الاعتدال ليس دائما هو الحل!

4 أشهر أسبوعين ago

نادية عدنان عاكف

كتبت صحيفة جاكوبين اليسارية قبل يومين، إننا لو تمعنا بمرشحي الرئاسة الأمريكيين في العقود الثلاثة الماضية نجد أن كل مرشحي الحزب الديمقراطي الذين عرفوا بالمواقف المعتدلة الوسطية، واعتمدوا خطابا مهادنا بهدف كسب الناخبين المستقلين مثل آل غور وجون كيري وهيلاري كلينتون فشلوا في النهاية، رغم ان منافسيهم كانوا دائما شخصيات ضعيفة للغاية وغير ذات وزن في الساحة السياسية الأمريكية، وهم جورج بوش الإبن ضد كل من آل غور وكيري، وترمب ضد كلينتون. المرشح الديمقراطي الوحيد الذي حقق نجاحا ووصل الى الرئاسة كان باراك أوباما، والذي اعتمد خطابا أكثر يسارية وحدة، وواجه مرشحين يمينيين معتدلين.
ويبدو ان الحزب الديمقراطي يحاول ان يتآمر ضد برني ساندرز ويحرمه من الترشح للرئاسة، وللمرة الثانية، عن طريق العزف على نغمة (خير الأمور الوسط) و(سنخسر الرئاسة اذا نحن اعتمدنا مرشحا متطرفا في مواقفه) و(لا يمكن ليساري ينادي بالاشتراكية ان يكسب اصوات المستقلين). رغم ان كل الدلائل تشير الى أنه الأقدر والأكفأ والأكثر اخلاصا وصدقا بين المرشحين، والأهم من ذلك كله انه المرشح الأكثر شعبية رغم الدعاية الإعلامية ضده وعدم حماس النخبة السياسية الأمريكية له حتى بين الديمقراطيين.
والاعتدال بعرف الخطاب السياسي الأمريكي يعني التسامح والحنو تجاه المؤسسات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال، حتى حين يثبت فسادهم. فهم حسب الدعاية السائدة جزء أساسي وضروري من التركيبة الأمريكية، وبدونهم ينهار الاقتصاد
تقول صحيفة جاكوبين، إن موقف الطبقة السياسية الحاكمة هذا، كان يمكن تمريره والدفاع عنه في الماضي، لكن اليوم نجد رغبة شعبية عارمة في مساءلة الشركات الكبرى التي تتحكم بالاقتصاد الأمريكي. اضافة الى ذلك فإن استطلاعات الرأي تشير الى ان الشباب تحت سن الثلاثين اليوم، يفضلون النظام الاشتراكي على الرأسمالي
وفي الواقع فإن افكار ساندرز الإشتراكية (تأمين صحي للجميع، رفع الحد الأدنى للأجور، توسيع الخدمات الاجتماعية، تعليم مجاني متطور يشمل التعليم العالي، الاهتمام بموضوع التغيرات المناخية والاحتباس الحراري) تحظى بشعبية عالية لدى مختلف طبقات المجتمع الأمريكي ما عدا الأثرياء والإعلام والحزبين السياسيين الحاكمين. ما قام به ساندرز هو نقل تلك المطالب المشروعة الى الإعلام وجعلها جزءا من الخطاب السياسي، ما اضطر منافسيه الى تبني تلك الأفكار او على الأقل جزء منها. لقد جعل ساندرز هذا الخطاب الذي كان يعتبر الى وقت قريب متطرفا، جعله الخطاب الأكثر شعبية وقبولا بين الناس، بحيث أن تجاهله صار يمثل انتحارا سياسيا لمرشحي الرئاسة.
تقول الصحيفة أن الأسلوب الأنجع للفوز بالانتخابات بالنسبة لساندرز هو ليس المرونة والاعتدال في المواقف والخطاب السياسي، لاقناع الناخبين الجمهوريين بانتخابه، كما تحاول النخبة السياسية الترويج له، إنما يجب على ساندرز السعي لإقناع الجماعات التي تمتنع عادة عن الانتخاب بالمشاركة في الانتخابات هذه المرة. هؤلاء يشملون الشباب دون سن الثلاثين، والطبقات الفقيرة، والأقليات والمهاجرين من مكسيكان وآسيويين ومسلمين. إنهم يعتبرون التصويت مضيعة للوقت، لأنهم يؤمنون أن النظام كله مصمم ضدهم وضد مصالحهم. وتثبت الإحصاءات أن برني ساندرز هو اكثر الرؤساء شعبية بين طبقات الشباب والطبقات الفقيرة والمهاجرين.
لذلك ترى الصحيفة أنه ان نجح ساندرز بإقناع هؤلاء البسطاء بالمشاركة في الانتخابات، فإنه سيكتسحها بنسبة عالية، دون أن يضطر لتغيير خطابه او تمييعه اوالمهادنة مع أصحاب رؤوس الأموال ومليارديرية وول ستريت، بل إنه سينجح بفضل هذا الخطاب الذي أكسبه حب الناس وثقتهم لخمسة عقود من العمل السياسي.

رابط المقالة باللغة الإنكليزية

https://jacobinmag.com/2020/2/bernie-sanders-electability-moderate-centrist-nonvoters?fbclid=IwAR2cYxOaKPZmXXBfNVqmZVrCOOa0UvtWMmTo5LvkH6tajlAsMLwzhd3J98U