فنجان قهوة مع كارل ماركس

ماركس في الجزائر
شهر واحد ago

عبد الرزاق دحنون

هل كان ماركس يشرب القهوة؟ أظن ذلك. لأن التبغ والقهوة صديقان حميمان، فقد كان ماركس مُدخناً كبيراً وهو يقول عن كتابه الأشهر رأس المال: لم يكتب أحد هذا الكم من الكتابة عن المال، وهو لا يملك إلا قليلاً جداً من المال. وحاصل مال كتاب "رأس المال" لن يكفي لتسديد ثمن التبغ الذي دخنته وأنا أكتبه.

حسب الموسوعة البريطانية افتتح أول مقهى في انكلترا في زقاق سانت مايكل في كورنهيل، لندن. وكان يملكه باسكوا روزي خادم دانيال إدوارد تاجر السلع التركية. قام إدوارد باستيراد القهوة وساعد روزي في إنشاء مؤسسة اكسفورد لين كوفي هاوس عام 1654و لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. بحلول عام 1675، كان هناك أكثر من 3000 مقهى في جميع أنحاء إنجلترا. وقد أصبحت هذه المقاهي الإنجليزية في وقت مبكر أماكن تجمع تستخدم للمناقشات الدينية والسياسية بين السكان. ومن المؤكد أن ماركس كان يرتاد إحدى تلك المقاهي بين حين وآخر.

في عام 1882 مرض كارل ماركس فنصَحه الأطباء الإنكليز في بريطانيا حيث يقيم مع أسرته بقضاء فترة نقاهة في الجزائر، بعد تعرّضه لمرض ذات الجنب والتهابات في الرئة والتي أنهكت جسده. وصل ماركس إلى مدينة الجزائر في العشرين من شهر شباط/فبراير 1882 على متن السفينة البخارية "سعيد". نزل أولاً في فندق الشرق الكبير، ثم انتقل بعدها إلى فندق أرخص ثمناً في أعالي المدينة مكَّنه ذلك من الاستمتاع أكثر بمناظر جميلة وصفها بدقّة في رسائل إلى أقاربه.

ماركس الإنسان الذي وصل إلى العاصمة الجزائر مريضاً ومرهقاً ومنهاراً بعد رحيل زوجته جيني فون ويستفالين في الثاني من شهر ديسمبر/كانون الأول عام 1881 في لندن، بقي في مدينة الجزائر مدّة 72 يوماً، لم يستطع خلالها الخروج إلا مرّات قليلة، فقد كان شديد الاشتياق والرّقة والعطف على ابنتيه وأحفاده من خلال رسائله، بالقدر الذي كان فيه غير قادر على ممارسة أيّ نشاط فكري، فقد عجز عن تدقيق وتنقيح كتابه رأس المال لطبعة ألمانية ثالثة، وهو ما قام به انجلس بعد رحيله.

نقلت لنا بعض الأقلام أن في زيارة له إلى حديقة في العاصمة الجزائرية لمح مقهى عربياً فجلس فيه يحتسي فنجاناً من القهوة. كتب ماركس في إحدى رسائله إلى ابنته لورا زوجة الصحفي الفرنسي بول لافارغ واصفاً المشهد:

قبل الدخول إلى الحديقة، شربنا القهوة في الهواء الطَلق، في مقهى مغربي، والنادل يُحضِّر قهوة ممتازة، كنا جالسين على كراس أمام طاولة من الخشب في حضور مجموعة من الزبائن العرب. يرتشف كل واحد منهم قهوته من إبريق صغير خاص به. كان المشهد رائعاً.

في هذه الرسالة يصف ماركس بإسهاب لباس زبائن المقهى الجزائريين ويخلص إلى بعض الاستنتاجات من وحي ملاحظاته تلك. غير بعيد من ذلك المكان التقط له صورة بلحيته الكثيفة البيضاء التي يعرفه العالم بها. وفي صباح الغد التالي كتب ماركس إلى صديقه فريدريك انجلس في 28 نيسان/أبريل 1882: بسبب الشمس، تخلّصت من لحيتي، لكن وبما أن بناتي يُفضلنني بها، فقد أخذت صورة قبل أن أُضحِّي بها على مذبح حلاَّق جزائري.