ثلاث مقالات مهمة حول المرجعيات الشيعية ومرحلة ما بعد السيستاني والخامنئي

4 أشهر ago

د.علي المؤمن

1-المرجعية الشيعية وخيارات ما بعد السيستاني والخامنئي

مفهوم "حاشية" المرجع

يعني مصطلح "حاشية" المرجع؛ فريقه ومستشاروه والحلقة الخاصة الملازمة له، وهو يشابه توصيف حاشية الرئيس وحاشية الزعيم وحاشية أي متصد بارز لشأن مهم من شؤون الحياة. ويشكل أعضاء حاشية المرجع بمجموعهم فريق العمل المرجعي، وبينهم مستشارون في المجال الفقهي والعلمي، وآخرون في الشأن المالي، أو في شؤون الوكلاء والمعتمدين أو في شؤون الحوزة العلمية، أو الشأن العام.

ووجود هذا الفريق ملازم للمرجعية الدينية منذ نشاتها؛ فهو أمر طبيعي وضروري. إلّا أن تبلور عمل الحاشية واختصاصاتها بدأ مع ثورة المشروطة في ايران وارتداداتها في العراق. لذلك برزت الحواشي شبه المنظمة مع مرجعية السيد كاظم اليزدي ومرجعية الشيخ الآخوند كاظم الخراساني وقيادة السيد عبد الله البهبهاني الغريفي. ثم شهدت تطوراً ملحوظاً في زمان مرجعيتي السيد حسين البروجردي والسيد محسن الحكيم ثم الإمام الخميني.

وكانت حاشية السيد محسن الحكيم وحاشية الإمام الخميني؛ أكثر الحواشي تنظيماً وفاعلية وحجماً في وقتيهما، وهما أول من أدخل الإختصاصيين من غير علماء الدين ضمن حاشيتهما؛ بل أن شؤون الثورة والدولة؛ كرست حضور غير علماء الدين في حاشية الإمام الخميني بعد العام 1979.

و تعد محاولة السيد الشهيد محمد باقر الصدر لمأسسة عمل الحاشية رائدة في مجالها؛ فقد نظّر لتحويلها الى لجان مؤسسية أو مديريات متخصصة ترتبط بها دوائر وفروع، وترتبط بلجنة عليا يترأسها أو يشرف عليها المرجع نفسه. وتقوم هذه اللجان بضبط عمل المرجعية على كل الصعد، سواء العلمي أو الإداري أو المالي أو الإجتماعي والسياسي؛ للحيلولة دون استفحال قوة جماعات الضغط والمصالح. وهذه المحاولة الرائدة كانت جزءاً من نظريته "المرجعية الرشيدة" التي طرحها بعد العام 1975، و أعلن عنها في العام 1979، وبدأ العمل بها بشكل مبدئي.

و قد تطور شكل الحاشية أيضاً بمرور الزمن، وباتت فيها مراتب؛ على أسس البعد والقرب من المرجع، والمستوى العلمي، والإختصاص:

1- أسرة المرجع: وهم عادة أولاده وأصهاره وإخوته من علماء الدين. ويكون الفاعل الأساس بينهم الإبن الأكبر للمرجع، أو الإبن الأكثر فاعلية وتدبيراً وثقة عند أبية، والذي يكون في الوقت نفسه مسؤولاً عن الشؤون الخاصة بالمرجع، وعن المكتب ( بيت المرجعية أو ماكان يعرف بالبراني)، والرابط بين المرجع والحاشية والوكلاء ومسؤولي الدولة. وهو موضوع يتصل بالثقة التي يحظى بها الإبن، والخصوصيات المتصلة ببعض مفاصل العمل المرجعي. وهذا التقليد في المنظومة الدينية الإجتماعية الشيعية ظل متوارثاً منذ بداية غيبة الإمام المهدي، أي منذ عهد السفراء الأربعة قبل 1250 عاماً تقريباً؛ فقد كان الشيخ محمد ابن الشيخ عثمان العمري الأقرب الى أبيه السفير الأول، ثم أصبح السفير الثاني من بعده. وهكذا الشيخ حسن ابن الشيخ ابو جعفر الطوسي، والذي كان يسمى "المفيد الثاني"، ولايزال التقليد متبعاً حتى الآن.

2- حاشية المرجع الخاصة: وهم فريقه الخاص الذي يتكون غالباً من عدد محدود من كبار تلاميذه الثقاة المقربين، ويُطلق عليهم أيضاً "الخواص"، وهم عادة مجتهدون وأساتذة بحث خارج وعلماء دين مرموقون. وهؤلاء يتواصلون مع المرجع بشكل مباشر ويحضرون مجلسه التداولي الخاص. ويكون أولاد المرجع وأصهاره وإخوته من علماء الدين المرموقين ضمن الحاشية الخاصة عادة. وليس من الضروري أن يعمل جميع أعضاء هذا الفريق الخاص في مكتب المرجع؛ بل يكون لبعضهم كياناتهم الخاصة. أما من يعمل منهم في المكتب فهم عادة المسؤولون عن لجان الإستفتاءات والأموال الشرعية وشؤون الحوزة والوكلاء وقضايا الشأن العام. وهي مسؤوليات ليست وظيفية؛ بل ترتبط بالجانب العلمي والإستشاري والتدبيري.

3- حاشية المرجع العامة: وهم الفريق العام الذي يضم عدداً أكبر من الفريق الخاص، ويتكون من أبرز مسؤولي مكتب المرجع وأعضاء اللجان، وكذلك تلاميذ المرجع الأدنى في المستوى العلمي؛ اي أساتذة السطوح العالية (المكاسب والكفاية)، و يسمون "الفضلاء"، وهؤلاء يحضرون مجلسه العام. وهم الأقل تأثيراً في قرار المرجعية؛ لكنهم الأكثر فاعلية في صناعة الرأي العام الحوزوي.

4- حاشية الحاشية: وهم حاشية إبن المرجع (المسؤول عن المكتب) وفريقه، أو حواشي خواص المرجع (الحاشية الخاصة)، وهؤلاء هم الأعلى صوتاً في الأوساط الإجتماعية الحوزوية، ويساهمون في صناعة الرأي العام الحوزوي؛ برغم انعدام تأثيرهم في القرار المرجعي.

وبين طيات الحواشي؛ تعمل جماعات الضغط والمصالح على مد نفوذها للتأثير في الرأي العام الحوزوي. وهي جماعات ينطلق بعضها مما تعتقده فهماً عميقاً لمصالح الحوزة والمرجعية والواقع الشيعي، وتعتقد أنها تقوم بواجبها الشرعي حفاظاً على مصالح المذهب، أي أن منطلقاتها ليست لمصالح ذاتية خاصة بالفعل، بينما تعمل أخرى لمصالحها الخاصة، وإن غلًفتها بمسوغات ترتبط بالمصلحة العامة.

جدير بالإشارة أن تطور عمل المرجعية وكثرة عدد المقلدين واتساع مساحة الشأن العام؛ تسببت أيضاً في تطور عمل مكاتبهم وبلوغها مستويات نسبية من المأسسة. فقد كان مكتب المرجع يسمى "البراني"، مقابل "الدخلاني" الخاص بالعائلة. والبراني هو الجزء الخارجي من بيت المرجع، ويمارس المرجع من خلاله عمله المرجعي ويستقبل ضيوفه. ويدل البراني على معنيين، الأول دلالة على المكان، والثاني دلالة على الإختصاص، أي أنه بمثابة المكتب المركزي للمرجع. ولايزال البراني يستخدم كمصطلح يدل على المكان، بينما بات أغلب المراجع يستخدمون مصطلح المكتب للدلالة على الاختصاص. كما بات مصطلح "البيت" متداولاً في الوسط الحوزوي للدلالة على مكتب المرجع أيضاً.

......................................................................

2-مجلس أهل الخبرة لترشيح مراجع التقليد واختيار المرجع الأعلى

 

ذكرنا في حلقات سابقة بأن استحداث مصطلحات ومفاهيم ومواقع كالمرجع الأعلم أو المرجع الأعلى أو المرجع المتصدي أو سيد الطائفة أو زعيم الحوزة؛ إنما هي اجراءات تدبيرية تنظيمية تنطلق من إشكالية حقيقية، تتمثل في كون جميع الفقهاء حججاً على الناس، في زمن واحد ومكان واحد، في المجالات التي حددتها أحاديث الأئمة. أي أن لكل فقيه حجية الفتوى والحسبة والقضاء والحقوق الشرعية. وتطبيقات هذه الحجية تعني ولاية لجميع الفقهاء على إدارة المجتمع الشيعي دينياً وجزائياً واجتماعياً في الزمان والمكان نفسيهما. من هنا؛ سيكون وضع نظم وحدود من شأنها تأكيد الحيلولة دون حصول التعارض والتزاحم اللذين يؤديان إلى تشتت كلمة الأمة وفرقتها؛ ضرورة لا بد منها في كل زمن.

وليست هذه الإشكالية وليدة اليوم؛ بل هي قديمة؛ قِدم المنظومة الدينية الإجتماعية الشيعية. وقد كان في كثير من المفاصل التاريخية تجاذبات تعيق الوحدة المجتمعية. و كلما كان الواقع السياسي رخواً ومتحركاً؛ كان التفرق والشد يبرز بشكل أكبر. و لعل نموذج انعكاسات ثورة المشروطة على المجتمعين الإيراني والعراقي بعد العام 1906؛ خير دليل على عمق هذه الإشكالية. ففي النجف انقسم المجتمع الى قسمين متعارضين بشدة؛ بسبب انقسام المرجعية العليا بين الشيخ الآخوند الخراساني والسيد كاظم اليزدي؛ فكان جزء من جماعة "الشمرت" النجفية ( تحالف طرفي المشراق والبراق) يؤيد الآخوند الخراساني فقيه المشروطة، وجزء من جماعة "الزكرت" (تحالف طرفي العمارة و الحويش) يؤيد السيد اليزدي فقيه المشروعة ( أو المستبدة كما كان يطلق عليها الخصوم خطأً). وبلغ الأمر مبلغ الصراع المسلح والتفسيق المتبادل بين التحالفين. وقسّم هذا التقسيم المجتمع الإيراني بشدة أكبر؛ فكان الشيخ فضل الله النوري قائد المشروعة في إيران مدعوماً من السيد كاظم اليزدي، وكان السيد عبد الله البهبهاني الغريفي قائد المشروطة مدعوماً من الآخوند الخراساني. وانتهى الصراع بين الفريقين بإعدام الشيخ عبد الله النوري في طهران، واغتيال السيد عبد الله البهبهاني الغريفي.

وفي المقابل هناك مشاهد معاكسة من التعاون بين المراجع، والإذعان لزعامة أحدهم ومرجعيته العليا، وهي الأغلب. وعلى هذا نماذج كثيرة جداً؛ لعل أبرزها ما يعيشه الشيعة في عصرهم الحاضر؛ من تعاون وتفاهم كبيرين بين مرجعياتهم؛ عدا عن تحركات بعض الخطوط الخاصة (أنظر: الحلقة السابعة)

ما أريد قوله أن الأعراف في الحوزات العلمية تنفع أحياناً في تنظيم موضوع تعدد المرجعيات ووحدة القرار العام، والمتمثل بتنازل باقي المراجع عن ولاياتهم وصلاحياتهم في مجال الشأن العام لمصلحة المرجع المتصدي؛ سواء تمثل ذلك في المرجعية العليا كما في النجف الأشرف، أو ولاية الفقيه في قم. وهو الحاصل الآن حيال مرجعية السيد علي السيستاني و ولاية السيد علي الخامنئي. ولكن هذا العرف لايطبق دائماً ولا يلتزم به بعض المراجع؛ مايؤدي الى تشتت النظام العام أحياناً. وهو ماظلت تستغله الأنظمة العراقية السابقة لتمزيق الواقع الشيعي، كما لاتزال تستغله الأجهزة المخابراتية والسياسية للأنظمة المعادية. وبالتالي؛ سيكون لزاماً مأسسة المنظومة المرجعية للحيلولة دون حصول هذا اللون من الشقاق المجتمعي.

ومن هذه الآليات التي يمكن استحداثها؛ مؤسسة مرجعية استشارية عليا تحت اسم "مجلس الحكماء" أو " مجلس أهل الخبرة" أو " مجلس أهل الحل والعقد" أو " مجلس كبار العلماء"، وهم المجتهدون العدول المقبولون شعبياً، والمتفق على اجتهادهم وعدالتهم وفق معايير مؤسسية يتم تثبيتها من لجان تخصصية، ويقرها المرجع الأعلى والمراجع الأخرون؛ لتكون حجة على الجميع. وتناط بهذا المجلس ثلاث مهام:

1- اختيار المراجع الحائزين على شروط التقليد، وطرحهم للأمة؛ لكي يكون تقليدهم مبرءاً للذمة لمن يريد تقليد أحدهم.

2- اختيار المرجع الأعلى الجديد من بين المراجع الحائزين على شروط التقليد، بعد رحيل المرجع الأعلى السابق، أو فقدانه أحد شروط التقليد، سواء مايرتبط بالأعلمية أو العدالة أو كفاءة إدارة الشأن العام.

3- تقديم المشورة للمرجع الأعلى في مختلف شؤون المرجعية، لاسيما ما يرتبط بشؤون الحوزة والشأن العلمي والشأن المالي والشأن العام وغيرها.

وبذلك يتم ضمان عدم حصول تعارض وتزاحم بين الفقهاء، واقتصار فعلية ولاية الحسبة وحفظ النظام على المرجع الأعلى المتصدي للشأن العام، وضبط حركة المال الشرعي، وبلورة القرارات المصيرية ذات العلاقة بإدارة الحوزة العلمية ومؤسساتها، وذات العلاقة بالشأن العام وبالدولة. وحينها كذلك يكون صدور الحكم الشرعي ذو العلاقة بالشأن العام منحصراً بالمرجع الأعلى. وليس المقصود هنا الفتوى بل الحكم. إذ أن الفتوى هي ما يتوصل إليه الفقيه من خلال أدلة الاستنباط، وهي ملزمة لمقلّديه فقط. أما الحكم العام فإنه نافذ على غير مقلّدي هذا المرجع، وهو ما يطلق عليه الأحكام الولائية العامة و الأحكام الثانوية في الشأن العام، وهو غير الحكم الخاص المتعلق بموضوع فردي، الذي لايشكل صدوره تزاحماً مع حكم المرجع المتصدي للشأن العام.

إن الأفكار التي تدور حول المرجعية، سواء المرجعية الرشيدة، أو المرجعية الموضوعية، أو المرجعية المؤسسة؛ ينبغي بلورتها في صيغة معيّنة تستبطن في نضجها تجربة المرجعية على طول التاريخ، وتراعي الواقع بكل تفاصيله. وهذا الجانب هو من القضايا الأساسية التي تواجه النظام الديني الإجتماعي الشيعي في الوقت الحاضر. فتلك الأفكار والنظريات لا يمكن جرّها بتفاصيلها إلى واقع التطبيق؛ لأن الكثير من المهام الموكلة - في هذه النظريات - إلى المرجعية هي مهام المرجع الحاكم أو المرجع المتصدي، باستثناء المسائل التخصصية المرتبطة - مثلاً - بمناهح الدراسة في الحوزة العلمية.

وحيث أن أكثر هذه المفردات يمثّل عناصر تدبيرية مستجدة باتت الحاجة اليها تبرز بمرور الزمان، و لم يعالجها الفقه من قبل، فإنها بحاجة إلى حركة اجتهادية تجديدية تدبيرية واسعة النطاق، لتبيين تفاصيل النظرية وأساليب تنفيذها. وهنا تتفاعل العملية الاجتهادية مع حركة الواقع، على اعتبار أن تلك التفاصيل خاضعة للتطور، حسب متطلبات العصر.

..............................................................

3-واقع مرجعيتي السيستاني والخامنئي ومرجعيات الصف الأول والثاني

 

يعتمد تصنيف المرجعيات الدينية الشيعية على عدد من المعايير، أبرزها: ما استقر عليه الرأي الحوزوي العام الذي تصنعه جماعات أهل الخبرة والضغط، وحجم المرجعیة ومساحة نفوذها الدیني وتأثيرها ونسبة مقلديها في العالم وليس في العراق أو إيران وحسب. أما الأعلمیة والعدالة و الشهرة والتصدي للشأن العام والبعد النهضوي في شخصية المرجع؛ فهي معايير نسبية لايمكن الإجماع عليها في ظل وجود موازين فرعية مختلَف عليها. ووفق هذه المعايير تكون بعض المرجعيات عليا و أخرى صف أول أو صف ثاني. وهي مصطلحات عرفية تدبيرية.

یمکن القول أن المدرستين الأبرز اللتين تتقاسمان مساحة النفوذ الدیني والتقلید منذ حوالي أربعة عقود وحتى الآن، هما مدرسة المرجعين الكبيرين السيد روح الله الموسوي الخمینی والسيد أبي القاسم الموسوي الخویی. وهما الزعیمان اللذان اقتسما المرجعیة العلیا للشیعة حتی وفاة الإمام الخمیني في العام 1989، ولا یزالان یقتسمانها في تلامیذهما و امتداداتهما.

تعود جذور مدرسة السيد الخوئي الى مدرسة زعیم الطائفة السید أبي الحسن الموسوي الإصفهاني في النجف، والتي أنجبت جميع مرجعيات النجف العليا بعد رحيله، كالسيد محسن الحكيم والسيد محمود الشاهرودي والسيد الخوئي, بينما ينتمي الإمام الخميني الى مدرسة الشیخ عبد الکریم الحائري مؤسس الحوزة العلمیة المعاصرة فی قم، والتي أنجبت مرجعيات قم العليا بعد رحيله، كالسيد محمد رضا الگلپايگاني والسيد كاظم الشريعتمداري والإمام الخميني. وبالتالي؛ فإن أغلب المرجعيات العليا ومراجع الصفین الأول والثانی هم تلامیذ الزعیمین الخوئي والخميني، و ینتمیان الی مدرستیهما، وفي مقدمتهما: السيد علي الحسيني السيستاني والسيد علي الحسيني الخامنئي، اللذان یتقاسمان الزعامة الدینیة للطائفة الشیعیة فی العالم ( الحديث هنا عن الزعامة الدينية وليس القيادة ):

1-  السيد علي الحسیني السيستاني: المرجع الديني الأعلى على مستوى العراق وكثير من المسلمين الشيعة في مختلف دول العالم، وهو إيراني من مدينة مشهد، وتعود أصوله الى أسرة مهاجرة من العراق، ويقيم في النجف الأشرف منذ أكثر من (60) سنة، و هو وريث مدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف، وقد تفرّد بالمرجعية النجفية العليا في اواخر عقد التسعينات من القرن الماضي، وتحديداً بعد رحيل مراجع النجف الكبار: السيد الخوئي والسيد عبد الأعلى السبزواري والشيخ علي الغروي والشيخ مرتضى البروجردي والسيد محمد الصدر والسيد حسین بحر العلوم.

2- السيد علي الحسیني الخامنئي: المرجع الديني الأعلى على مستوى ايران وكثير من المسلمين الشيعة في مختلف دول العالم، وهو إيراني مقيم في طهران منذ حوالي (40) سنة، وتعود جذوره الى أسرة عراقية هاجرت الى مدينة خامنه الإيرانية، وهو وريث مدرسة الإمام الخمینی وحوزة قم. وقد برزت مرجعيته في عقد التسعينات من القرن الماضي، ولا سيما بعد رحيل مراجع قم الكبار: السيد محمد رضا الگلپايگاني والشيخ محمد علي الأراكي والشيخ فاضل اللنكراني والشيخ جواد التبريزي والشيخ محمد تقي بهجت.

ويمكن القول أن 80 بالمائة من شيعة العراق وإيران وبلدان الخليج ولبنان وسوريا والهند وباكستان وأفغانستان وآذربيجان وروسيا وبلدان شرق آسيا ونيجيريا ومصر وباقي بلدان أفريقيا وأوربا والأمريكتين، يقلدون السيد السيستاني والسيد الخامنئي. أما الـ 20 بالمائة الباقين من الشيعة المقلدين؛ فإنهم يرجعون بالتقليد الى المراجع الآخرين، سواء مراجع الصف الأول أو الثاني. ولعل أغلب المسلمين والمتشیعین الجدد، ولا سيما في شرق آسيا و أفريقيا وأوربا، يرجعون بالتقليد أيضاً الى السید علي الخامنئي والسید علي السیستاني، وهما المرجعان الأنشط تبليغياً خارج المساحات التقليدية للشيعة.

بيد أن هناك من الشیعة من لایزال ـ بناءً علی فتوی أحد المراجع الأحیاء ـ باقیاً علی تقلید المراجع الراحلين، كالإمام الخمیني والإمام الخوئي والسید محمد الصدر والسید محمد رضا الگلپايگاني والسید محمد حسین فضل الله والشیخ محمد تقی بهجت و السید محمد باقر الصدر ( وهو أقدم مرجع ديني لایزال هناك من یقلده ).

و قد ذكرنا بأن تصنيف المرجعيات الدينية الشيعية على أنها مرجعية عليا أو مرجعية صف أول أو صف ثاني، يعتمد على عدد من المعايير الواقعية، أبرزها: ما استقر عليه الرأي الحوزوي العام الذي تصنعه جماعات أهل الخبرة والضغط، وحجم المرجعیة ومساحة نفوذها الدیني وتأثيرها ونسبة مقلديها في العالم، وليس في العراق أو إيران وحسب. وبالتالي؛ فإن تصنيف مرجعيات الصف الأول أو الثاني؛ لا علاقة له بالمُثل والإشتراطات ذات المداليل الواسعة جداً، والنسبية في تطبيقاتها، والتي يستحيل إحرازها؛ كالأعلمية، ولا هي مقولة فقهية أو علمية، ولا رتبة وظيفية؛ بل هي مقولة إجرائية واقعية عرفية، تدل على المراجع الذين لهم نفوذ ديني ومقلدين يلي نفوذ المرجعين الأعليين وعدد مقلديهم.

يبلغ عدد مراجع الصف الأول في قم والنجف حالياً ثمانية مراجع، هم:

1-  السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم، عراقي يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة السيد محسن الحكيم وحوزة النجف.

2- الشيخ محمد إسحق الفياض، أفغانستاني يقيم في النجف، وهو امتداد مدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

3- الشيخ بشير النجفي، باكستاني يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

4- الشيخ حسين الوحيد الخراساني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

5- الشيخ ناصرمكارم الشيرازي، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة السيد حسين البروجردي وحوزة قم.

6- السيد كاظم الحسیني الحائري، عراقي من أصل إيراني يقيم في قم، وهو إمتداد مدرسة السید الشهيد محمد باقر الصدر وحوزة النجف.

7- السيد موسى الشبيري الزنجاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة السيد حسين البروجردي وحوزة قم.

8- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة السيد حسين البروجردي وحوزة قم.

أما مراجع الصف الثاني في النجف وقم في الحال الحاضر؛ فإن نفوذهم الديني وعدد مقلديهم يلي مراجع الصف الأول، وأبرزهم:

1- السيد محمد صادق الحسيني الروحاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

2- الشيخ حسين النوري الهمداني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخمیني وحوزة قم.

3- السيد صادق الحسیني الشيرازي، عراقي من أصل ايراني، يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة شقيقه السید محمد الشیرازي وحوزة کربلاء.

4- الشيخ جعفر السبحاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخمیني وحوزة قم.

5- السيد علاء الدين الموسوي الغريفي، عراقي يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

6- الشيخ محمد اليعقوبي، عراقي يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة السید الشهيد محمد الصدر وحوزة النجف.

إن البحث في هذه الأسماء وأحجامها المرجعية؛ أساسيٌ عند الحديث عن مرحلة ما بعد السيستاني والخامنئي؛ لأن المرجعين الأعليين القادمين في النجف وقم سيكونان من بين هذه الأسماء الأربعة عشر حصراً.