عفوية الانتفاضة.. استثناء يثبت صحة القاعدة!

شهر واحد ago

سلام موسى جعفر

استكمالا للحوار حول تقييم انتفاضة تشرين بهدف التعلم من دروسها، أواصل تجاوز الخطوط الحمر. السطور التالية كتبتها كتعقيب على مقال الأستاذ علاء اللامي المعنون " دروس انتفاضة تشرين بانتظار موجتها الثالثة: الواقع والآفاق!"

الفترة القادمة حبلى باضطرابات سياسية خطيرة في جميع انحاء العالم بتأثير الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أخذت تتوسع وتتعمق. نصيب بلادنا من دمارها كبير. فالنظام السياسي القائم حاليا أوغل في سياسة الاعتماد على بيع النفط كمصدر وحيد تقريبا للدخل. ومع الانخفاض الحاد بأسعار النفط وانخفاض كمية الإنتاج، سيزداد الفقراء جوعا وعددا، وستنخفض القدرة الشرائية لصغار الموظفين واعداد كبيرة من الطبقة الوسطى أيضا. هذا يعني أن الطريق الى تجدد انفجار الغضب أصبح سالكا.

" شعبنا أكثر وعيا من نخبه" عبارة كثيرا ما ارددها في كتاباتي، تعكس العلاقة بين الشعب وبين نخبه السياسية والثقافية، في أجواء تسودها عمليات ممنهجة لتشويه الوعي. لم يكن التوصل الى هذا الاستنتاج بالنسبة لي وليد حدث عابر، بل نتيجة مراقبة ودراسة للأوضاع السياسية في العراق. ومن الممكن بجردة حساب بسيطة البرهنة على صحة استنتاجي هذا. وبالمناسبة لا يقتصر تفشي هذه الظاهرة على العراق وحده، بل تشمل جميع البلدان العربية. قد يستغرب البعض ويعترض على استخدامي مفردة "تفشي" في توصيف انتشار ظاهرة أرددها في أكثر من مناسبة، لهذا أود تسليط الضوء عليها قليلا كمدخل لقراءة الوضع وبهذا أكون قد أجبت مسبقا على الاعتراضات المحتملة.

أن يكون الشعب أكثر وعيا من نخبه هو مؤشر على وجود خلل كبير وخطير في التركيبة السياسية والثقافية والفكرية للمجتمع. خلل لم يكن ليحدث لولا التراجع الخطير والمستمر للحركة التقدمية الثورية في المجتمعات العربية وتخليها عن دورها الطليعي بتأثير اغتراب خطابها السياسي عن متطلبات الواقع المستجد. الوعي هو حرفة النخب، وليس العكس.

من هذا الفهم ينطلق توصيفي للحراك الشعبي العراقي، ومنها انتفاضة تشرين، بالعفوي. عفوية الحراك الجماهيري هي شهادة توثق واقع تفوق وعي الشعب على وعي النخب. بمعنى انها شهادة توثق الخلل وتؤكد على عمقه. فلهذا ليست العفوية معجزة ولا ميزة، تحسب لها، حتى نفتخر بها، ولكنها في نفس الوقت ليست مثلبة، تحسب عليها، حتى نحكم مسبقا على أي تحرك شعبي بانه ينفذ أجندات أجنبية. عفوية الحراك الشعبي مؤشر على نضوج العامل الموضوعي وعدم استعداد الجماهير لانتظار انضاج عامل ذاتي يراد طبخه دون اشعال النار تحت قدره! ولكني في نفس الوقت لا أنفي مطلقا المخاطر المحتملة جدا المرافقة لعفوية الجماهير وواعيا لها. وبرأي ان من ينكر المخاطر لم يتعلم بعد ألف باء السياسة.

الخلل في المقدمات، غالبا ما يقود الى خلل في النتائج. فاذا كانت عفوية انطلاقة انتفاضة تشرين مثلت واقع حال، فأن نجاح اختطافها أمريكيا هو الآخر واقع حال.
شهدت الساحات تدفق مئات الآلاف من جماهير غاضبة واعية لأسباب معاناتها. فاجأت الجميع، وبدت في الفترة الأولى وكأنها تعرف طريقها الى الخلاص. ولأن زخم حراكها شكل تهديدا خطيرا لأسس بناء العملية السياسية، وبعد فشل سياسة القمع الدموي، اندفع الأخوة الأعداء من المشاركين في العملية السياسية، كلا بطريقته الخاصة، الى تحقيق هدف القضاء على الانتفاضة، فتنوعت الوسائل ما بين الاغتيالات والاختطاف والاندساس بغرض التخريب والتشويه وصولا الى احتوائها. ولان الجماهير الغاضبة لم تكن منظمة أصلا فقد نجحت سياسة الاحتواء التي انتهجتها الأجهزة الامريكية، لدرجة التمكن من وضع عربة الانتفاضة على السكة الامريكية دون منازع ودون رجعة! وهذا ليس استنتاج متسرع ولا شتيمة بحق أحد. هذا واقع حال قاد اليه استمرار الطابع العفوي الذي سهل فرض قيادات اختطفت في نهاية المطاف انتفاضة تشرين. نجاح الاحتلال باختطاف الانتفاضة لا يمكنه أن يغطى على عظمة المحاولة ولا على بطولة شبابها وتضحياتهم.
مؤشرات نجاح الأمريكي باختطاف الانتفاضة عديدة من بينها:

• توجيه الغضب الشعبي وحصره فقط ضد قسم من المشاركين في العملية السياسية.
• تحويل غضب الشعب العراقي ضد الأحزاب المحسوبة على إيران الى عداء لدولة إيران نال من شعب ايران وتاريخه وثقافته
• الدعوة الى فصل كفاح شعب العراق عن قضية الشعب الفلسطيني تحت شعار العراق أولا، وعودة الحديث عن المعزوفة البغيضة عن اليهود العراقيين المساكين الذي يحبون وطنهم العراق ويبكون شهداء الشعب العراقي، وارتفاع أصوات التطبيع من بين الناطقين باسم الانتفاضة
• رفض العديد من المنتفضين قبول الدعوة الى خروج القوات الأمريكية
• ابداء مظاهر الفرح من قبل عدد من المنتفضين والناطقين باسم الانتفاضة مع كل ضربة توجه الى الحشد الشعبي، بما فيها تلك الضربات التي وجهها الطيران الاسرائيلي
• الكف عن رفع الشعارات التي كانت تهدد أسس العملية السياسية التي أقامتها ورعتها أمريكا والاكتفاء بشعارات إصلاحية ترقيعية
• تحويل الانتفاضة الى جزء من العملية السياسية وليس هادما لها
• حصر الانتفاضة في مناطق بغداد والوسط والجنوب ومنع انتشارها وشمولها مناطق العراق الأخرى غير الخاضعة للسلط المركزية بهدف جعلها شأنا طائفيا داخليا وليس شأنا وطنيا.

كان لدى الطرف الأمريكي إمكانيات كبيرة وأدوات متعددة استعملها في عملية انتزاع الانتفاضة من الشباب وتحويلها الى أدوات لتعزيز نفوذه في العراق:

• ماكنة إعلامية ضخمة
• عملاء ومندسون وسط المظاهرات
• عملاء بين الأحزاب وفي أجهزة الدولة العسكرية والأمنية والادارية
• منظمات مجتمع مدني ممولة
• بقايا البعث
• مثقفون بلا ضمائر
• دول إقليمية تابعة عمليا الى الحلف الأمريكي الصهيوني
• مرجعية السيستاني
• الصدريون
• الشيوعيون الليبراليون
• جماعة المدى
• بالإضافة الى الإقليم سلطة وأحزاب ومؤسسات وهيمنة كبيره في المناطق الغربية من العراق.
• استغلال غباء الأحزاب المحسوبة على إيران وغباء بعض المسؤولين الإيرانيين

لهذه الأسباب جميعها أرى أن موجة الحراك الجديدة المتوقعة محكومة بالفشل، اذا ما بدأت من حيث انتهت اليها انتفاضة تشرين. الركون على نفس الأسس الخاطئة لا بد ان يؤول الى ذات النتيجة. الأهداف لن تتحقق بالتمنيات أو بقراءة الكف، وانما فقط بالعمل لحل مسألة القيادة. فالتجربة، بسبب مهارة لصوص المظاهرات على التخفي وامكانياتهم الكبيرة، لم تستطع تشكيل لجان تنسيقية معترف بها من قبل الغالبية، ولم تفرز قيادات وطنية مستقلة على مستوى مركزي، بل فقط بعض القيادات الميدانية المعزولة. ان الاتكال على وعي الشباب وانتظار معجزة جديدة، قد تحدث أو لا تحدث، ليس هو الحل، فالدماء عزيزة، لا يجب التفريط فيها قبل ايجاد حل لمسألة القيادة.

رابط بمقال الأستاذ علاء اللامي
http://www.albadeeliraq.com/ar/node/2842