الرأسمالية المركزية: من الصراع الطبقي إلى التحول الاجتماعي - رؤية استشرافية لما بعد كورونا.

3 أشهر 3 أسابيع ago

مظهر محمد صالح    

تمهيد: يتوجه الصراع الراهن فى معسكر رأس المال المركزي نحو انتزاع الأرباح وتدويرها بمعدلات تراكم عالية صوب تعاظم رأس المال الصحي الاحتكاري وتوجهاته الحالية بالاستحواذ على فرص الربح أو الفائض ذلك بالسعي الحثيث في تكوين بيئة عمل واستهلاك ومعيشة مستقبلية لتحويل الفائض الرأسمالي في القطاعات المنتجة الأخرى. أي قمع فرص التراكم المادي في تلك القطاعات وتقييد فرص الربح فيها وامتصاصه كقوى تراكم تحويلية باستمرار كي لا يصب في مصلحة القطاعات غير الصحية المحتكرة. وإن جميع هذه التحركات في القطاع الصحي الاحتكاري ستظل أداة تقود الصراع بين حقوق العمل والعمال المستجدة لتأمين مقومات الحياة من جهة وبين معسكر رأس المال المتصارع على الفائض نفسه من جهة أخرى.

    فثمة صراعين في قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ويمثلان أساس البنية التحتية للمادية التاريخية historical materialism لمرحلة ما بعد الأزمة الصحية (كورونا ) وهما صراع قوة العمل مع المرض من أجل البقاء وحقوقه في تعظيم الأجر التعويضي عن خسارة ساعات العمل وارتفاع تكاليف العيش ضد الوباء، وصراع آخر هو اشد خطورة داخل معسكر رأس المال نفسه يتمثل بالصراع من أجل البقاء على تقاسم الفوائض التي تتراكم في مرحلة الحرب ضد كورونا. وهذا سيقودنا إلى تحليل مستوى الصراع داخل معسكر رأس المال المركزي إلى مرحلتين :

    المرحلة الأولى للصراع / نشوء النظام الامبيريالي الصحي

    وهي مرحلة مبكرة ابتدات فيها قطاعات رأسمالية جديدة تتمحور حول ملاذات شديدة الكثافة الربحية والعائد على رأس المال لإنتاج الفائض الرأسمالي السريع على حساب خسارة وركود قطاعات أمست ضحية لمرض كورونا وتعطل النشاط الإنتاجي فيها وتولدت لديها محددات وقيود تنظيمية وعمالية وأجرية جديدة لمصلحة استرخاء وبزوغ رأسمالية محتكرة رابحة جديدة يمكن تسميتها (بالإمبريالية الصحية health imperialism) ذلك وبمختلف مؤسساتها التكنولوجية والتمويلية والإنتاجية لتصبح تلك الإمبريالية نمط إنتاج رأسمالي مختلف لعالم جديد متفوق في إنتاج سلاسل دوائية لا تنتهي وأنماط تغذية تتسع مع تراكم فوائض وأرباح الإمبريالية الصحية نفسها. إذ سيؤدي تبدل رأس المال وتحوله داخل معسكرات صراعه المركزية إلى تبدلات فوقية حتمية في طرازات البيئة والحياة والتكيف إلى دخول عالم عيش واستهلاك جديد هو عالم إبعاد شبح العدوى في عملية استهلاكية -إنتاجية تتولى تدريجياً الهيمنة على الفوائض الاقتصادية واستقطابها وتحويلها إلى فوائض وتراكمات كبرى داخل النظام الإمبريالي الصحي الجديد. أي ولادة آليات انتقال كبرى داخل البنية التحتية الرأسمالية وفي مادية تاريخية تتعدى كفاح الرأسمالية نفسها وصراعاتها من أجل البقاء survive conflicts وعلى حساب أو مصلحة انهيار أو انحسار فوائض وأرباح القطاعات المنتجة غير الصحية التي ستخضع بشدة لمطالب العاملين العالية الكلفة فيها جراء المطالبة الأجرية بادغام كلفة القطاع التغذوي والصحي وتأميناتهما الاجتماعية في كلفة العيش وقيمة الأجر نفسه (وهو صراع آخر من أجل البقاء). فضلاً عن تبدل سياسات الإقراض في القطاع المالي وحصول تحول بنيوي في القطاع الرمزي token economy نفسه كجزء من بيئات العمل الرأسمالي المتجددة. لذا سيكون قيد (الكلفة الوقائية Preventive cost constraint) في القطاع الرأسمالي غير الصحي المنتج بمثابة قيد كلفوي على حساب الأرباح الهشة في تلك القطاعات متسبباً لا محالة بنقل الفوائض من القطاعات السلعية والخدمية غير الصحية وبتلقائية عالية إلى الإمبراطورية الصحية كرأسمالية جديدة شديدة الاستغلال والتراكم وبمنتجاتها التي أمست تُستهلك (كحتمية اقتصادية) بين الحياة أو الموت.

    كما ستتكيف السياسات الحكومية والتشريعات في هذه المرحلة من نشوء الإمبريالية الصحية لمواجهة نمط اجتماعي اقتصادي من الصراع المحتدم بين العمل ورأس المال الآخر في مراحله الأولى التكيفية المتمثل بقيد كلفة الإنتاج الصحي في الانشطة الإنتاجية الأخرى من خارج الإمبراطورية الصحية إلى مطالب تعويضية في الأجر تقودها نقابات العمال بقوة ولا سيما من حيث تعويض ساعات التعطل القسرية وتحديد ساعات الاشتغال في ظروف صحية آمنة وتعويضات المرض عند حدوثه، ما يعني الميل الحتمي إلى تقاسم الأرباح والفوائض لمصلحة الأجر من جهة وتحويله بشكل غير مباشر إلى أرباح وفوائض للنظام الصحي الإمبريالي (المهيمن على مفاصل الحياة وحركتها) من جهة أخرى. إذ ستجسد الإمبريالية الصحية دورها بكونها هيئة أركان حرب مستمرة ضد العدو أو المرض المجهول. وهكذا سّتولد الإمبريالية الصحية نظام رأسمالي تناحري شديد الصراع وباتجاهين: الأول صراع رأس المال الصحي health oriented capitalism مع الرأسمالية غير الصحية non health oriented capitalism في الهيمنة الاحتكارية وتطويع السياسات العامة وتقاسم الأرباح والفوائض وتحويلها عبر ماكنة استهلاكية مستجدة وتوزيع عبء تكاليف العمل على الإنتاج غير الصحي القليل الربح. والثاني، ظهور قوة عمالية تعمل في بيئة خطرة باستمرار وأمامها تحديان: العدوى وتجنبها أو الموت. وستبقى تطالب بتعويضات أجرية عالية على المخاطر في ظل تلقي موجات من البطالة والتسريح من العمل في الوقت نفسه، وهو صراع لمقاومة تقليل فرص الربح في القطاعات الرأسمالية الأخرى وتحويلها لمصلحة رأس المال الصحي. إذ تساعد موجات البطالة وتراكمها المستمر في ازدهار سعة الامبراطورية الرأسمالية الصحية المهيمنة والمستجدة لتعبر عن نفسها في إدارة عالم إنتاجي بأنماط مختلفة في إدامة الحياة ببيئة وقائية لم يعتد عليها العالم من قبل، وهي تمتلك في الوقت نفسه القدرة في استعمال الحرب الوقائية وإدارة مؤسسات مقاومة المرض الأزلي وحدها دون غيرها من حيث قوة الاحتكار الرأسمالي.

    وبهذا سيظهر الاقتصاد الرأسمالي المركزي وتوابعه الملحقة (لمابعد كورونا) ولادة بيئة صراع جديدة في مكونات دالة الإنتاج المركزية نفسها وتبدل رأس المال وتحوله في عمليات استيلاء واستحوذ taking over لم يشهدها تاريخ الرأسمالية من قبل، فضلا عن حصول تكييفات (موجبة) متسارعة في التكنولوجيا البيولوجية والهندسة الجينية لمصلحة الامبراطورية الصحية وبيئات العمل المستجدة الكلفة المتسارعة. كما ستمثل استدامة رأس المال الصحي الهيمنة التاريخية على حصة واسعة من الأرباح وتقاسمها ستكون على حساب ولادة ظواهر اقتصادية (سالبة) مستمرة من الركود والتضخم (أي بطالة وتضخم مرة واحدة وباكثر من مرتبة عشرية واحدة وباستمرار) وهو مايسمى: بالركود التضخمي لما بعد كورونا post Coronavirus stagflation. إذ ستقود الظاهرة الركودية للتضخم إلى اضطراب الاقتصاد الرمزي token economy وتأثره بالركود التضخمي نفسه الذي سيصبح أداة مساعدة على ظهور فقاعات سعرية مالية متعددة ومتعاقبة في أسواق رأس المال بسبب تدهور فرص الربح وانتقال الفائض في القطاعات الحقيقية الراكدة والمتضخمة جراء ارتفاع عامل التكاليف والمخاطر الصحية كجزء من كلفة تعويضات المشتغلين وبيئات العمل. أي بما فيها استمرار المطالبات العمالية بالتأمين ضد البطالة القسرية واحتمالاتها الدورية والتأمين على الحياة خوفاً من العدوى أو  (العدو الوبائي) المجهول كما أشرنا آنفاً لقاء التكاثر التلقائي والمستمر لهوامش البطالة في قطاع الأعمال غير الصحية. إن مثل هذا التبدل في أنماط الإنتاج والصراع في البنية التحتية الرأسمالية (سواء في علاقات الإنتاج  أو قوى الإنتاج) جميعها ستقود لا محالة إلى انهيارات في Hسواق رأس المال التي غدت تناغم فقاعاتها السعرية الركود التضخمي في القطاع الحقيقي، وهو يضرب النمو في قطاعات هائلة من نشاطات الإنتاج من خارج البيئة الإنتاجية الصحية المهيمنة. فإذا ما مرت دورات الأصول المالية والحقيقية للاقتصاد الكلي بتحت تاثير التقلبات المتسارعة في الاقتصاد الرمزي token economy بسبب الركود التضخمي في نشاط الإنتاج الرأسمالي غير الصحي، فإن الاقتصاد الرأسمالي المركزي سيدخل في نفق مرحلة طويلة من البطالة والإفلاس والكساد، والذي سينتقل مباشرة إلى القطاع الرمزي نفسه وانشطاره بين قوى خاسرة جراء فقاعة الركود التضخمي وقوى تتمتع بالركوب المجاني الربحي profitable overriders. أي أنها ستعتاش على انسحاب القطاعات المنتجة المتعثرة بالركود التضخمي ولمصلحة انتعاش الأصول المالية للقطاع الصحي نفسه. كما سيرافق ذلك توافر سياسات حكومية لدعم سيولة الاقتصاد وهو ما يعبر عنه بسياسة التيسير الكمي QE إذ أضاف البنك الاحتياطي الفيديرالي في الولايات المتحدة قبل أيام ترليوني دولار من الأصول الرديئة وأذونات الخزينة في محفظة موجوداته لضمان سيولة النشاط الاقتصادي الحقيقي عبر الاقتصاد الرمزي ولكن ستصب في النهاية بصورة تراكمات كبيرة لمصلحة الرأسمالية الصحية الاحتكارية التي تمارس الحرب ضد وباء كورونا.

    المرحلة الثانية من الصراع / نشوء الرأسمالية الاجتماعية

    كما بينا آنفاً أن الصراع داخل معسكر رأس المال المركزي سينتقل ويتوزع مباشرة بين سياسات الحكومة والقوى العاملة العاطلة والرأسمالية الخاسرة من جهة وتحوله إلى صراع داخلي مع الرأسمالية الصحية الاحتكارية والقطاعات الواسعة الملحقة بها من جهة أخرى، مما ستولد جهة صراع اجتماعي قوية تتحالف فيها القوى العاملة والرأسمالية الحقيقية المتضررة من الاحتكارات الرأسمالية الصحية. في حين ستتوجه السياسات الحكومية إلى تصحيح المسار في خضم الصراع الفوقي والصراع البنيوي التحتي نحو تحريك دوال الإنتاج واستقرار علاقاتها. وستستقر في نهاية المسار إلى تفكيك فوائض القطاع الصحي الاحتكارية وطغيانها واستبدادها بفرص الربح على حساب جروح وآلام النظام الرأسمالي نفسه. وهنا تاتي التسوية التاريخية بغية استقرار التكاليف في القطاعات الأخرى المنتجة والقضاء على مظاهر الركود التضخمي وتحويل فوائض القطاع الصحي وإعادة توزيعها إلى مشاركة إنتاجية في القطاعات الأخرى وهي بداية النهاية للنظام الرأسمالي الإمبريالي الراهن برمته ونشوء الرأسمالية الاجتماعية social capitalism الأكثر استقراراً وازدهاراً.