ثورة ضد الايهام الديمقراطي؟

شهران أسبوعين ago

عبد الأميرالركابي
مايزال قطاع لايستهان به من المنشغلين بالشان العام العراقي، وبالأخص اليوم، يتبنون، او هم يروجون لشعار مايعرف كشبه بداهة ب "الخيار الديمقرطي"، مع تعدد عناوينه وصنوفه ابتداء من "الدولة المدنية"، الى "دولة المواطنه"، عدا عن غيرها من صيغ تتصل بهذا النمط من الدول والصيغ التي تشكلت الدول بموجبها، وعلى أساسها في اوربا العصر الحديث، وكان من المفترض للدعوات التي من هذا القبيل ان تصبح اكثر حضورا وفعالية مع ثورة مابين النهرين التشرينية العراقية، غير ان الملاحظة المدققة لم تتح العثور، او تتمخض عما يزكي مثل هذا الميل، بمقابل حلول شيء من رفض عفوي غير متبلور،للاشكال او الصيغ والتنظيمات المتعارف عليها، والمعتبرة تقليديا معبرة عن هذه الوجهه، ممايشير بوضوح الى النقص الفادح المهيمن على مسارات الثورة،والمتمثل في غياب "النظرية" برغم حضور الحركة المتاججة، والعالية النبرة والحضور، والسياقات، وبالأخص الاستعداد غير المحدود للتضحية.
ولايعني ذلك المسارعة لاسباغ الحكم الجاهز في مثل هذه الأحوال على الحدث التاريخي الكبير المعاش اليوم، بالقول بان مايجري هو ( حركة عمياء)، بناء على، واستدلالا بغياب الجانب النظري، الفائق الضرورة، فالعملية الثورية انفجارا بصيغتها العفوية، او حتى تعثرا وانتكاسا، قد تكون هي بالذات، ومن بين مستهدفاتها وماتنطوي عليه موجاتها المتوقعة من مضمرات وحاجات، اشارتها وتهيئتها لمحفزات ومبلورات الضرورة القصوى، على طريق القفز نحو انجاز الجزء الغائب من هيكلية الثورة وروحها، ويتوقف الامر هنا بالطبع، وبحسب الظروف واللحظة، على حجم ونوع المستهدف والمراد، ودرجة ومستوى العوائق والتراكمات التي تحول وحالت في السابق دون انبثاقه، او توفر مقدماته.
ومع ان الحديث يجري هنا عن التجربة العراقية الراهنة والمتاججة، مع كل ماسجلته الى الان من خصوصية، فان ماهو موضوع في الاعتبار عربيا، ومنذ بدايات العقد الثاني من متغيرات تشمل المنطقة والشرق متوسطية منها بالذات، لايغيب اطلاقا عند احتساب الجوهر وحجم المتراكم حتى الساعة من سياقات مرحلة مايمكن ان يطلق عليه "طور الديمقراطية في زمن مابعد الديمقراطية والثورة عليها"، والمقصود بها نفس حالة الانغلاق المفهومي والنظري، وعلى مستوى النموذج، المستمرة مخيمة على اجمالي حالة النهوض المتاخرة بعد عام 2011، والتي اهم مايميزها انها وان هي وضعت علامة فاصلة بين زمنين، الا انها لم تصل الى الان لحظة التوقف للتفكير في كون مايجري، وماهو محتدم من وقتها، هو عصر وطور إزاحة خيار الديمقراطية والنموذج الحداثي الغربي من الاعتبار، بصفته خيارا منتهيا وليس هدفا مايزال قابلا للتطبيق.
ان تاريخ مايعرف بالحداثة العراقية والعربية، هو بالأحرى تاريخ الزيف النهضوي والاستبدال، وهو تاريخ فشل تطبيق النموذج الغربي الذي تعيشه وعاشته النخب العربية خارج السياقات البنيوية والتاريخية الخاصة بها، وليس هذا الجانب من التوهمية المبنية أصلا على عجز اصيل عن اكتناه الخاصيات البنيوية والتكوينية، التي جعلت موضوعة "اللحاق بالغرب" بمعنى استنساخه، دينا حداثيا زائفا، خلال القرنين المنصرمين، هو ما صار الواجب ملاحظتة والوقوف عنده فحسب، فهذا السياق نفسه على تهافته، أضيفت له اليوم عوامل تزيد من ابتذاله، في مقدمتها كون الغرب نفسه قد غادر مثل هذا النمط او النموذج السياسي، وشكل التنظيم المجتمعي، الذي هو بالأحرى حالة مطابقة لصنف وطور من التطور والثورة البرجوازية المصنعية الغربية، يطابق سياقاتها التاريخيه والبنيوية الخاصة بها، والتي لم تعد قائمة، ولا موجوده، ومعها الدولة الديمقراطية التي تجاوزها الزمن في عقر دارها، لصالح سلطة المال، والشركات العابرة للجنسيات، والتي قلصت الى حد بعيد دور الدولة، الامر الذي تزداد الدلائل اليومية والمناسبات التي تؤكده ( ليستعيد من يريد الخطاب الأخير للرئيس الفرنسي ماكرون بمناسبة الكورونا، ويحيله الى خلفياته المتناقضة الصارخة في مجال عمل دولة الثورة البرجوازية الحديثة النموذج، وتهافتها الحالي).
وحال مثل هذه تضع التفكير في المنطقة العربية ضمن خانه لايمكن حتى الحكم عليها، لخروجها عن اية قواعد في التقييم، ولا يعرف المرء كيف يمكن ياترى لمتصد لشؤون المنطقة والعراق، ان لايرى بان تاريخ القرن المنصرم كله على الأقل، كان تاريخ مايسمى النضال من اجر الديمقراطية والاشتراكية، التي انتجت في اقصى ماتمخضت عنه، نوري السعيد و ( علم ودستور ومجلس امة .... كل عن المعنى الصحيح محرف) واشتراكية صدام حسين الريعية المدمجة بالحزب العقائدي، وانه لم يكن من قبيل الصدفة ان يكون عادل عبد المهدي، اخر رئيس وزراء في نظام (الطائفو قراطية) القائمة منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 هو ابن وزير سعيدي، ومر انتماء، بالبعث، والشيوعية، الى ان جعلته الاقدار قاتلا للثوار بعد 1 تشرين 2019.
يستطيع أي مريض ان يقول بان ماقد حدث الى اليوم ليس هو "الديمقراطية"، وان يتخيل جمهورية افلاطون في الجزيرة العربية السعودية اليوم، وان اشتراكيته المتخيلة ليست هي، ولاتمت بصله لاشتراكية صدام حسين، وحافظ الأسد، وجمال عبدالناصر، وان ديمقراطيته التي يقول بها ليست تلك التي مارسها المالكي نهبا للريع، وطائفية، والاهم ان يصر اليوم على القول بان مافي خياله واحلامه المستعارة المتوهمة، والمعتقة البالية توهما، هو الحل، فيسعى لاطعام من يريد "الحج" والناس راجعه. هذا غير ان يوغل في المرض العضال، ويستمر رافعا راية الصراع الطبقي، والتحول الاشتراكي، وزوال الطبقات، مكرسا حالة من الخراقة التاريخية، لم يعرف مثيلها في التاريخ الإنساني على الاطلاق.
الديمقراطية والاشتراكية في منطقتنا هي ماعشناه حتى اليوم، لاماتخيله من أراد التخيل عجزا وقصورا و ضعة تاريخيه، ثمة ديمقراطية واشتراكية الواقع والبنية، مورست وتجلت تحت وطاة حضور نموذج الغرب وسيادة مفهومه كما قد حصل، وتلك انتهت كما تحققت وبصيغتها الممكنه والمتاحة، وقد ان الأوان للعقل ان يثور على ذاته، وعلى مقوم تقديره ورؤيته للواقع ضمنه،ان كان فيه بعض من نبض الحياة والتاريخ، الامر الذي تتزايد اليوم الحاجة والضرورة التي توجبه، سدا للنقص التاريخي التكوينى المخيم على الحراكات والثورات التي وضعت الحد الفاصل والنهائي، بين المتوهم والمعاش، الواقع والخيال المريض الذي يتزايد مرضا، فيصل حد مايمكن ان نطلق عليه تسمية "العارالايهامي".
هل يجوز او هل يمكن اليوم اطلاق النداء في العراق، وفي المنطقة لاجل بدء التفكير احاديا، وبصورة مشتركة، ببدء التاسيس للطور المعاصر الحداثي الثاني/ الذاتي، انطلاقا من، وعلى قاعدة "مغادرة الحداثة الزائفة"، املا في البحث عن الكينونة، ومحاولة استعادتها، وان استغرق ذلك وقتا، او اشتمل او انتج اوليات وموضوعات تأسيس، لما هو مقصود، وما يولد نوعا من العلاقة العضوية، بين واقع هذه المنطقة، والعقل المصاب بمرض الاستقالة والاستعارة، منذ قرون مديده.
هل يجوز القول : كفى زيفا وتوهما وايهاما، بالاخص في العراق الحالي، مع غرق الثورة بالدم والعنف البدائي للصوص يحكمون باسم الريع والدين، يلتحق بهم وعلى حوافهم، كل جوقة الحداثيين المزورين وقد تحولوا لجوقة دجل.
وأخيرا: هل يمكن رفع شعار "ثورة ضد الوهم والايهام الديمقراطي"، بما يجعل مهمة النظرية والانتقال الى النموذج، او النمط ، او شكل التنظيم المجتمعي الملائم والمطابق، والمتفق مع المستقبل، نقطة أساس مصيرية في برنامج الدم، لابرنامج الأوهام والايهام