انتفاضة عراق ممنوع من الوجود/6 ب

شهر واحد ago

عبدالاميرالركابي

في مقدمة شعارات مايعرف ب "الوطنية الاحادية الايديلوجية" وجريا على معتاد شائع وفق منظومة مفاهيم "حركة التحرر العالمية"، فان العراق قد عانى في العصر الحديث مثله مثل عشرات البلدان خارج اوربا، من الهيمنة او السيطرة الاستعمارية الغربية، السياسية والعسكرية، والاقتصادية، وان المهمة الكبرى التي صار على المجتمع العراقي الاضطلاع بها في القرن العشرين، هي إزالة وطاة الهيمنه والنفوذ الغربيان بمختلف اشكالهما، من يرفع هذه الشعارات ومايتصل بها، معلوم الشكل والهويه والانتساب، بالاخص حبن يكون قد وضع نفسه بموقع الطليعة وراس حربة النضال لاجل التحرر الوطني، مع مايرافق دعوته من الوعد ببناء مايعرف بالبلدان والمجتمعات "الحديثة"، و"العصرية"، ليبرالية كانت او "اشتراكية".
هذه الظاهرة بوجهيها كما يتجليان عالميا، من النافل الغوص بين تضاعيفها، مايخرج عن مجال بحثنا الرئيسي هنا، فما يهمنا بالدرجة الأولى الوصول الى ما تمثله، وماهي منتمية له فعلا وواقعا في حالة "العراق"على وجه التعيين، الامر الذي ينسحب على المنطقة الشرق متوسطية، وقد يصل الى العالم، وبالعودة للمنطلق الذي افتتحنا به هذا الحديث، نعيد طرح السؤال شبه البديهي عن حقيقة مايعرف بالهيمنة الاستعمارية الغربية، شكلها ونوع تجليها، واشكال تمظهرها، وهل هي كما وقعت في العراق، تشبه او من نفس نوع مثيلاتها فيما يعرف بالعالم الثالث، او مجمل المدى الذي لم تنبثق الثورة البرجوازية فيه، على فرض انها كما يشيع الغرب تضليلا، حتميه بنيويا وتاريخيا على مستوى المعمورة.
هل ثمة مايبرربهذه المناسبة اعادة النظر في، كما إعادة صياغة المفهوم المتصل بظاهرة الغرب، وماعرف بالاميريالية واشكال تجليها؟ مثل هذا الميل سوف يتطلب من الأسباب والمبررات ما يجيز مثل هذه النية، وان يكن من خلال حالة قد تبدو خاصة ومفردة تتعلق بموضع او مكان بعينه، لاشيء يمنع وتكرارا من ان تكون فرصة تعيد استظهار، ماينطوي عليه من "خصوصيات" استثنائية، قد يكون لها طابع وفعل كوكبيان، حتى وان ظلت مضمرة تحت طائلة وبظل حضور الغرب وظاهرته، ونوع الاثار التي كان عليه ان يتلقاها ويتحملها، مع انها اتسمت بالدرجة الأولى بالاصرار على الالغاء والحجب المانع للوجود، تمثلت في :
ـ اقتطاع اكثر من ثلاثة قرون ونصف من تاريخه الحديث، السايق على الحضور الغربي، واسقاطها كليا( عدا عن دلالات ومميزات تاريخه السابق الأطول والاغزربين تواريخ العالم ودوراته الكبرى ) وارغامة على الالتحاق بالظاهرة الغربية، وسوقها الراسمالية العالمية، وتحديدا من 1831 مع محو أي وجود "حديث" له قبل ذلك التاريخ، الا مايتعلق فقط بتشكله الكياني المفترض اعتباطا، والمسقط عليه مفهوميا وتخطيطا مكتبيا، وصولا الى كذبة مايسمى وحدة سوقه الوطنية .
ـ الغاء تكوينه وبنيته الكيانية التاريخية الازدواجية الإمبراطورية، لصالح "كيانية أحادية" مقحمه، ومخضعة لنمط ونوع كيانية ودول الغرب المحلوية، مع اقصاء ونبذ احتمالية وجود نمط كيانية تجلت تاريخيا تكرارا وحتميا على مستوى المعموره خلال دورتين تاريخيتين كبريين واساسيتينن، هي الكيانية " الازدواجية مافوق الوطنية" او مافوق المحليه، وجودا وكينونه وسياقا استمراريا تاريخيا وتصيرا.
ـ اخضاعه للطبقية وقوانينها، البرجوازية الليبرالية، او الصراعية الاشتراكية، وثالثها القومية، المنتمية بجملتها للمقطع المجتمعي الطبقي والكياني الغربي، بالضد من كينونته الصراعية الازدواجية المجتمعية وانشطاره العمودي، وتخصصه ببلورة نمط تعبيرية مجاله الإقليمي، حيث الابراهيمة هي الذات التاريخية، العرب لم يصبحوا جزءا عضويا من منطقتهم،الا بعد ان انتسبوا لها، مع انتقال لغتهم الى القرآنية الابراهيمية، نابذه الشعرية، الجاهلية المعبره الأولى التاريخية عنهم كعرب ابان ما قبل ابراهيميتهم، هذا مع ماقد اضطلعوا به من دور أساس بخروجهم من الجزيرة العربية، ماقد صب بالدرجة الأولى في إعادة تكريس الابراهيمية، وتامين الأرضية ومقومات دفعها الدفعة الكونية الثانية، بعد الأولى المسيحية، بايصالها الى الصين والهند ضمن اشتراطات فعاليتها وتصيرها العضوي، وبالدرجة الأولى تحريرهم الاليات الازدواجية الرافدينية بعد انقطاعها الأول اللاحق على سقوط بابل، ماهيأ أسباب عودة الإمبراطورية الازدواجية الكونية، واضطلاعها بدفع وتوفير الاسباب المادية لانتقال العملية التاريخية على مستوى المعمورة الى مشارف الثورة الالية البرجوازية الاوربية الحديثة.
تلك عموما واجمالا اهم وابرز اشكال وطاة الغرب الذي لم يضطلع، ولم يكن له ان يضطلع بها لولا استناده للظرف، ولماكان عليه العراق والمنطقة، في حينه، ويوم وصوله، من انحدار تاريخي، ووقوع تحت وطاة حالة الانقطاع الذي كان قدحل على المنطقة منذ القرن الثالث عشر مع سقوط بغداد، ليس هذا وحسب، فحالة الانقطاع والتردي الشامل كانت هذه المرة متضمنه ومحكومة الى نوع ونمط تحد انقلابي استثنائي ضمن المسار الصعودي والتصيّري التاريخي لمنطقة الابراهيمية والتحولية، كانت مرهونة بتامين الانتقال من الطور النبوي الالهامي، الى مابعده ، حيث زمن الادراكية العليّه وكشف النقاب عن المكنون والمودع في الظاهرة المجتمعية، بدل اللجوء ، لعبقرية الالهام السماوي، تعويضا عن استحالة ادراك الاليات التاريخية وعملها، وهو ماقد ختم، بمعنى انتهى مع النبوة المحمدية عند القرن السابع الميلادي.
صار المطلوب راهنا استكناه المضمر المتعذر كشف النقاب عنه،الامر الذي يتطلب حضور نمط مناسب ومطابق من العبقرية الاستثنائية، والاشتراطات التي لايمكن تخيل انبثاقها ضمن استمرار حالة التردي الانقطاعي، وهذان سببان كانا اكثر من كافيين لكي يتجه العقل في حال وجوده، وبالشكل المتوقع ان يكون عليه في الشروط الانفه، الى سرعة التماهي مع الظاهرة الغربية الصاعده، واتباعها الاعمى، والاعتقاد بإمكانية، لابل بضرورة وشرط استعارتها بماهو اقرب الى اللجوء لحماها، وصولا للعيش فيها توهما كملجأ، بما كان يسقط الواقع والمعاش،ويلغي عمل الاليات التاريخية، لابل ويحط من دورها ناهيك عن ضرورتها في حال وجد مايدل على حضورها.
وسط هذه الاشتراطات نشات في ثلاثينات العراق الحديث "الفبركة الوطنية الايديلوجية الحزبية" من اسفل، لتكمل مشروع الفبركة الغربية الاستعمارية الكيانية، وعلى مستوى الدولة من اعلى، ومع ان الاحتلال الإنكليزي كممثل للظاهرة الغربية قد اضطر في حالة العراق الى مخالفة طبيعته، وجوهر مشروعه باقامته دولة من خارج النصاب الاجتماعي والتشكل الازدواجي العراقي، فذهب لاعتماد وسيلة فبركة طبقة اقطاعية لااساس ولا وجود لها في بنية العراق وتاريخيه، فان قوى الفبركة من اسفل لم تعتبر مثل هذا المظهر من قبيل الدافع للبحث او التفكير في مستوى ودرجة ونوع عمل الاليات البنيوية الذاتية، ما كان يفوق طاقات هؤلاء الاستيعابية، بالاخص وان الامر كان يتعلق وقتها بظاهرة اتسمت بتعقيد إضافي يمنع على نوع القوى الموجوده مقاربة شكل حضور الاليات الازدواجية التحولية في الزمن الالي الراسمالي الحداثي وكيفياته.
وكما الحال بالنسبه للماضي العراقي وللحاضر الذي جرى اقتطاعه وطمسه، لم يكن متوقعا بالطبع ان يذهب حداثيو الالتحاق بالغرب، او ينتمون باي شكل كان الى ماهو كامن وفاعل حاضر، وان على مستوى التحسس بدون استدلال ولا تحر، في حين جرى الايغال في الهرب منها حيث حدث وظهر مايدل على حضورها، مع مواصلة الإصرار على نفيها ومحو اثرها تحت شتى النعوت والمسميات المستعارة والمنقصه منها من ترسانة الغرب.
لم تكن طامة العراق الكبرى الحديثة متركزه في الغرب وحضورة المباشر، او النموذجي والمفهومي اوالعسكري فحسب، فالاخطر من هذا كان ماولده الواقع المنهار والمنقطع تاريخيا بهذه المناسبة من اشكال رهن الواقع والمنطقة للغرب، مع الإصرار على محو ونفي كل مايعود الى، او قد يتصل بتاريخ وواقع واليات هذا المكان الحيوي الأساسي تاريخيا ومنجزا، وتعالي وبدئية بنيته مقارنة بما يقابله على الضفة الأخرى من المتوسط، مع احتوائه على المودع في الظاهرة المجتمعية والتاريخية التصيريّة من مطابقة بنيوية وتكوينية، إضافة لمالات ومستهدفات، كتب لها اليوم وبمناسبه الظاهرة الحداثية الغربية، ان ترى واحدا من اخطر واكثر فصول مسيرتها نحو أهدافها خطرا و احتشادا بالتناقضات والتضاربات غير المالوفة، ولا السابق التعرف عليها من قبل.
خرجت منطقة الابراهيمية من دورتها الثانية وقد غادرت الطور النبوي الحدسي الذي نهايته المحمدية، الى الزمن الادراكي العلّي، لتصبح من يومه سائرة نحو التحول والانتقال الى مابعد المجتمعية،و بعد ثلاثة قرون على وقوعها تحت طائلة الانقطاع الذي حل عليها منذ 1258 دخلت زمن "التفارقية الرباعية" المتضمن اليات الانقلاب الكوني المجتمعي الأكبر، عبر منقلبين الأول زائل، اتخذ شكل الوقوع تحت وطاة اخر متبقيات الدورة الثانية خارج ارض المنشأ ( العثمانية)، والثاني، اعلى شكل من اشكال وممكنات المجتمعية الأحادية المنشطره طبقيا، مع ثورتها الحديثة، وتحولها التاريخي الى الالية والمصنعية الراسمالية، ونموذجها الطاغي الكاسح كيانية، وعلى مستوى الدولة وفي مجال الأفكار والرؤية والسردية التاريخيه.
هل يثب العراق اليوم منتفضا انتفاضته الكونية المنتظرة بعدما ظل خارج ذاته، ممنوعا من الوجود؟ بمعنى هل هو اليوم على مشارف انبثاق وطنيته الازدواجية التحولية، على انقاض قصور العقل التاريخي والانقطاع التاريخي، والهيمنه الايديلوجية الغربية الساحقة للوجود والبنية والاليات باضطلاع واسهام بعض المحسوبين على البلاد ومن هم بموقع اهلها، باسم الحداثة. كل الدلائل عالميا اليوم وفي المنطقة كما في العراق بالاخص، تدلل على حلول تاريخ وزمن "اليقظة"، على انقاض "يقظة الزيف" والالتحاق بالاخرضد الذات، ولاجل محوها، ولنتخيل بناء عليه شكل ونوع وطبيعة وعمق وشمول ماهو في الأفق الرافديني اليوم، حين يبدا زمن الكشف عن المتعذر والمؤجل منذ مايزيد على سبعة الاف عام، زمن بدء تجلي "الوطنية العراقية الازدواجية التحولية الغائبة المطموسة" عبر القرون، بانتظار صحوه للكوكب يتهيأ معها البشر للانتقال من المجتمعية الى مابعدها، ومن "الانسايوان" الى "الانسان".