لا يمكن تأييد تظاهرات شباب الناصرية الراهنة، ولكن ليس من الصحيح تخوين كل مَن شارك بها والتهجم عليه!

شهر واحد 3 أسابيع ago

علاء اللامي

أتذكر أنني كتبت - ضمن من كتبوا مع تفاقم وباء كورونا - مقترحا على شباب انتفاضة تشرين الباسلة التوقف عن تنظيم التظاهرات والانسحاب من الاعتصامات في بغداد والمحافظات وترك عدد رمزي منهم في المخيمات للحراسة وتأكيد الاستمرارية. كان ذلك قبل شهر تقريبا، ثم ساد المنطق السليم والتقيد بالتوصيات العلمية لاحقا مع تفاقم الوباء، وتم تمديد الحجر المنزلي على الناس وأصبحت الضائقة المادية - وخصوصا الغذائية والدوائية - شديدة الوطأة على الفقراء والكادحين الذين خبزهم كفاف يومهم ونتاج كدحهم وكسبهم اليومي، رغم حملات التضامن القاعدية السخية والنابعة من طبيعة المجتمع العراقي وذاكرته المشاعية الجمعية الحية والمستنفَرَة في الشدائد التي قام بها غالبا كرماء لا يريدون الظهور في الصورة والفيديوات الاستعراضية الكريهة! ثم جاءت التظاهرات الغاضبة في مدينة الناصرية والتي قامت بها مجموعات قيل إنها "صغيرة وغير معروفة" وسقط فيها شهيد وعدد من الجرحى.
بعيدا عن أية تشكيكات تعودنا عليها، أعتقد أنه لخطأ فادح تأييد القيام بهذه التظاهرات والتحريض على استمرارها، ولكن من الخطأ أيضا تخوين وإدانة جميع القائمين بها وعدم تفهم أسبابهم الواضحة بسبب مترتبات الحجر المنزلي على الناس وهذه ظاهرة عالمية: ثمة تقارير صحافية عالمية تتحدث عن اضطرابات مسلحة وإضرابات عمالية في أغنى دول العالم، وعن هجرة واسعة على الأقدام لفقراء المدن الهندية إلى الريف! كيف لا يحدث شيئا كهذا في العراق، حيث يسيطر أقل من خمسة بالمائة من السكان وهم الحثالات واللصوص الحكوميين وفي القطاع الخاص الاختلاسي على ثروات البلد ويتركون الفتات للملايين، ومع انهيار أسعار النفط أصبح حتى هذا الفتات في نادرا وفي طريقه إلى الزوال، فماذا يفعل الناس؟ هل يكتفون بالتفرج على أطفالهم يعانون الجوع ونقص الغذاء؟ لنتفهم دوافع الشباب الذين تظاهروا ولنحاول إقناعهم بخطأ التظاهر والاصطدام بالقوات القمعية الحكومية في الوقت الحاضر، أما المعاندين منهم والمشكوك بدوافعهم (خصوصا من راكبي الدراجات النارية والملثمين) فينبغي عزلهم وتحذيرهم والتحذير منهم، لما تشكله هذه التظاهرات من خطر أكيد على صحة المتظاهرين أنفسهم وعلى الصحة العامة، أما الأبواق الإعلامية والقنوات الفضائية الحزبوتجارية التي تحرض على استمرار التظاهرات في الناصرية وغيرها فهي جديرة بالاحتقار والمقاطعة لأنها كعادتها تتاجر بدماء الناس لأسباب ودوافع سياسوية قذرة!