قراصنة القرن الحادي والعشرين!

شهر واحد أسبوع واحد ago

سلام موسى جعفر

قد يذهب ذهن القارئ الى بحر العرب والمحيط الهندي وهو يقرأ العنوان أعلاه. فتظهر ساعتها صور الزوارق السريعة التي يقودها شبان مغامرون من الصومال وهي تستولي على سفينة تجارية كبيرة، سيطلق سراحها بعد أن تدفع الفدية! لا، أعزائي، ليست قرصنة هؤلاء الشبان هي التي تتناولها سطوري، بل هي قرصنة يجيزها القانون الأمريكي! وأنصح من أوهم نفسه بقيم الديمقراطية الامريكية وسائر أخواتها، تجنب مواصلة قراءة الموضوع حتى نهايته، فلست مسؤولا عن تداعي تلك الأوهام ولا أتحمل ذنب صدمة قد تصيب أحدهم.

المعهد البحري الأمريكي وفي أجواء الحرب التجارية الأمريكية المعلنة على الصين وانتشار فايروس كورونا، يرى أن من شأن حجم كبير للأسطول البحري التجاري الصيني، أكرر التجاري، أن يشكل خطرا على الولايات المتحدة الأمريكية! ومن منطلق أن قوة اقتصاد البلدان يقاس بحجم أساطيلها البحرية التجارية، اقترح العديد من كتاب المعهد الأمريكي في سلسلة من المنشورات الى إصدار وثائق خاصة تسمح للشركات البحرية الامريكية الخاصة بالاستيلاء عنوة على السفن التجارية الصينية في عرض البحر ومصادرتها! أكرر مصادرتها وليس احتجازها مقابل فدية! ومن شأن الاستيلاء على السفن التجارية الصينية، حسب وجهة نظر كتاب المعهد، أن يضعف اقتصاد الصين، ويعرضها الى عدم الاستقرار ويمنع الخطر عن الولايات المتحدة الامريكية! علامة التعجب أضعها لمن يستغرب، وبالنسبة لي شخصيا لم أعد أستغرب مثل هذا التفكير لدى النخب التي تخدم النظام الرأسمالي. لان تفكيرها في أغلبه ينطلق من جينات استعمارية موروثة. ولا يخفى على الكثيرين أن القرصنة كانت واحدة من مصادر التراكم الرأسمالي الأساسية للفترة ما قبل ولوج الرأسمالية مرحلة الامبريالية. إضافة الى المصادر المتعددة الأخرى للتراكم المذكور. ما يثير دهشتي في الموضوع أن القرصنة كانت مشرعة بقوانين تسمح بموجبها للجهات الرسمية إصدار اذونات خاصة تمنح لسفن معينة أو شركات بحرية أو أشخاص يشتغلون في البحر تسمح لهم في الاستيلاء على سفن دولة أخرى. الدول الرأسمالية البحرية توصلت الى اتفاق مشترك على إلغاء تلك القوانين بموجب سلسلة من المعاهدات بين الدول في القرنين التاسع عشر والعشرين. إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية، كعادتها، لم توقع على تلك المعاهدات. غير انها في الواقع العملي ولأسباب سياسية وليست قانونية امتنعت منذ العام 1907 عن إصدار هذه التراخيص. ولم تلغ القوانين التي تسمح بإصدار تراخيص القرصنة حتى هذ اليوم الذي اكتب فيه هذه السطور. وعلى هذا الأساس يعتقد كتاب المعهد ان من حق أمريكا قانونيا، ما دامت لم توقع على المعاهدات الدولية، ان تعود مجددا الى إصدار تراخيص القرصنة، فالدستور الأمريكي يسمح بذلك، حسب وجهة نظرهم!
ومن اللافت للنظر درجة الوقاحة التي وصل اليها كتاب المعهد البحري الأمريكي عندما نعتوا الحجم الكبير للأسطول البحري التجاري الصيني ب "العدوان الصيني في البحر".
وحسب الصحيفة الروسية التي نشرت مقالا بنفس العنوان دار حول دعوة كتاب المعهد البحري الأمريكي لإصدار تصاريح للقراصنة تسمح لهم بالاستيلاء على السفن البحرية التجارية الصينية فان هذا "يشير إلى مستوى هؤلاء المحللين الذين يملؤون الآن العديد من مؤسسات الخبرة في الولايات المتحدة. يبدو أنهم منفصلون عن الواقع تماما ولا يجيدون حساب عواقب اقتراحاتهم المجنونة حتى خطوة واحدة إلى الأمام، ناهيكم بالعواقب بعيدة المدى. على ما يبدو، هم يفترضون، بسذاجة، أن الصين لن ترد على الولايات المتحدة، ولا يفهمون حتى أن بكين لن تكتفي بالرد المتناظر. علاوة على ذلك، فليس لدى المؤلفين أي فكرة على الإطلاق عن عواقب قطع العلاقات التجارية مع الصين على أمريكا"

ملاحظة: منشوري ليس دفاعا عن الصين، بل لتعرية الوهم الأمريكي!