الانهيار الامبراطوري الأمريكي واللاصعود العراقي؟/1

شهر واحد ago

عبدالاميرالركابي
تنتمي المقاربة التي نزمع عرضها الى نوع او نمط مما معروف من المعالجات "الاستراتيحية" كما هي معروفه، لكن بضوء منهجية نعترف بانها غير مختبره، بما انها ماتزال في طور الاستكمال، فمنهجية ومنظور "التحولية المجتمعية" قد يكونان الى الان ابعد من ان ينتقلان الى التطبيق التحليلي، لانهما مايزالان على الأرجح يفتقران ربما للكثير من الركائز النظرية والمعرفيه والاختبار الضروري، ونحن هنا بصدد مناسبة، لامهرب من ان نكون ضمنها تجريبيين وعراة، نقف بصف حالة انبثاق مفهومي مواكب، وناتج عن تمخضات انعطافية على مستوى العالم استمرت مبهمه وتتطلب التفسير، بؤرتها الغزو الامريكي للعراق، واجهازه على الدولة العراقية المعروفة بالحديثة بعد 82 عاما، من اقدام الغرب على فبركتها وارسائها، بخلاف، ومن خارج التشكل الوطني الازدواجي الرافديني، ومن ثم من خارج النصاب المجتمعي.
غير ان ان مانريد الإصرار على اظهاره، ونحن نقارب المتلازمة الانقلابية الكوكبيه المتصلة بالحدث الذي نحن بصدد إعادة قراءته، من جهة، با لاخذ بالاعتبار ماحايثه من احداث انقلابيه، مثل سقوط الاتحاد السوفياتي، وتفرد الولايات المتحدة على قمة هرم القوة والنفوذعلى مستوى المعمورة، وهي لحظة تخرج عن التقدير المتعارف عليه، او الذي ينتسب لمنظومة الرؤية الغالبة الغربية الحديثة المتردية، والتي فقدت حضورها الحيوي، بالاخص لجهة استمرار التمسك بالثباتية والتراتبيه المراحلية الطبقية المغلقة النهايات، والقياس عليها، عدا الانطلاق منها، الامر الذي تجلى وقتها بتعاظم حالةاختلال تفكري قصوى نزعت الى محاولة إعادة تابيد الليبرالية، باعتبارها صفة ملازمة عضويا للراسمالية، لدرجة النزوع بسذاجة وقصدية بدائية الى محاولة الإيحاء بتوقف التاريخ، ومن جهة أخرى، بتحري لزوم قبول، لابل توخي قلب قواعد النظر المعتمدة للتاريخ، والحاصل اليوم، لا اعتباطا، بل للضرورة التي لم يعد منها من مهرب.
ولابد من ان نتذكر ماقد تجلى آنذاك كما لم يسبق ان حدث من قبل، العطب الأحادي التكويني الملازم للحداثية الغربية من بداياتها،ماقد استوجب انقلابا مفهوميا صار ملحا، كان مايزال طي ركامات تاريخ العجز العقلي، عندما لم تكن "التحولية الازدواجية" قد أصبحت قابله للحضورعلى الأقل كممكن قيد التشكل، بينما حدث غزو العراق يحال بناء عليه لاعتبارات اجمالية، ملحقة بمايعرف بمصالح الغرب الأمريكي، ومايتيحه فعل وحضور الامبراطورية المفقسه خارج رحم التاريخ، وذلك ماينطبق علينا نحن من كنا وقتها نناصب العدوان الأمريكي العداء، ونرفضه، انما على قاعدة ومنظومة مفهومية مصاغة في الأساس من قبله، ذلك في حين كان مايجري وجرى منذ أواخر الثمانينات وبدء التسعينات في بلادنا وحولها، يفيض كليا عن منظومة التحري السائدة حينه على مستوى المعمورة ناهيك عما هو متداول في العراق.
لم يكن واردا يومها التصور بان مايجري عند نهاية القرن العشرين، هو تمخض مفض الى انتهاء المجتمعية مع بدء انتها صلاحية وجهها الغالب الأحادي، الامر الذي كان سيبقي المجريات محكومة كما حدث، الى التفسير الغالب وان يكن عند محطته الأخيرة المتبقية والباقية الاجترارية، المشوهة بالغرب خصوصا، وعلى المنقلب الرافديني/ العراقي، كان ثقل ومتبقيات الفبركة، إضافة لثقل ترسبات الاحتكام للطور الابراهيمي النبوي، المنقضي هو الاخر، هي القابلة للتداول البداهي حتى بظل حالة استثناء تاريخية، يفقد عندها الغرب متبقيات دوره، مع انقضاء فترة هيمنته التفاعلية ضمن "التفارقية الرباعية"، قبل ان يبدا تبلورزمن ومنظور التحولية الازدواجية المؤجله منذ الاف السنين، مع مايعنية ذلك من مغادرة وإلغاء لعالم الفبركة الذي ظل ينتظم الرؤية العراقية على مدى القرن العشرين، باسم "وطنية ايديلوجية زائفة" كانت قد بلغت وقتها لحظة الاحتضار التاريخي.
وهكذا يكون ماقد كرسه الغرب الاستعماري نموذجا وتفكرا مع صعوده، وابان غلبته المؤقته ضمن التفارقية الرباعية، قد جرى الاجهاز عليه من قبل الإمبراطورية المفقسة خارج رحم التاريخ، ضمن سياقات انفصالها عن الغرب كمضمون لاينتمي للغرب بنيويا، الا بحسب منطق الفبركة ذاتها المطبقةعلى العراق خلال مايعرف بالعصر الحديث. بهذا وبحسب المنظور التحولي يكون ماحصل بين الولايات المتحدة الامريكية والعراق عند نهاية القرن المنصرم، خطوة انقلابية حاسمه على طريق انتهاء وطاة الأحادية المجتمعية، ومايتصل بها من اشكال تنظيم حياتي ومفهومي، الامر الذي يمكن ان نعثر له على مشابهات فعل تناقضي تاريخية سابقة، وان ضمن نطاق ماقبل التجلي التاريخي للتحولية والازدواج، بمثال الإمبراطورية الفارسية في الطرف المقابل الشرقي للامبراطورية الرومانية، واحتلالها لبابل، وانهائها الدورة الأولى الشرق متوسطية، مستفيدة من عوامل مساعدة ذاتية، وذهابها الى خنق الجزيرة العربية بقطع بعدها، او متنفسها التجاري الحيوي والحياتي، وتهديدها العسكري المباشر، ماقد هيأ المستلزمات الضرورية للثورة الابراهيمية المحمدية الأخيرة في موضع اللادولة الأحادي الاحترابي الاستثنائي، المنتمي لمفاعيل اقتصاد الغزو، بعد تحوله بقوة دفع الاختناق، وتحفيزه، وأنعكاسه كازمة مفتوحة طاحنه لاحل لها، وقعت على القبيلة، وحدته وخليته المجتمعية، ماجعل الأفق مفتوحا امامه للانتقال الى مجتمع متعد للقبيلية، مجتمع العقيدية المحارب، ومنحة ب "الفتح" القدرة على اطلاق الدورة الثانية الرافدينية الإمبراطورية الازدواجية الشرق متوسطية، التي لم تهزم فارس فحسب، بل الحقتها نهائيا والى الابد بالابراهيمة، ومعها المدى الذاهب الى الصين، ماقد استمر الى الوقت الراهن.
بهذا يدخل الحدث الأمريكي ومن قبله الغربي الاحتلالي وفبركته، ليخضع لقانون التفاعلية التاريخية الكوكبيه المزدوجة الغربية الشرقية، حيث التركز من الجهتين الشرق والغرب كقاعدة تفاعليه تاريخية على البؤرة الشرق متوسطية، بانتظار ردة فعلها الأعلى فعالية ونمطية، ونحن هنا بالطبع وكما سبق واشرنا، بعيدين عن، وخارج سياقات المنظور المتعارف عليه وشبه الراسخ في الاذهان عن مسارات التاريخ التصيّري، بالاخص الغربي الحديث، بخلاف واقع كون المنطقة الشرق متوسطية هي بؤرة البدء التاريخي، وانها عرفت دورة أولى تاسيسية، على الصعيد المجتمعي الحضاري الكوكبي، قبل ان تغيب تحت طائلة الانقطاع، ووطاة حضور امبراطوري مزدوج، غربي وشرقي، كان من قبيل الضرورة ضمن السياق التفاعلي التحولي، لاستثاردورة تصيرية ثانية، اكتملت بنتيجتها دوائر الابراهيمية التي استغرقت سبعة قرون، الأولى الشرق متوسطية المنطلق والتخلق، وثانية شرقية إسلامية ذاهبة الى الصين والهند، وثالثة اوربية غربية مسيحيه، هي التعبير الامبراطوري الكوني الاشمل عن المجتمعية اللاارضية، غير القابله للتجسد، الا سماويا، وبمفارقة المجتمعية الارضوية، اتفاقا مع تناقضية الانشطارية المجتمعية، كما الكيانية البنيوية الانسايوانية الجسدية/ العقلية.
اليوم يتجلى شكل مختلف من اشكال حضور الازدواج الضروري التحفيزي، الامر الذي سيصبح جليا، فيتنامى ويتعاظم تفاعلا مطردا بعد 2003/ 2020 كمستجد كامن في التفاعليه بين اخر اشكال الفبركة الغربية، وردود الفعل عليها إقليميا، وبالذات إيرانيا/ فارسيا( نؤجل راهنا البحث في البعد الإيراني ونوع فعله واثره / سلبا وايجابا بحسب طبيعته التاريخية التناقضية/على السياقات التحولية العراقية في العصر الحديث لنركز على البعد الغربي الأمريكي المقصود أصلا من التناول) الامر الذي يتطلب على هذا الصعيد نزع كل المنظور المتعارف عليه حول الكيانية والظاهرة الامريكية باعتبارها كيانية "ازدواجية متاخرة"، ينظر لها الغرب فيفبركها اعتباطا وبقوة المصلحة والحاجة، مستغلا مابيده ومايملكه من الأصول الغربية للمهاجرين الى القارة الجديده، من دون الالتفات الى شعارهم الرافديني الأول التوراتي "سنبني مدينة على جبل" الذي رفعه بداية البيوريتانيون وهم على السواحل الامريكية، مقابل الفبركة التوهمية الغربية لمجتمع مفقس خارج رحم التاريخ، لم يصبح طبقيا يوما فضلا عن ان يكون راسماليا، قبل ومن دون ان ان يكون اقطاعيا، او عبوديا، او مشاعيا على النمطية الغربية، فامريكا عرفت منذ وجودها موجتين من الاستيطان بعضها قد يكون مصدره سيبريا، او حتى ا ارض الرافدين نفسها(1)، لتقوم فوقها ووفقا للممكنات المتاحة للكائن البشري بيئيا حياة وتجربة حضارية ارسيت ونتج عنها "مجتمع لادولة" احادي، غير مضطر، ولا محكوم الى التجلي والافصاح عن ذاته كما حال اللادولة في المجتمع الازدواجي الرافيديني، حيث بناء "مملكة الله على الأرض توراتيا" لازمه وجودية، عرفتها ارض الرافدين الازدواجية ومنجزها الابراهيمي.
ليس للكيانبة المجتمعية الامريكية ابان الهجرة الثانية الحديثة، اية علاقة باشكال المجتمعية الثلاثة: الازدواجي الرافديني، واحادي الدولة، واحادي اللادولة، فهو مجتمع مايزال قيد التشكل، اليات حياته واستمراريتها، تحددها وطاة السائد، وقوة الفبركة الغربية الغالبة كما حالة الكيانية الرافدينية، مع فارق ان الفبركة الغربية للعراق تقوم على طمس وإلغاء نمط مجتمعية حي وقائم وتاسيسي تاريخيا، هو مجتمع وكيانية "الازدواج التحولي"، في حين تسبغ النمطية الاوربية الغربيه، نمط الراسمالية على الكيانية الامريكية التي ماتزال سائرة نحو التشكل، فتصادرها مسبقا، لتدلل على نوع من الخروج القصدي على مايعتبره الغربيون علما "مجتمعيا"، هم من ارسوا قواعده، ليصلوا درجة بدائية من مخالفة ابسط قواعد النظر في قواعد واسس ومستلزمات تبلورالظاهرة المجتمعية، وسيرورتها ومضمراتها.
هل يمكن للمجتمع ان يصبح ظاهرة مكتملة خلال ثلاثة او أكثر بقليل من القرون؟( هي اقل من تاريخ الدورة الراهنه الثالثة الرافدينية العراقية، هذا سؤال لابد من وضعه في الاعتبار عند النظر في الظاهرة الامريكية، إضافة لسؤال هام اخر ومن صلب الحالة الشاخصة امامنا يقول : هل ثمة بدء مجتمعي حاضر معزول ومنفصل عن السياقات والتراكمات التاريخية، بماهي حالة تصير ضمن مجال ورقعة أرضية بخاصيات معينه، وأخيرا يأتي الاستفسار عن متوالية مجتمعية اللادولة الامريكية الأصل التي جرى محوها، ومدى ومقدار دلالة واثر شكل وطبيعة الجاري الاجهاز عليه حاضرا ومستقبلا، على ماهو مفترض ومقحم من خارج " العملية التاريخية" باسم التحدر الغربي، او الأصول الغربية.
ثم هل يمكن تصور حالة او نموذج مجتمعية مفقسه خارج رحم التاريخ، وكيف؟ ومااثر كونها قد تاسست بخلفية بعينها، عائدة الى الغرب الحديث؟كل مامر من تساؤلات وغيرها الكثير يجعل العالم المعروف الغربي، والعالم، قد عاش على الأقل خلال قرنين مضيا، تحت وطاة اكبر واخطراكذوبة يمكن تخيلها، متعدية للعقل، ودالة على درجة قصوى من التدني المعروف، ومدى الاحاطة العقلية التكرارية القاصرة، التي تعيد فتجسم الى اقصى مايمكن، شبحا دائما عاش العقل البشري تحت طائلته منذ وجدت الظاهرة المجتمعية، عنوانه العقل القاصر عن ادراك مكنونها.
لم توجد أمريكا بعد، وهي ماتزال بحالة تشكل وتصير ماقبل "مجتمعي"، وان وجد ت فتحت اشتراطات تصير وتفاعلية مختلفة كليا عن تلك التي خضعت لها المجتمعات في التاريخ، وجودها بالحالة، او الصيغة المفبركة عنها، داله "حديثة" وراهنة كبرى على القصور العقلي، وامتناع الظاهرة المجتمعية على العقل ومامتاح له من طاقة تعرفية استيعابية تاريخيا، مع مايمكن ان يترتب على الحالة المستجده من مقثضيات من نوعها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• الهوامش ستجمل مع نهاية الحلقة الأخيرة.