؤلئك البعض عن الموقف النبيل والكبير والواعي للشيوعيين العراقيين اولاً ثم الموقف الفكري للشيوعية منذ تأسيسها بخصوص المسألة الدينية انما نحاول ، على إيجاز ما نقدمه ، فضح المتاجرين بالدعاية السياسية الزائفة ، والقوى الدولية والاقليمية التي تقف من ورائها وتأمرها باللجوء إلى هذه الأساليب .

  كما لايفوتنا التنويه؛ أنه من التشخيص المهم في التفكير، وفي البحث عن الحقيقة ، هو الفصل الفكري الواعي لحقيقة المعاني التي يصدر عنها هذا التعريف أو ذاك . فالدين غير التدين العام ، والدين ليس التخريج السياسي للدين او الايديولوجيا الدينية. كما أن كل محاولات الربط بين الدين والسياسة إنما هو مصادرة مسبقة لكل فكرة أخرى ، وهو المعنى الذي لعب عليه لا عبوا السياسة في العصر الراهن بمباركة الامبريالية العالمية ، والليبراليين الجدد .

  إن حقائق السنوات القليلة الماضية والوقائع الدامغة التي شهدها ابناء العراق كشفت وتكشف كل يوم بشكل واضح طبيعة العلاقات والروابط التي تربط سياسيي زمننا بالمصالح اللاوطنية للاحتكارات الدولية الكبرى ، وضلوعهم بحماية مصالحهم ، ومصالح الدول التي آوتهم لسنوات ليخدموا مصالح شركاتها الاحتكارية في النهاية على طول المعمورة وعرضها ، بما فيها دول الجوار . وخير دليل على ذلك بقاء البلد ممزقاً سياسياً وسيادياً . وبقاء البلد في الفوضى يتآكله الخراب في كل شيء وفي كل مؤسسة أو وزارة أو إدارة ، واستشراء الاتهامات والتخوين بين الاطراف جميعها . فضلاً عن صعود جيش من سياسي الصدفة ليديروا بلداً عريقاً والسير به نحو الخراب .

                                                    *****

 

     "الشيوعية لم تحتل بلدا أو تغتصب مالاً "

   قال (محمد حسين كاشف الغطاء ) الشخصية الدينية المعروفة، في معرض رفضه المشاركة في المؤتمر المسيحي الأسلامي في مدينة بحمدون اللبنانية , والذي دعا إليه رئيس جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية ( هوبكنز) عام 1945 عبر رسالته لكاشف الغطاء , داعيا إياه للعمل الموحد ضد الشيوعية . بإعتبار أن الأسلام والمسيحية لهما نفس الأهداف ولهما أيضا نفس العدو : (المادية والشيوعية) ، كان رد الشيخ رائعا ، وهو يرفض هذا النمط من محاولة استغلال المواقف الدينية . إذ قال في معرض الجواب: (..... الشيوعية لم تحتل بلدا أو تغتصب مالا عربيا ....). وبؤكد رد الشيخ كاشف الغطاء المعنى التحرري للكفاح الوطني الذي كان الجميع يعملون على تطبيقه بحرص شديد.

 وفي نفس الاتجاه يؤكد حنّا بطاطو في ص 362 من كتابه الضخم عن العراق: ( أن الشيوعيين العراقيين تجنبوا بطريقة مدروسة توجيه حتى أصغر إساءة إلى معتقدات الناس ، وأنهم إبتعدوا كليا عن موضوع الدين) . علماً أن هذا الابتعاد عن المساس بالدين لم يكن تكتيكاً اتبعه شيوعيو العراق بل هو من جوهر الاختيار الشيوعي الذي يحترم كل المعتقدات ، وفق رؤية الشيوعية للاديان . فقد اكد الشيوعيون دوماً أن مشروعهم التحرري والاشتراكي لم يكن مشروعاً بالضد من المشروع الديني ، بل إن الشيوعية مشروع اجتماعي ، يضع المنتجين الرئيسيين ( العمال) في مقدمة حركة النضال والتغيير الاجتماعي ، وبناء مجتمع العدالة الذي يخلو من الاستغلال. ومن ذاك تأتي اعتبارات احترام افكار وعقائد الآخرين .

 وهناك نص لزكي خيري- احد قادة الحزب الشيوعي لسنوات طويلة - يقول فيه : ( في تأريخ الحزب الشيوعي العراقي الذي إنتميت إليه منذ العام الأول لتأسيسه ، لاتوجد أية حالة تورط فيها الحزب في صراع مع المتدينين من أي دين كانوا ، وفي أية عقيدة من عقائدهم , أو طقس من طقوسهم ). وقد بذل الشيوعيون العراقيون جهدهم لعدم إثارة مسألة الدين، على الأقل ، مستلهمين موقف أنجلز الواضح والقائل : ( إننا لسنا ضد الدين , بل ضد التطبيق السلبي للدين..) .

وقد أورد الباحث حنا بطاطو أسماء ستة عشر قياديا شيوعيا في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي هم أبناء رجال دين أو من عائلة أسياد . منهم الشهيد الشبيبي وعبد الله مسعود القريني وداود الصائغ وعامر عبد الله وسلام عادل وباقر ابراهيم وبهاء الدين نوري وأبو العيس.

   ويبدو أن ضابط الأستخبارات البريطاني ( راي) كان همه الأساس هو توجيه الشرطة العراقية السرية وقادتها : بهجت العطية ونائل الحاج عيسى وعبد الرزاق عبد الغفور . نحو إجتثاث الشيوعية ليس بالطرق البوليسية وحدها وإنما (بالأجراءات التصحيحية) حسب قوله، وهي ماأسماه بالمعالجة الدينية. أي بث الدعاية المعادية للشيوعية من باب ديني تحريضي ، وهو يعلم أن مايروجه هو واعوانه ليس صحيحاً، بل ملفقاً ومجرد اكاذيب لكنه يخدم في النتيجة مقاصد دولته الاستعمارية ويصب في مصالحها الرأسمالية عموماً وهيمنتها على العراق ومقدراته آنذاك.

   وفي بعض الاحيان نجد أن كثيرين ممن يجدون انفسهم في خندق العداوة لمصلحة الجماهير العريضة ، ممن يناصبون الشيوعية العداء ، قد وجدوا في ادعاء الالحاد من بعض الشيوعيين غير الملتزمين دليلاً على الحاد الشيوعية ، واستغلوا هذا الأمر للتشهير بالشيوعيين والاساءة إليهم ،  وتخريج ما يناسب الايديولوجية الدينية . وفي الحقيقة أن ادعاء الالحاد من هؤلاء البعض من الشيوعيين إنما يصب في خانة الاساءة إلى الشيوعية ، والاساءة إلى منظماتهم التي ترفض الالحاد في كل حلقة من حلقات برامجها الكثيرة فلم تكن الشيوعية يوماً مشروعاً الحادياً ، ولم تكن مشروعاً ضد المشروع الديني ، وكما اشار معلمو الماركسية أن المشروع الشيوعي مشروع ضد الاستغلال الرأسمالي والعمل المأجور ، هي مشروع ضد استغلال الانسان وامتهان كرامته ، ضد استلاب الطبقة العاملة.

  رغم كل ذلك فلم تزج المؤسسة الدينية في العراق كامل ثقلها في الصراع الدائر بين المؤسسة البوليسية الملكية والحزب الشيوعي العراقي . ولكن زلزال الرابع عشر من تموز 1958 حفّز قسم منها بجناحيها السني والشيعي على التصدي لما دعوه آنذاك (المد الشيوعي ) ، مدافعين عن الملكية الأقطاعية، واساليبها في استغلال الانسان، وذهبوا نحو تحريم التعامل مع قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي اصدرته حكومة 14 تموز آنذاك، الذي اعاد للعراقي كرامته وللمرأة حقوقها، وهو القانون التقدمي الاول في كل المنطقة العربية والذي سجل بروز واضح لمشاركة المرأة في الحياة العملية والسياسية في العراق. وكانوا على يقين أن الشيوعيين وحزبهم كانوا وراء إصدار القوانين التي عملت على التغيير الاجتماعي الضروري ، فجاءت فتاوى البعض من رجال هذه المؤسسة بتكفير الشيوعية وتحريم التعامل مع الشيوعيين ، كذلك لجأوا إلى تحريم مصادرة أراضي كبار الملاكين الأقطاعيين وتوزيعها على الفلاحين الفقراء ، علماً أن اغلب تلك اراضي او الاقطاعات كانت ملكية عامة في زمن الحكم العثماني للعراق، غير ان الحكومة البريطانية بعد احتلال العراق اوائل القرن العشرين قامت بمنحها لشيوخ العشائر من اجل ضمان ولائهم لها وكسب ودهم. كذلك افتى البعض من رجال الدين بعدم الخضوع لقرارات المحاكم المدنية في مسائل الأرث والزواج والمعاملات.

  ولكن كيف نظر وتعامل الشيوعيون العراقيون ، اثناء الصراع ضد الفاشية ، مع الحركات والأحزاب والتيارات الأسلامية في خضم رفع القوى الدينية لشعارتها المعادية لليسار الماركسي والشيوعيين كقضية رئيسية في واحدة من ألاعيب هذه القوى لابتكار عدو نظرياً وذر الرماد في العيون.

  في الحقيقة أن وجود الشيوعيين في نفس الجبهة مع الاحزاب الدينية ضد نظام البعث الفاشستي ، لم يجعلهم في نفس الخندق ، فللشيوعيين نظرتهم التحليلية الواقعية للحياة ونموها وتطورها على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وهي تختلف تماماً عن رؤية وتوجه القوى الدينية . وتبقى الاحزاب الدينية احزاباً ترى في الشيوعية عدواً مؤجلاً ، وتنتظر اللحظة التي تنقض فيها على الشيوعيين ، خصوصاً وأن حماتهم الامبرياليين يحوكون المؤامرات ضد الشيوعية دونما توقف. لكن الشيوعيين لم يتخلوا عن نقد المفاهيم والآراء التي يرونها لاتصب في مصلحة الجماهير ويرون إنها تبتعد عن المشروع الاجتماعي الذي ينقذ المجتمع  ويوفر له فرص النهوض والتقدم فضلاً عن محاربة كل اشكال الاستغلال والهيمنة .

   فالبرنامج الأقتصادي للمجلس الأعلى ، مثلاً ، يتكون من سطرين فقط . أمّا برنامج الأتحاد الأسلامي الكردستاني فإن فيه حديث مبتسر عن إصلاح الوضع الأقتصادي – الصناعي – الزراعي فقط . ويمكن سحب الحديث نفسه عن الدستور والمرأة ، أي أن هذه المواضيع التي تهتم بمعاناة ابناء الشعب لم تحظ باهتمام هذه الاحزاب . وبمعنى آخر تكشف برامجهم انهم المدافعين الأمناء عن مصالح طبقة معينة من الرأسماليين الكومبرادوريين والتجار وكبار موظفي الدولة من الطفيليين وناهبي المال العام . حيث يحرمون تحريما قاطعا حق الأضراب والاعتصام. فضلاً عن معاداة صريحة وواضحة ضد الناشطين من العمال وضد الحركة النقابية العمالية.

  ويبقى السؤال مشروعا وقائما : هل من الممكن أن تقبل الاحزاب الاسلامية حقاً بالتعددية ؟ وهل يمكن لهم أن يحموا حقوق الذين يختلفون معهم ؟ نحن مع القائلين بأن الديمقراطية الأسلامية غير ممكنة في التطبيق عملياً وتكشف عن وجه آخر من أوجه العنف والمصادرة ، على الرغم من كل التصريحات النظرية عن الديمقراطية واحترام الرأي الآخر .

  وفي الحقيقة، إن الشيوعيين هم ورثة كل ما جاء في التفكير الديني المستنير بنور العلم، حينما يكون الدين للانسان ومن اجله، وفي سبيل تقدمه ورقيه وحفظ كرامته ومكافحة استغلاله، لكنهم ليسوا مع الاوهام التي تعطل وعي الانسان وتلقي بتبعات حياته على الغيبيات، وتوهمه بآمال لن تتحقق له إلاّ في الحياة الآخرة، بل هم يكافحون بقوة أي استغلال لوعيه حين تعتقله هذه الاحابيل، وترسم له الخطط لتغييبه واعتقال عقله، وربطه بألاعيب تبلبل الذهن وتكرّس سلبيته واتكاليته، أوتحاول ان تصنع له منظومة اتكالية، تعطل قواه في الخلق والابداع والعمل والنهوض بانسانيته.

                              **********

         هوامش:

* عبد الرزاق عبد الغفور هو معاون نائل الحاج عيسى جلاد الشيوعيين أبان العهد الملكي . جرى نقله قبل ثورة الرابع عشر من تموز إلى الحلة مديرا لشرطتها وبذلك أفلت من محاكمة محكمة الشعب له في وجبة ضمت وزير الداخلية سعيد قزاز وبهجت العطية مدير التحقيقات الجنائية وعبد الجبار فهمي متصرف يغداد وعبد الجبار أيوب مدير الشرطة . وهو بالمناسبة عم وزير التعليم العالي زمن المقبور صدام المدعو همام .

 * يرد ذكر عبارة المد الشيوعي أو المد الأحمر في أدبيات الأسلاميين , في إشارة إلى موقفهم المعادي للشيوعية بعد ثورة الرابع عشر من تموز. وهذا يعني أنهم لم يتصدوا للعهد الملكي , لأنهم دافعوا عن نظام المحاصصة الأقطاعية والعلاقات الرأسمالية , وناهضوا الثورة والحركة  الشيوعية . اما اليوم فأن سياسيي العراق والمتحكمون برقاب ابناء الشعب يبعثون عداء الاحزاب الدينية من جديد ويؤكدونه ، حيث أشاروا في خطابات لهم وعبر المنابر إلى محاربتهم للماركسية في مدن العراق جميعها. وأنهم – احزاب الحكومة والسلطة  تحديداً -  تصدّوا للماركسية والحداثة والألحاد منذ عام 1958.

من كتاب : نحن والدين