تداعيات كورونا على الوضع الاقتصادي والسياسي العالمي كما يراها كاتاسونوف

غلاف كتاب لكاتاسونوف
3 أشهر أسبوعين ago

علاء اللامي

لفهم تداعيات كورونا على الوضع الاقتصادي والسياسي العالمي لنطلع نقديا على رؤية العالم الروسي كاتاسونوف: كورونا كبديل للحرب العالمية لإقامة نظام عالمي عبودي جديد ونقدنا لهذه الرؤية. هذه فقرات مختصرة من مقالة للعالم الاقتصادي الروسي البروفيسور فالنتين كاتاسونوف بعنوان (فيروس كورونا بدلا من الحرب العالمية)، وللمزيد من التفاصيل يمكن متابعة الحوار الذي أجري معه في الرابط بنهاية المنشور، وسأخصص منشورا لاحقا لتوضيح وجهة نظري الشخصية وتحفظاتي على هذه الرؤية أو النظرية بالتفصيل:
1-أجرى كاتاسونوف مقارنة بين الأزمة الاقتصادية في جائحة كورونا، والأزمة الاقتصادية التي سبقت الحرب العالمية الثانية، مشيرا إلى أن هناك تشابها كبيرا بين الأزمتين مع اختلاف عناصر التخريب، وأن فيروس كورونا حل محل الحرب العالمية في عصرنا الحديث. وفي التفاصيل يقول:
2-قبل تسعين عاما، أي في 1929، نشبت أزمةٌ اقتصادية عالمية كانت بدايتَها موجةٌ من الذعر في بورصة نيويورك. وما إن أشرف ذاك العام على نهايته، حتى تجاوزت الأزمة حدود بورصة نيويورك، فأدت إلى إفلاس عدد كبير من المنشآت الصغيرة والكبيرة، وتوقفها عن العمل، وتسريحِ مئات الآلاف من العاملين فيها. وبحلول العام 1930 كانت الأزمة قد عمت أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتحولت إلى أزمة عالمية.
2-استمر تدهور الإنتاج في كل مكان حتى عام 1933... وانهار ما يربو على 135 ألفا من الشركات التجارية والصناعية والمالية. وخلال ثلاث سنوات من الأزمة أفلس نصف المصارف الأمريكية، تقريبا.
3-توقف التدهور، وبدأت مرحلة الركود، فبذلت سلطات العديد من البلدان -الغربية - جهودا جبارة لانتشال الاقتصاد من حالة الانكماش التي وصل إليها. وفي هذا المجال، اشتهرت على نطاق واسع أفكار جون كينز(1883- 1946)، الذي دعا إلى تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية بقوة. عزا كينز سبب الأزمة إلى الاختلال الناجم عن ارتفاع مستوى انتاج السلع والخدمات من جهة، وانخفاض مستوى الطلب القادر على الدفع، من جهة أخرى- أي ما سبق أن تحدث عنه كارل ماركس، في مؤلفه "رأس المال"، منذ ستينات القرن التاسع عشر.
4-كانت السلطات الأمريكية الجهةَ الأكثر مثابرة في تبني أفكار كينز، بعد أن تبوأ روزفلت منصب الرئاسة في عام 1933. أعلن روزفلت عن "الصفقة الجديدة" (New Deal)، التي خففت من وطأة الوضع في البلد، إذ مولت الدولة برنامج الاشغال العامة. ووفَّرَ هذا البرنامج العمل، والحد الأدنى من موارد العيش لملايين الأمريكيين البسطاء، ولكنه لم ينجح في انتشال أمريكا من الركود. ولم يتسن التغلب نهائيا على الفقر المدقع، وبحسب تقديرات مختلفة، مات في سنوات الأزمة والكساد الاقتصادي من 5 إلى 6 ملايين شخص في أميركا وحدها.
5-إبان تلك الأزمة، كان الاتحاد السوفيتي وألمانيا الاستثناء الوحيد، إذ شهد الاتحاد السوفيتي في ثلاثينات القرن الماضي تطورا ديناميا، من خلال التصنيع؛ وقدم مثالا للعالم كله على أفضليات النموذج الاشتراكي في الاقتصاد. أما ألمانيا، التي عانت في بداية الأمر من الركود، ككل أوروبا، فقد أخذت هي الأخرى تتطور بسرعة بعد وصول هتلر إلى السلطة عام 1933، وشهدت ما عرف "بالمعجزة الاقتصادية". ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن المصرفيين الأمريكيين، والإنكليز جزئيا، كانوا آنذاك يغذون ألمانيا بالأموال.
6-طرائق كينز، إذن، لم تصنع المعجزات. وكانت الأوساط الحاكمة في الغرب تميل إلى فكرة أن الحرب قد تكون المخرج الوحيد من الركود الاقتصادي المزمن، حرب كبيرة على صعيد العالم بأسره ... وعشية تلك الحرب كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مَدين دولي في العالم، وبنهايتها الحرب صارت المقرض "الدائن" الأكبر، وتحول الدولار إلى عملة عالمية، إلى جانب الجنيه الاسترليني.
7-كان ثمة اعتقاد بأن الحرب ستشطب كل الديون، وستختفي معها الاختلالات في الاقتصاد، وسيبدأ تطور عاصف مع تصفير ميزانيات الاقتصاد الوطني للبلدان المعنية. كانت البلدان المَدينة تحلم بالانتصار على دائنيها، أو حتى بتدميرهم. أما البلدان الدائنة فكانت تحلم بالاستحواذ على أسواق المَدينين وثرواتهم الطبيعية، والحصول على تعويضات من المهزومين تقدر بالمليارات...وهكذا، صارت الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في أيلول/ سبتمبر عام 1939، وسيلة لخروج الرأسمالية العالمية من الركود المديد، وما ينطوي عليه ذلك من مخاطر.
8-في القرن الحادي والعشرين: عاش العالم أزمة مالية واقتصادية شاملة ما بين عامي 2007 و2009. هذه الأزمة لم تؤد إلى إزالة جميع الاختلالات المتراكمة في الاقتصاد. فبعد أن انتهت الفترة العصيبة الأولى في عام 2009، حل الركود الذي كان من المفترض أن يليه انتعاش. وها نحن في العام 2020، ولا وجود لانتعاش حتى الآن.
9-لنقارن: في الثلاثينات من القرن الماضي استمر الركود من عام1933 حتى عام1939. كان ذلك تعفنا مزمنا مضنيا، قطعته الحرب. أما الركود بعد أزمة 2007 - 2009 فمتواصل للعام الحادي عشر على التوالي. ونحن هنا مرة أخرى أمام تعفن مضنٍ.. صحيح أن منافس الغرب، الاتحاد السوفيتي، لم يعد له وجود، ولكن برزت الصين بوتائر نموها الاقتصادي غير المسبوقة. ودينامية الصين الاقتصادية في العقود الثلاثة الأخيرة يمكن تسميتها دون تردد، بـ "طور النهوض". ...فبات على الغرب أن يفعل شيئا ما. لا شك أن فكرة إشعال نار حرب كبيرة مرة أخرى قد خطرت، أكثر من مرة، في بال ممثلي الأوساط الغربية الحاكمة.
10-فكرة الحرب مغرية جدا، ولكنها في الوقت نفسه تنطوي على خطر الهلاك وتؤدي حتما إلى استعمال أسلحة الدمار الشامل. ولكن بدلا عن حرب ساخنة، يمكن أن تشنَّ حربٌ باردة، يفضل البعض تسميتها اليوم، بالحرب الهجينة... ولكن ذلك كله لا يعطي السلطات صلاحيات تخولها الانتقال من أساليب السوق في إدارة الاقتصاد، إلى الأساليب الإدارية- الإملائية. وهذا يعني أن التغلب على الاختلالات الاقتصادية لن يُدرك، هذه المرة أيضا.
11-هنا ظهر فيروس كورونا. بدأت السلطات الغربية بتضخيم حالة الذعر جراء ذلك، وخلق جو من الرعب في المجتمع. وباستغلالها حالة الرعب، تمسك السلطات بصلاحيات غير محدودة وتبدأ بالتدخل في الاقتصاد. ولكن التسيير الإداري- الإملائي لن يدوم إلى الأبد. فما أن تُصحح اختلالاتُ الاقتصاد حتى تعود ثانية أساليب السوق في الإدارة والتسيير، وتبعث من جديد تلك الرأسمالية، ويبدأ الانتعاش الذي يتحول إلى نمو اقتصادي.
12-يفترض بعض الخبراء أن نظام "حالة الطوارئ الاقتصادية" سيمتد حتى نهاية هذه السنة، وعلى أقصى حد، حتى أواسط السنة القادمة. وسنشهد حالات إفلاس على نطاق واسع.. ستلغى ديون ومطالب بتريليونات الدولارات، وستنهار "رسملة" الشركات... وبعد ذلك سيستعيد الاقتصاد "أنفاسه" من جديد. إن "الحرب الفيروسية" لن تنتهي حالما تسجل الإحصاءات الطبية انخفاضا ملحوظا في عدد حالات العدوى والوفاة بفيروس كورونا، بل ستنتهي عندما تصل أسواق الأسهم إلى الحضيض. وفي هذه اللحظة سيشتري "أصحاب الأموال" كل الأصول التي فقدت قيمتها.. وسيبلغون مستوى جديدا من السيطرة على الاقتصاد العالمي. وعندما تنتهي جولة النمو الاقتصادي الجديدة، سيدخل الاقتصاد مرحلة انحسار... وعندئذ ستخترع السلطات الحاكمة مرة أخرى (فيروسا) ما. ومرة أخرى ستتكرر تمثيلية "مكافحة الجائحة". تلكم هي الترسيمة الجديدة، نوعيا، للدورة الاقتصادية التي لم يبق لنا إلا أن نسميها "الدورة الاقتصادية- الفيروسية".
13-إن "أصحاب الأموال"، الذين دبروا الجائحة الحالية، لن يكونوا في حاجة إلى تطور اقتصادي دوري بلا نهاية. ما يعنيهم هو الهدف النهائي، أي فرض سلطتهم على العالم؛ فهم يحلمون بإقامة نظام عالمي جديد لا وجود فيه لدول قومية.. نظام تترسخ في ظله حكومة عالمية.. وعندئذ لن يكون لهذا النظام ما يجمعه بالرأسمالية الكلاسيكية، بل سيكون من الصواب تسميته بنظام العبودية الجديد، أو الاقطاعية الجديدة.
14-لقد عرَّت الحرب الفيروسية منذ بدايتها، مخططات النخبة العالمية، وسلطت الضوء على عملائها، وكشفت كثيرا من أسرار نشاطها التخريبي. سترغم هذه الجائحة ملايين البشر في العالم على التفكير بما لم يفكروا به سابقا، عندما كانوا يظنون أن مشروع النظام العالمي الجديد مجرد خيال من خيالات أنصار نظرية المؤامرة. والآن، ستتجلى النتيجة (وها هي تتجلى فعلا) في استعداد ملايين البشر حول العالم للنضال ضد "أصحاب الأموال"... أما الكفاح ضد فيروس كورونا، فليترك للأطباء وغيرهم من أهل الخبرة وذوي الاختصاص. في منشور لاحق سأطرح تحفظاتي ونقدي لبعض أوجه الخلل والضعف المنهجي هذه الروية التي طرحها كاتاسونوف وقبل ذلك سأقارن بين هذه الرؤية للعالم الروسي وبين رؤية في الموضوع نفسه للباحث العراقي الاقتصادي مظهر محمد صالح.
1-رابط يحيل إلى النص الكامل للمقالة:
Image removed.http://www.albadeeliraq.com/ar/node/2810
2-رابط يحيل الى حوار تلفزيوني مع البروفيسور كاتاسونوف يوضح الكثير مما ورد في المقالة المذكورة:
Image removed.https://www.youtube.com/watch…