خرافتا الديمقراطية والدولة المدنية ؟

6 أشهر 3 أسابيع ago

عبدالاميرالركابي
في قلب ثورة مابين النهرين التشرينية العراقية 2019، مايزال هم انبثاق البديل عن السائد والمتداول يورث انماطا من البداهية وانعاش الاعتياد، بمقدمتها النداء للديمقراطية والدولة المدنية، وهما نداءات ظلا حاضرين من زمن سطوة الايديلوجيات الجاهزه المنقولة، لدرجة انه مايزال من غير الوارد القول جهارا بان العراق غير مؤهل لاقامة نظام ديمقراطي لاموضوعيا، ولا بنيويا، ولا من حيث مقتضيات اللحظة التاريخية عالميا، وكذا الامر حين بتعلق بالدولة المدنية اخرالموجات القابلة للاحالة لنمط من الايديلوجيات مابعد الحزبية، اهم مايميزها الانتماء لما عرف بزمن منظمات المجتمع المدني المرتبطة برمتها بالغرب وتمويله المباشر، والأكثر من غيرها فقراعلى صعيد الرؤى والتنظيرحتى بالمقارنة بالموجه الحزبية الاسبق.
لم يحدث ابدا في العصر الحديث ان كسرت القاعدة في المنطقة العربية، وتحققت اية صيغة حكم يمكن نسبتها الى ( الدولة/ الامة) والى مايعرف ب "الديمقراطية" او تقترب منها خارج الاليات ماقبل الحداثية كما هي معروفة في النموذج الغربي الأوربي المعاصر، بالمقابل لم يحدث ان تجرا العقل العربي والعراقي تحديدا، على التصريح ب، او الذهاب الى القطع بشأن استحالة مثل هذا الخيار، ومايزال ذلك الشيء الذي يطلق عليه اسم "الامل" الكاذب، قادرا على ان يغذي العجز الذي يحول بين العقل العربي، والمجازفة الخطره كما هي متوقعه في حال القرار بالمواجهة، فيما لو وضعت الديمقراطية خارج احتسابات الممكن.
وقتها سيكون على العقل الذي يريد اخراج الاحتمال المذكور من قائمة الممكنات، قبول صنف من التحدي هو بلا شك سباحة في المجهول، من الطبيعي ان يأخذ نحو خانة تقرب من الاعتقاد بالعبث او اللاجدوى، بحيث نجد انفسنا امام نوع من العجز المبرر تحت خيمة "الصالح العام"، علما بان المسالة المعروضة تطرح هنا ناقصة، لانها موضوعة تحت طائلة الانغلاق الذي يكرسه نموذج الغرب المتغلب والمكرس الكاسح.والديمقراطية التي نتحدث عنها، هي الغرب بلا ادنى ريب، وهي مالا يتجاوز، وماليس من المتاح باي شكل كان النظر الى ماورائه، او حتى اليه حين يصبح متجاوزا ذاته بذاته، فالطرف المقابل ادنى سوية في الحالتين، انه تابع متاثر ومسلوب الذات، وهو بالأحرى وحتما، غير مؤهل باية حال حين يتعلق الامر بالنظر للغرب كالية منتهيه، بمعنى التوفر على أسباب او مقومات الإحاطة بظاهرة لعبت بكليتها وبجماع كينونتها الحيوية أصلا، دور ومهمة السطوعلى الاخر، والهيمنة على ميكانزمات فعله ونوع حضوره.
هل يمكن النظر الى الغرب الجديث بصفته ضرورة لها مابعدها كما كان لها قبل سابق عليها، ذلك يعني حتما البحث عن اليات مستقلة حية وغير متوقفه، بعكس مايفترضه الغرب ونموذجه ومايكرسه من اعتقاد مفادة خضوع العالم مع يوم بدء نهوضه هو الأخير، للاليات ذاتها المتلائمه معه ومع حالته، ببساطة بمعنى كون الغرب بلا خصوصية لجهة كونه الأعلى، وبالمقابل ومن جهة أخرى عالم خارجه مسلوب الخصوصية، وموجود بصفته ملحقا تابعا ملزما ومكتوبا عليه ترسم خطى ومحطات النموذج الأعلى، او بالأحرى الارقى.
بهذا تتوحد "العالمية" لتصبح "غربا"، وتسود حالة سرقة ومصادرة للتاريخ هي الأكبر والافظع على مدى حياة الكائن البشري على وجه الأرض،مع انه لاشيء يحول دون القول بان تاريخ البشرية المجتمعي ابتدا في الشرق المتوسطي، وان دورة أولى من التاسيس الأكبر كانت حصة المجتمعين النهريين في الموضع المذكور، وليس هذا فقط، فالمكان المنوه عنه عرف لاحقا دورة عالمية كبرى هي الثانية، بدات بثورة الجزيرة التحريرية، ثم بالامبراطورية الرافدينية التي دامت لاكثر من خمسة قرون، كان من حصيلتها وكنتيجة لها، وللنظام الاقتصادي العالمي الذي تحقق مع نهضتها كذروة ريعية تجاريه، ماقدعرفه الغرب لاحقا من ثورة برجوازية تجارية تمهيدية، اعقبتها ثورة صناعية، بما يعني ان منجز الغرب الحديث ليس ذاتيا صرفا، ولاهوتحقق بانفراد، او بعزلة عن المؤثرات الكوكبيه الحيوية الفعالة البكورية الشرق متوسطية.
وليس هذا فقط، فالشرق المتوسطي وحركتة واليات تاريخه المجتمعي، وبالأخص بؤرته الأعلى والارقى دينامية، أي موضع الازدواج المجتمعي الرافديني، ينطوي على مغزي واستهدافات تكوينية مضمرة، هي المتطابقة مع الحقيقة المجتمعية، ومع ظاهرة الكائن البشري ومآلات وجوده على كوكب الأرض بصفته كائنا متحولا، وليس باعتباره ابديا نهائيا، او ساكنا نهائيا لكوكب الأرض، وهو ماينقص بنية الغرب الانشطارية الطبقية الاوربية الاحادية، ويمنعها حائلا بينها وبين ان تفعل فعلها في التاريخ "تحوليا"، وان هي نهضت بادوار ومهمات خطره، تقع في باب الضرورة المساعدة على الوصول الى "التحول المجتمعي"، ومن ذلك وبمقدمته افرازها لوسيلة الإنتاج الأعلى اللاحقة على الالية.
ذلك مع انه، وابان الطور المصنعي الالي من لحظة صعودها، بدت محكومة موضوعيا بقوة ممارسات حضورية كوكبيه اكراهية، من ضمنها الاستعمار استنادا لعوامل القوة الاستثنائية التي تمنحها القفزة الالية،ومايرافقها من انقلاب مفهومي ونموذجي على مستوى الدولة، بمافي ذلك ولدرجة التصادم الأقصى مع الكيانية التحولية الأساس، كيانيه مابين النهرين من مجتمعين في مجتمع وكيانية واحدة، فالدولة في العراق أقيمت عام 1921 على يد الإنكليز ضمن اشتراطات العجز إزاء الثورة الازدواجية الكونية لمجتمع اللادولة المتعذر التجسد ارضويا في 31 حزيران 1921 وكخيار بين خيارين : الانسحاب وترك العراق، او البقاء باشتراط الفبركة، مايعني حكماهزيمه تكوينية.
فالغرب ممثلا بالانكليز هزموا في العراق مفهوميا وبنيويا، إضافة لهزيمتهم العسكرية، بقبولهم مضطرين إقامة دولة خارج اليات التشكل التاريخي المجتمعي، وبالضد من طبيعة المشروع الغربي ذاته، فمااقيم وقتها ركب من خارج النصاب المجتمعي، بمخالفة كلية لمفهوم ( الدولة/ الامة) المشروطة باكتمال التشكل المجتمعي، والتي هي أساس نموذج ومفهوم الغرب عن الدولة، والأكثر من ذلك خطورة والاهم، ان الإنكليز خالفوا طبيعة نظامهم وطبيعته التاريخية، لابل عملوا ضده وبمايعكسه، حين اعتمدوا مبدا تغيير العلاقات المجتمعية في الريف العراقي من "مشاعية" تاريخية الى "اقطاعية مفبركة"، ماكان يعني خيانة صارخه لابسط مبادي الحداثة والعصر والغرب البرجوازي الراسمالي.
هذه اللحظة من التاريخ لم ير فيها الايديلوجيون الحزبيون، أصحاب مبدا الفبركة من اسفل، ووالتبعية الببغاوية لنظرية الدولة الحديثة، وبنيتها، وطبقاتها، والياتها المتوهمة، لحظة انكسار للنموذج الغربي مفهوما، وممارسة واقعية، فكرس هؤلاء الامال حول ماينطوي عليه، وماقد تخيلوه من ممكنات الاشتراكية والليبرالية والقومية، في وقت كانوا يغرقون في حالة من الجهل الصارخ، ومن مرض التنكر لذواتهم، ولحضورهم المجتمعي، منحازين للاسهل، وللممكن افتكاره في حينه.
ليس في العراق دولة قامت وفق اشتراطات نضج التشكل المجتمعي، الازدواجي أصلا، عدا عن طبيعتة الامبراطورية تاريخيا وبنية، كما تجلت في الواقع خلال دورتين تاريخيتين كونيتين كبريين( السومرية البابلية الابراهيمية، والعباسية القرمطية الانتظارية )، وهي دولة لاتنتمي لاللعراق ذاتا من جهة اطلاقا، ولا لنموذج الغرب، وتبعا لذلك لما يمكن ان يتصور، او افترض من احتماليات ديمقراطيته واشتراكيته وغيرها، وسواء اكان الطور الأول المفبرك 1921/ 1958 او الجزء الثاني 1968/ 2003 لم تكن الهيئة التي تصدت لادارة الكيانية الازدواجية باسم الدولة سوى قوة نافيه ومضادة للكينونة والذاتية المجتمعية، ومصممه للاجهاز عليها، أولا بنظام التسوية لعام 1932 الانقلابي الساعي لفرض نوع من العلاقات المجتمعية الإنتاجية الزراعية المضادة للكينونه الرافدينه، ولشكل علاقات الإنتاج المشاعية لارض مابين النهرين تاريخيا، ثم بالريع النفطي والحزب الايديلوجي المستحضران من خارج البنية وطبيعة التوازنات والاليات التاريخية المميزه لمجتمع الازدواج التحولي.
وفي الحالتين واصلا وتاسيسا، لاتعود مفاهيم مثل "الديمقراطية" الجاري التغني بها بمناسبة وبدون مناسبة، سوى خرافة توهمية، هي وقرينتها التابعة "الدولة المدنية"، لاحياة لهما الا في العقل الميت، المستسلم، الهانيء بالاوهام والخرافات، في زمن ادعاء نفي الخرافة.