نداءات الديمقراطيين:"حلاوة بقدرمثقوب"

4 أشهر ago

عبد الاميرالركابي
عام 1958 وبعد ثورة مجتمع اللادولة المشاعي العراقي الثانية في 14 تموز من العام المذكور، حصل شيء ذو دلالة ساطعه، كان المفترض ان يثير انتباها غير عادي لدى النخبة السياسية واوساط الحداثة منها بالذات، ذلك هو موت حزب البرجوازية الليبرالية العراقية ابان وبفعل الثورة المعتبرة "وطنية برجوازية"، أي ديمقراطية، المقصود به "الحزب الوطني الديمقراطي" حزب كامل الجادرجي، الذي لم يجد له مكانا تحت وطاة تفاعلات الثورة وعميق تناقضاتها، بالاخص تلك المتاتية بين افتراضية واكراهية من يسمون بالاحزاب والقوى الحديثة المتصدرة للمشهد العام، وبين آليات الثورة واصلها ومصدرها الفعلي الأساس.
ولابد هنا من ملاحظة كون حزب الجادرجي قد تصرف بما يتلائم ويناسب طبيعته الايديلوجية غير الجماهيرية، وغير الشعبية، والاقرب للنخبوية أساسا، قياسا الى الحزب الشيوعي والقوى القومية وبمقدمها حزب البعث العربي الاشتراكي، او حتى الإسلاموية، وبعد بضعة سنوات من التمزق والانقسام المعتاد في التيارات والظواهر العراقية صدوعا لحكم الازدواج المجتمعي التكويني، مال الجادرجي قبل وفاته الى البحث عن "نظرية" أراد ان يلحق حزبه بها، وبعد الليبرالية الشعبوية التي تاسس على قاعدتها الحزب منذ طوره الأول في الثلاثينات، حاول ان يتبنى "الاشتراكية الديمقراطية"، وتيار الاممية الثانية، ولم يكن مثل هذا الخيار نفسه بلا دلالة في الحالتين الشعبوية الأولى الثلاثينية، وتلك التي تمثلت لاحقا بمحاولة الانتماء لتيار الاشتراكية الديمقراطية والاممية الثانيه.
وفي حين كان الحزب الشيوعي قد مال الى تبني نهج مضاد للثورة ومضمونها، باعتماده شعارـ او ستراتيجيا "الثورة الوطنية البرجوازية"، تجمعت بالمقابل كل القوى المضادة لمجتمع اللادولة في المعسكر الاخر، ووجدت وقتها حالة من الانفصام الحاد، بين مسارات التشكل الوطني الحديث ومقتضياته، وبين قوى الايديلوجيا السابقة على الوطنية الازدواجية العراقية باعتبارها بدلا عن ضائع متعذر، بعد فترة استمرت مابين العشرينات وثورة تموز 1958 الامر الذي سيتجلى من حينه بصورة ازمه انقلابيه وانعطافة تاريخية استثنائية، تنتهي بقيام تدبيرية ثانية على مستوى الدولة، مرتكزها الادماج بين الريعية النفطية والعقائدية الايديلوجية، مع تكريس ملامح أساسية من بنية وتركيب أحزاب الاستعارة بصيغة ونمط وتكوين مستجد، ينطوي على انتقال وتغير في الموقع(1)، من الاقتراب السابق من نبض الصراع الازدواجي ومحركه الاسفل، الى الانحياز ضدة ولاجل الاجهاز عليه بوسائل أخرى غير تلك التي جربت في التدبيرية الاولى، الامر الذي سينتهي ليستقربصيغة دولة 1968/2003 .
في عز مايطلق عليه "الثورة الوطنية التحررية البرجوازية"، يختفي حزب البرجوازيه الديمقراطي، وينتقل الحزب القومي ويتحور سلطويا ليصيرأداة رئيسيه ضمن التدبيرية الثانية الريعية، في حين يواصل الحزب الشيوعي الغناء مطالبا ب"استكمال مهمام الثورة الوطنية"،فتتعمق الى اقصى حد ازمة مايعرف بالوطنية الايديلوجية العراقية، ويصير غيابها بظل استمرار غياب المنظور الوطني التحولي الازدواجي، من قبيل الإحالة الى المجهول، وبالنظر لاشتراطات تشكل "الوطنية الايديلوجية الحزبية" بعد العشرينات وفي اطار إقامة الكيان والدولة وفبركتهما من قبل الاحتلال ابان تدبيريته الأولى، لم يحدث الشيء ذاته اليوم، وظلت الوطنية العراقية الازدواجية هذه المرة تنتظر تمخضات وقسوة اثار التدبير الثاني الريعي، في حين ظلت نفس القوى الايديلوجية خلال هذه الفترة موجودة، تواجه مايتجاوزها، ويتعدى بنيتها وقدراتها على النظر، فعاشت مفتقدة الفعالية، وقد تغير، لابل انتهى دورها وموقعها.
ولن تكون هذه مؤهلة لان تعيد قراءة وضعها بما فيه التنظيمي، ناهيك عن الواقعي الذي تعتقد انها تعبر عنه، او تفترض انها وجدت كنتاج له، فلم تر طبيعة ونوع التحول الحاصل في الوضع، وفي سياقات التشكل الوطني بعد ثورة 14 تموز، وحال تكوينها الايديلوجي المستعار دون تحسس الواقع الذي قامت بالاصل خلافا لمقتضياته، وبالعمد الى فبركته خارج بنيته التاريخية، ولا بالطبع ماطرا عليه من متغيرا ت حاسمه، وهنا ظهر باجلى الصور عمق الضحالة الفكرية والنظرية التي تميزهذه القوى، وقد وجدت فقط واستمرت موجودة بسبب الاسبدال الوطني التاريخي الذي يمارسه مجتمع اللادولة، وبها وباشتراطات الصمت الثاني امكن للاستعاره والمفاهيم الجاهزة، المناقضة في الجوهر للحقيقة الوطنية المضمرة التاريخية العراقية ان تعيش وتظل قائمه.
بناء عليه وخلال هذا الطور من غياب الرؤية الوطنية، وابان صعود الدولة الريعية العقائدية، لم يعرف عن القوى التي بقيت خارجها، او تلك التي دخلت معها في تحالفات مؤقته قبل ان تطرد منها، سوى نغمتين: الأولى هي "الكتاتورية" بلا تعريف محدد، ومجرد خارج حكم القيمية، ودون إيضاح للاليات والكينونة والمصادر، و "الديمقراطية" باعتبارها "حلاوه بقدر مثقوب"، وهذا التعبير ماخوذ من ترسانه الثقافة العراقية في واحدة من امثالها وحكمها البليغة الثاقبه، للدلالة على ممارسة داله على العجز والفقر الفكري المدقع التكراري المقيت، لقوى منتهية الصلاحية، وخارجه من التاريخ.
"الديمقراطية" وسيضاف لسجلها مصطلح اخر هو "الدولة المدنية" ابان فترة الصمت الأخير،هي اشكال من ممارسة "الحلاوة بقدر مثقوب"، وقد تحول الى نظرية بديلة مهيمنة على الوضع العراقي خلال قرابة الستين عاما، ماتزال مستمرة الى الان، هي فصل من فصول عودة الصمت بعد فترة من الاستعارة طرات على الوضع العراقي بسبب حضور الغرب واشتراطاته، وقد تسبب بين العشرينات والخمسينات بظهور نمط من "الوطنية الايديلوجية الحزبية المستعارة"، كنوع مقابل من الفبركة الاستعارية من الأسفل اقتضتها اشتراطات آنية، وبررت وجودها كشكل من اشكال الاستبدال التاريخي المميز للحال العراقي، توقفت الحاجة له وطنيا وتاريخيا مع الثورة المشاعية الثانية عام 1958 وحلول التدبير الثاني الريعي النفطي، ابرز الدلالات واوضحها على انتهاء مهمة ودور القوى الايديلوجية وموقعها المؤقت.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يكون العراق ابانها بحالة "صمت"، قد تكون هي السابقة على النطق التاريخي الازدواجي التحولي، فالعراق الحديث ظل خلال الفترة من القرن السادس عشر الى العشرين يتشكل وطنيا في دورة ثالثة، هي الراهنه، من دون نطق، فلم يتسن ابانه للطور القبلي، ولا من بعده للطور الانتظاري، أداء هذه المهمة التي كانت ماتزال خارج الإحاطة العقلية، وبينما أراد الطور القبلي وان من دون جدوى وبالبداهة، تكريس مفاهيم الغلبه المعتادة بدون جدوى، في حين مارست "دولة اللادولة النجفية" التي حلت محله منذ القرن الثامن عشر، أسلوب ومفهوم الانتظار الذي يعفي أصلا وبالاساس من التصدي لمهمه تقع في المنطلق وبالاساس في عهدة المستقبل والاتي.
وحده الصمت اللاحق على النطق الزائف المستعار، توفر على شعار او مايندرج تحت طائلة شعار "الحلاوة بقدر مثقوب"، فظل هذا مهيمنا على الأفكار والرؤى والتوجهات والبرامج والمشاريع على مدى الفترة من ثورة 14 تموز1958، الى اليوم، الى ان وصل أخيرا درجة من التردي يطاول الهلوسة، بالأخص مع حكم المحاصصة والطائفية، والحثالة المجتمعية والدلالية بعد 2003، وبعد تاييد ومماشاة الغزو الأمريكي والاحتلال وقبول ترتيباته، ابتداء من "مجلس الحكم" وصولا عند اخر العتبات غير المقدسة والمشينه، الى حملة التصدي الاجرامي لثورة اول تشرين 2019 المشاعية الثالثه، وتنامي وعلو صوت فلول المبعثرين في الزوايا من فرسان ال"حلاوه بقدر مثقوب"، ممن يريدون اليوم وبعد وصول الوضع مستويات لاوصف ينطبق عليها من الانحطاط، احياء حزب الجادري الميت في عزه وذروة افتراضية تحققه، بالدعوة الخرقاء الى إقامة حزب "ديمقراطي"، يضاف الى حركات المجتمع والدولة المدنية الممولة من الغرب، مع الدعة لاجتماع بقايا الرمم من أحزاب الحداثة التي تحولت الى جثث متعفنه، ليبدو ذلك كاجراء أخير من إجراءات الالتفاف على الثورة ومحاولة اجهاضها، بادراجها ضمن وهم لاساس له، ثبتت لا صلاحيته الكلية، فضلا عن إمكانية تحققه.
ومرة أخرى وتكرارا..."الديمقراطية"، شعار الشعارات الذي لابديل عنه بسبب العجز الكلي، والقحط والغربة التامة عن التاريخ والبنية والكينونة، شعار المطالبة الجاهزه في الفراغ، بلا سند واقعي، اوبلا فحص للتجارب التي اثبتت عدم جدواه وخراقته عند محاولة التطبيق على واقع يتعداه، ولا يتلائم مع الأسس التي قام عليها في الغرب المنشطر افقيا، بعكس حالة ارض الرافدين الازدواجية التحولية، السائرة الى مابعد غرب، ومابعد ديمقراطية انتهى زمنها ودورها التاريخي في ارض منشاها، والمكان الذي ولدت فيه، وهي سائرة الى المزيد من التازم والتردي وعلامات الموت.
طبعا يمكن اطلاق صيحة "الحلاوه بقدر مثقوب" كفكرة جاهزة معطوبة من قبل أناس يعانون العجز المضاعف المطلق، والخروج من عالم الفكر والتاريخ، وبالاصل العلاقة بالبنية والوجود التاريخي، للهرب من مواجهة الانهيار الشامل الأقصى والخنوع، ولتسييد وهم إمكانية الخروج من الانهيار بدون مراجعه في الجذور، ولا رؤية تضع الأشياء والقوى والشعارات وفي مقدمها شعار "الحلاوة بقدر مثقوب"موضع التشريح، فالديمقراطية المستعملة بابتذال من قبل جهات هي نفسها مهترئة، والإصرار على تكريس الجهل القاتل التدميري، هي اخر طبعات تبرير الكارثة وتبرئة مسببيها، بالدفاع عن موضوعات واشكال رؤى كانت وماتزال هي العامل الافعل في تكريس حال الانهيارالشامل.
يحتاج العراق الحالي لثورة كبرى تاريخية من نوع غير مسبوق، تضع ثورة تشرين 2019 المشاعية الحديثة الثالثة في مكانها الذي تنتمي له، خارج وبالضد من الوطنية الايديلوجية الميتة، بكل الوانها، وخارج شعار"الحلاوة بقدر مثقوب" سترة نجاتها الأخيرة المهترئة، بصفتها ثورة تنتمي لعالم العبقرية الوطنية التاريخية الرافدينية الوطن / كونية، بطورتشكلها الثالث الراهن، بعد الطور السومري البابلي الابراهيمي، والعباسي القرمطي الانتظاري، طور مابعد متوالية: (الاغريق، الرومان، الغرب الحديث الزائفة)، تتركزعلى تعديل المتوالية العالمية الى: سومر/بابل ـ الكوفة/ بغداد. ثم مابعد غرب حديث، أي مابعد "حلاوة بقدر مثقوب"، ذهابا الى عالم "فك الازدواج"، ونهاية المجتمعات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يشمل فعل الازدواج البنيوي الأحزاب الحداثية الرئيسية جميعها مجسدا إياها بصيغتين متقابلتين متعارضتين، وفق إيقاع لايخطيء ( فهد/ عزيز محمد) للشيوعي و ( فؤاد الركابي / صدام حسين) للبعث، ثم ( كامل الجادرجي/ محمد حديد) لتيار الليبرالية الشعبوى الوطني الديمقراطي.