حزب -فهد- والازدواج/ملحق ب

8 أشهر أسبوع واحد ago

عبد الاميرالركابي

قياسا لمسارات التشكل الوطني في اللحظة التي نتحدث عنها، لايمثل "فهد" أي حالة افرازمجتمعي طبيعي يمكن ان يؤهله لتزعم تيار،سيكون له وزن غير عادي في الفترة الفاصلة بين ثورتي حزيران 1920 وتموز 1958، ولاشك باننا نتحدث هنا عن انقلاب في التعبير، وفي الوسائل، تعود بجملتها الى الطاريء الغربي، ومنها بالطبع مايعرف بالكيانية و"الدولة الحديثة"، و"الحزب"، وكلها وجدت فجاة ومن دون مقدمات، وفي واقع مخالف لها، مناقض ومتصادم مع ماتعنيه وتدل عليه، فالحضور العثماني بطورية المماليكي والمباشر، كان مطرودا، منكفئا داخل بغداد والمدن الكبرى والقلاع، ولم يصبح يوما حكما شاملا للعراق الذي كانت كيانيته المتحررةغير المستقله والممتنعه على التجسد، تشمل ارض السواد، والحديث هنا جار ليس عن لحظة من التاريخ، او دورة من دوراته دون غيرها، بل عن قانون وبنية تاريخية، ظلت تنتج دائما شكلا للدولة، بنيته امبراطورية ازدواجية تقوم في اعلى ارض السواد وتتشكل بفعل ضغط الكيانية المجتمعية السفلى، واستحالة اخضاعها، برغم تعذر تجسدها في كيان دولوي احادي ارضوي، ماجعل تاريخ العراق تاريخ الازدواج الكياني المجتمعي الامبراطوري، المحكوم لقانون التشكل من اسفل، فارض الرافدين ككيانية ازدواجية امبراطورية، لاتخضع لنفس قوانين النمو والتشكل في المجتمعات الأحادية، حيث النمو المثماثل بين أجزاء البلاد، مع بعض التباينات الضرورية، بينما يختص هو بالنمو من اسفل، وابتداء من مجال اللادولة كما حدث تكرارا: في الدورة التاسيسية الأولى من (سومر)، وفي الدورة الثانية من ( البصرة والكوفة)، وفي الثالثة الحالية من( سومر الحديثة/ المنتفك).
اختلف الغرب عند مجيئه كليا عن من سبقوه من العثمانيين بكونه كان يعتمد نوعا من البداهة الأحادية هي الارفع واعلى تجليات نمطها، فكان محتما له اتباع نهج متصادم على طول الخط مع البنية الازدواجية الرافدينية الموصوفة، وقدوجد نفسه فجاة بإزاء حالة لاوجود له ولا استمرار، الابالغائها والاجهاز عليها من منطلقي، الجهل بحقيقتها ومنطوياتها المتعدية لنمطه من ناحية، مع اعتقاده الراسخ بصلاحيته وعالميته النموذجية المطلقة، وبالمقارنة بالعثمانيين، وكعنصر فاعل أساس في التفارقية الرباعية، كان الغرب قد استطاع ان يؤدي مهمة الاجهاز المفهومي والنموذجي على العثمانية كظاهرة متخلفة عن الدورة الحضارية الشرق متوسطية المنتهية، دورة الثورة الجزيرية والامبراطورية الرافدينية العباسية، بين القرنين السابع والثالث عشر، وماتبقى من تجلياتهما المتاخرة شرقا، ما يجعل من غير الوارد بالنسبة له اخذ الموضع الفرعي المعدود محتلا من قبل العثمانيين، ماخذا خاصا، فضلا عن ان يكون مختلفا، ففات الغرب اهم ماكان عليه ان يتوقف عنده، ولم ينتبه الى كون العراق كان يعيش منذ اكثر من ثلاثة قرون قبل حضوره، حالة تشكل، ماكان بما انه لم يلاحظها ليستطيع باية حال، رؤية خاصياتها النوعية العائدة لمنطويات نمطها الازدواجي، بحيث يكتشف ان العراق الذي وصل اليه غازيا، يمكن ان يصير مصدر نمط صراعية استثنائي، مختلف تماما وكليا عن اية صراعية عرفها مع أي من أمم وشعوب العالم، الامر الذي يشمل العثمانية، التي كانت في حالة انحسار وتراجع وشيك، بحضور الغرب او من دونه.
ولم يكن ماعرفه العراق من ظهور وتبلور سريع ودينامي للتيارات والأحزاب الايديلوجية واحتلالها موقع الصدارة في الحياة العامه، مصدره حضور الغرب من حيث الجوهر والاليات، بقدر ماكان الجاري محكوما بالدرجة الأولى وبالاساس لقوة فعل الديناميات التاريخية التحولية الازدواجية، وفي مجتمع مايزال يعيش زمن ماقبل النطق عن الذاتية الازدواجية، واقدم فورا ومباشرة بعد الاحتلال على ثورة هائلة من دون تعبير كوني محايث من طبيعتها، ومع نوع التحدي الماثل المتشكل بسرعة، وجد مجتمع اللادولة المابين نهريني نفسه امام تحدي القفز المواكب للحالة، كتدبير حافظ ضروري لاستمرار كينونته وفعله بالايقاع التاريخي والبنيوي، ظاهرا وبناء لماتقتضيه المتغيرات، ماقد تطلب وقتها العبور من القبلية، والانتظارية التجديدية الدينية المستمرة حاضرة وغالبة، الى نوع من الحداثية الاستبدالية التي تعيد انتاج وتكرس الازدواج، مع حفظ النوع. وهو ماتوفرت احدى مسوغاته متمثلة بانقسام الغرب، وازدواجيته وانقسامه بعد الثورة الروسيه ونظامها.
وحينها وفي السياق، تحضر كما حدث واقعا، الاستثنائية (الصدفوية)، عن طريق شخص من خارج البنية المجتمعية الغالبه والاساسية، مسيحي من منحدر موصلي، جاءت ( الصدفة البحته) بابيه الى البصرة، ليعمل في الميناء نوتيا، وليضع (يوسف سلمان يوسف) ابنه، في المدرسة الامريكية، بينما يذهب ابنه الثاني داوود الى الناصرية (المنتفك)، ليقيم معملا للثلج، يتردد عليه "فهد" الذي لايعرف عن العراق وتاريخه الفعلي وبنيته، أي شيء، ويحدث ان يلتقي هناك بخياط منحدر من نفس ملته، كان بالأحرى مبعوثا روسيا اسمه فاسيلي، ليبدا حضور ممكنات الازدواج السفلي المضادة للاحادية العليا المركبه من قبل الاحتلال، الامر الذي لم يكن ليحدث لو ان فاسيلي لم يلتق شخصا بعينه، وبمواصفات هي تلك التي يحملها "فهد"، فلم يكن متوقعا لفاسيلي ان يتعرف مثلا على "غالي الزويد"، الزنجي المتبقي ربما من ثورة الزنج أيام العباسيين في جنوب العراق، والذي سيصبح الشخص الثاني الى جانب "فهد" خصوصا في البصرة، ولا كان هذا الأخير سيتمكن اجتماعيا من الاضطلاع بما اضطلع به الى جانب "فهد"( كان بالاصل يعمل خادما في مضائف ال السعدون)، ولتتكرس منهما ومعهما في التاريخ، حالة اغرب استثناء اجتماعي، وقفزة خارقة للبنية والمواضعات المجتمعية، كانت تستحق ان تكتب كرواية ذات مغزى ( صدفوي عبقري ) لو ان الحداثة العراقية لم تكن قاصرة، وضعيفة الصلة بمفهوم واسس التحديث خارج المتداول والمتعارف عليه.
ولا ينبغي ان ننسى كون حزب البعث العربي الاشتراكي، قد تاسس في المدينة ذاتها في وقت لاحق، وضمن اشتراطات اقل استثنائية وخارقية اجتماعية، وحتى مفهومية، فالمنتفك هي موئل النزوع والتجسد العربي، قبل أي نزوع من ذات الاتجاه عرف في العالم العربي، ويسبقه ببضعة قرون، مايجعل من إعادة انتاجه وفق اشتراطات الازدواج الناشئة، امرا مفهوما، علما بان سياقات تشبه سياقات ماحدث للشيوعية من محاولة إقامة حزب قومي بعثي في بغداد وفشلها، قد عرفها هذا التيار ايضا، بما يجعل من سير تشكلهما متشابها تماما، وكانهما طبعة واحدة بلغتين.
اذن عادت الازدواجية العراقية فتكرست، بالضد، وعلى خلاف كلي مع مااراد الحضور الغربي لها ان تكونه، بمحاولة فرض الأحادية، والتسلح بأسلحة النموذج الغربي في الدولة، واهم ماقد لعب دورا في تكرار وإعادة انبعاث الازدواجية العراقية، وبالاساس الكينونة البنوية الرافدينية التاريخيه، يعود الى حد كبير لتدخل اساس لجانب هام من (الصدفوية) لحقت ب، واصابت بنية الغرب وراسماليته، وقد كتب لها "الازدواج" منذ اكتوبرعام 1917 عام احتلال الإنكليز لعاصمة الإمبراطورية العباسية المنهارة، ليدق في قلب التاريخ ناقوس، نفي الأحادية الغربية على ارض الازدواج الرافديني.
عراق من اعلى وعراق من اسفل، تلك هي القاعدة التاريخية الناظمة للعراق الازدواجي الامبراطوري التحولي ووجوده صعودا وانقطاعات، وقد تجلت فبركة من اعلى لدولة " حداثية" مرتكزها افتراض احادي يمحو التاريخ العراقي الحديث، ماقبل الاستعماري الغربي، قام بصفته هزيمه للغرب ونموذجه ومفاهيمه، فاقيم خارج النصاب المجتمعي، وخارج التشكل الوطني والياته الصاعدة غير المكتملة، وباعتماد نمط مناقض لجوهرالراسمالية الغربية المفترض، بالعمل على تغيير علاقات الملكية في الريف العراقي المشاعي كينونة وتاريخيا واصطناع نوع من "الاقطاع الهجين"، وهاتان هزيمتان كبريان اضيفتا للهزيمه العسكرية التي تكبدها الانكليزابان ثورة 1920، غير ان اجمالي حضور الاستعمار قد استثار ردة فعل من نوع استثنائي، حفزتوبررت نوعا من الانقلاب الازدواجي من الأسفل، بدا وكانه من خارج مسار التشكل الوطني والبنية التاريخية ظاهرا،استند لنوع من الفبركة المقبولة والمبررة لأغراض حفظ الكينونه.
وحين يستعمل الشيوعيون مفاهيم الماركسية، والطبقات، والصراع الطبقي، ومفاهيم الاشتراكية، وينسبون انفسهم لها مرتكزين الى وجود كيان "حديث"، وتطور مجتمعي يتيح الحديث عن مثل هذه الأفكار، فانهم يقفون في صف تكريس الفبركة الغربيه من جهه، مع تبرير رضوخهم الى مايخالفها، ويتنافض معها في الجوهر، الامر الذي يضعهم كظاهرة ضمن السياقات والضرورات الوطنية الازدواجية الآنية المرحليه، ومااقتضته من اشكال التحور والاستيهام المفهومي والواقعي، الامر الذي سينسحب لاحقا على مصائر هذه الظاهرة، وتبدلاتها بحسب، ووفقا لتبدلات الحالة، ومسار وتطور عملية الازدواج ضمن الصراع،وتغير اشكال تجليها واختلافهما الجذري في الفترتين الممتدتين مابين 1920/ 1958 و 1968/ 2003 وماقد ترتب على الانتقال بين المحطتين من تغير في موقع ودلالة ومكان ظاهرة الفبركة من اسفل الازدواجية، وانتهاء دورها الاضطراري الازدواجي المضاد، وضروراته، وصولا الى انتقالها وظيفة الى مايعاكس ماقد مثلته ابتداء.
ـ يتبع ملحق ج الأخيرـ
ـ أشباه القرامطة الناطقين بالروسيه