الانهيارالأمريكي واللاصعود العراقي؟/2

شهر واحد ago

عبدالاميرالركابي

لو كانت الولايات المتحدة الامريكية راسمالية وتنطبق عليها مواصفات الامبريالية، لكان العالم برمته على الاغلب قد اصبح تابعا لها، ومحكوما من قبلها، في الغالب، ولكي نتاكد من هذا علينا ان نقارن الإمبراطورية المفقسة خارج رحم التاريخ، بالامبراطورية البريطانية، مساحة وسكانا، وكيف غدت رغم صغرها امبراطورية لاتغيب عن ممالكها الشمس، ثم نحاول ان نتخيل أمريكا بحجمها وطاقاتها، وماتملكه من قدرات وثروات، وقد احتلت مكان بريطانيا العجوز، وكيف كان وجودها سيتجلى كظاهرة امبريالية على مستوى المعمورة، ان فبركة الغرب حين تلتقي مع مصالح فئات كان متوقعا ان تنمو مع ظروف نشاة الكيان القاري الجديد متناغمة مع الطابع الرئيسي لبلاد منطلق الهجرة الاوربية، ونموذجها الغالب، قد ولدت ركيزة من ركائز تعريف الكيانية الجديده لدرجة الغلبة والطغيان، بالاعتماد على بكورة الكيانية القارية الجديدة، وعدم تبلورها المجتمعي، وغياب التصور الذاتي المطابق للحالة والنموذج المجتمعي المستجد.
ثمة فارق بين الحالتين البريطانية والأمريكية، قبل وبعد تحرر الاخيره من استعمار الأولى، فبريطانيا تخرج الى العالم وتحتل غيرها بعد ان "تتصير راسماليا"، بينما الإمبراطورية المفقسه خارج رحم التاريخ "تخرج الى العالم لتمنح نفسها تصيرا راسماليا ليس من طبيعتها العضوية"، ومنذ القرن التاسع عشر حين خرجت أمريكا نحو أمريكا اللاتينيه، وهي تفعل ذلك تلبية لضرورات لحمة كيانية صارت لازمة، فالراسماليون المفبركون الامريكان، وجدوا انفسهم امام حالة لاكيانية ولاوطنية، بينما اسباب ونوع اشتراطات التشكل التاريخي واليات الاندغام المجتمعي مولد اللحمة الوطنية لم تكن قد وجدت بعد، ومعها وعي الذاتية والرؤية التي جرت محاولات معالجتها وتدارك النقص الذي ينشا عنها تكوينيا، بلازمتين اوليتين تركزتا في "الحلم الأمريكي والامه ذات الرسالة"، وصولا الى "اعظم الأمم"، ماكان لازما ضمنا لتبرير الخروج من الحدود القارية ل "ممارسة نشر الرسالة العالمية"، وتلك هي منظومة بناء وطنية ماقبل الوطنية، ابان طور استحالتها، وعلى العموم، لا تجسدها.
لنقارن حجم الولايات المتحدة الامريكية وماتملكه من طاقات وثروة ببريطانيا إزاء حالتين من المناقضة الكلية، الأولى فيتنام بمقابل أمريكا، والثانية العراق بمقابل بريطانيا باعتبارهما وعلى اختلاف الظروف استعصاءان شبه مستحيلين، يتوفران على أسباب الامتناع القصوى بوجه محتلهما، ومع وزن أمريكا المفترض والمضاعف مقارنة ببريطانيا فان أمريكا هزمت هزيمة منكره، وهربت، لابل وفرغت ميزانيتها، في حين تمكنت بريطانيا في العشرينات من القرن المنصرم، من إيجاد وسيلة ونوع من فبركة كيانية، تمكنت عن طريقها من إطالة امد نفوذها وان الجزئي والمهتزفي العراق، الامر الذي يدلل بسطوع على الفارق بين الاستعمار الكينوني البنيوي الراسمالي، والاستعمار بصفته حاجة ضمنية مستعملة لمنح الوجود الكياني المجتمعي الأسباب التي يحتاجها لاستمرار لحمته وبقائه، الامر الذي يخضع حتما لنمط ونوع من الحسابات، مختلفة كليا، ولا تندرج تحت حكم الحسابات المطبقة على الظاهرة الراسمالية. عدا هذا فان الولايات المتحدة الامريكية ليست بالعنصرالمالوف في التفاعليه العالمية، ولاماض لها فيها، سوى كونها كتلة طارئة واضافية غير متاقلمة، ماتزال بالقياس للظاهرة المجتمعية ورسوخها التاريخي المباغت، مثل حضور تدخلي من خارج الكوكب الأرضي، انبثق بعد الاف السنين من رسوخ التفاعلية التاريخية بين غرب وشرق، وبالذات وتحديدا الاثنين حول البؤرة الشرق متوسطية كمصب، معا اسهم في استثارة دوراتها، بما يضعها بمصاف المجتمعية المضافة مابعد المجتمعية( بعنى ولادة مجتمعية جديدة، كان يجب ان تعيد للاذهان وبالأخص لدى أصحاب الاختصاص طرح إشكالية من نوع هل الظاهرة المجتمعية تتحقق تاريخيا لمرة واحدة ام مرتين؟) مع كل ماينتج عنها ويرافق حظورها من تغير جوهري في التوازنات ووجهة التفاعل المجتمعي الكوكبي.
ليست هذه طبعا رؤية او وجهة نظر الدارسين الغربيين ولا من يعرفون بالاشتراكيين، ومنهم وبمقدمهم لينين الذي يخلط بداهويا مجتمعيا مغلبا النزوع الدعاوي التحريضي، على الحقائق التاريخية والمجتمعية الكوكبية ومتغيراتها، والطاريء عليها، مع زمن "التفارقية الرباعية"، وسواء هو، او أي ممن يتعاطون الجانب التنظيري الاقتصادي الاستراتيجي من الزاوية الغربية الراسمالية المنحى، او مقابلها المسمى "اشتراكيا"، فقد ظل هؤلاء يجدون في تعذر وغياب المنظور الأمريكي المنبثق من رؤية الذات والحقيقة المجتمعية التاريخية المنبثقة المستجدة، عاملا مشجعا على اسباغ وتسييد فبركتهم، وتصوراتهم الاسقاطية النابعة من كينونتهم ومايرونه موافقا لموقعهم على الامبراطورية التي فقست خارج رحم التاريخ، وماتزال تبحث عن ذاتها بمحاولة الاندماج بالرحم الذي غادرته، كما تحت وطاته وظله، مع التفاعليه المستجده التي يولدها وجوده.
قد يكون او يعد من قبيل الخروج الكلي على مايمكن ان ينسب الى أي قدر من "العقلانية" المتبعة، القول بان مجتمعية أواخر المجتمعيات هي بالأحرى نقطة عودة والتقاء مع أولها ومفتتح نضجها التحولي، لكن هذا لم يمنع منتسبين الى الماركسية او الانقلابيه الطبقية، ومن جملة مماحكاتهم ان يذهب احدهم فيلاحظ "تحالفا أمريكيا سوفيتيا" و " عرضية ولاجدية محاربة أمريكا للشيوعية في الخمسينات" (2) وصولا الى مثل هذا التشخيص الحاسم والمفصل الذي نورده على طوله لنوع دلالتة ("في النظام الدولي الماثل اليوم في العالم تبرز دولتان على هذا الصعيد . تبرز الصين الشعبية كأكبر دولة تصدر البضائع ورؤوس الأموال في العالم دون أن تكون إمبريالية كما يقر خونة الشيوعية، وهناك بالمقابل الولايات المتحدة الأميركية حيث هي أكبر مستورد في العالم للبضائع ورؤوس الأموال . حيث تصل وارداتها السنوية إلى 2.4 ترليون دولار ولا تصل صادراتها إلى 1.6 ترليون دولار ويعاني ميزانها التجاري من عجز سنوي يناهز 800 مليار دولارا منذ عشرات السنين وتصل ديون أميركا الخارجية إلى 23 ترليون دولار فائدتها السنوية تفوق 500 مليار دولارا . 80% من ميزانية الدولة الاتحادية البالغة 3 ترليون دولار هي سندات صينية ويابانية . رواتب الجيش الأميركي هي أموال صينية ويابانية .
بعد كل هذه الحقائق الموثوقة والثابتة يصر خونة الشيوعية على أن أميركا ما زالت دولة رأسمالية وإمبريالية .
الرأسمالية التي بدل أن تحقق فائضاً في الانتاج تحقق عجزاً لم يعرفها ماركس، عرفها خونة
ماركس"(3) ولا يجب ان ننسى بهذه المناسبة الفرنسي توكفيل وماقد راه في "الديمقراطية الامريكية" في القرن التاسع عشر من ميل الى العدالة الاجتماعية، لا الى مجرد حرية الراي والمعتقد(4)، الامر الذي ظل بلا متابعة او محاولة اكمال تمييز الظاهرة المستجده عما قلبها، تكريسا لهيمنة النموذج الغربي الأوربي، ومثل الحكم الانف كما ساقه احد المؤمنين بالماركسية، وبغض النظر عن طابعه الايديلوجي، وميله البديهي الى حصر الممكنات المجتمعية ضمن الترسيمة الطبقية، قد لايوفر اقترابا من الظاهرة المجتمعية الامريكية بما هي عليه، ومايفترض ان توجبه من بحث يتخذ من عنوان "المجتمعية خارج رحم التاريخ ونوع تفاعليتها الهادفة للالتحاق بماقبلها" او بالانتساب الى الرحم الذي ولدت خارجه؟
لاشك اننا امام نوع شروط سابقه واشتراطات تطورت تاريخيا لتصل ماوصلته حين انبثقت أمريكا لتجد نفسها ضمنها، وفي مجرى تداخلاتها وهي تتصير داخل موضع بيئي منتج لمجتمع "لادولة" تاريخي عريق، ووطاة خيارين: ابراهيمي، وراسمالي مرحل ومنقول، مع مسببات تضاؤل في اللحمة المعروفة بالوطنية بيئيا، وبسبب الجده واللاتاريخانية، مع حضور مفعول ومحركات اللادولة غير الجائز نفيه تحت طائلة افتراضية الراسمالية وبنيتها غير القائمه عضويا. بينما هو حاضر في عمق التدينية التاسيسية واللاحقة، وصولا الى مااشارت له "موسوعة الأديان الامريكية" من وجود 1586 جماعة دينية في الولايات المتحدة منها 700 "غير تقليدية" يتعذر تصنيفها"(5) مالا يحتاج لاثبات على مدى عمق محركات معطى اللادولة، ومسارات تازمه بفعل وطاة الفبركة وهيمنتها السائرة نحو مزيد من الاعتباط، كلما تعاظمت وصارت اكثر ملحاحية، قضية وعي الذات الازدواجية مابعد المجتمعية.
لاتتسبب الظاهرة الامريكية فقط في تجديد فضح قصور العقل ومايعرف اليوم ب "علم الاجتماع" الأحادي فقط، بقدر ما تشخص كظاهرة موجبة للانتقال الى "علم الاجتماع التحولي" ومنظورة مابعد المجتمعي، حيث يجب ان توضع ظاهرة المجتمعية الامريكية المفقسه خارج رحم التاريخ، وتداعيات اندغامها ضمن العملية التاريخية عند نهايات الطور التفارقي الرباعي كمؤشر انتقالي إضافي، وضرورة تفاعلية لاحقة على حضور الغرب التاريخي في الشرق المتوسطي وارض الرافدين، يلعب دور المقوض الحاسم لما كان الغرب الأوربي قد ارساه كفبركة اعتراضية مانعه لتجلي للازدواج التاريخي وتجسده، في وقت يلعب فيه الاثنان على التوالي نفس الدور التناقضي الكابح من جهة والمحفز من جهة اخرى، مابين دولة مفبركة خارج التشكل الازدواجي التاريخي، وغزو تدميري يزيلها بعد 82 عاما.
مع 2003 نقطة الذرة التدميرية الامريكية للكيانية العراقية المفبركة، يدخل العراق والعالم زمن " اللاصعودية الكيانية"، ويصير العراق محكوما لقانون اللاتصير، و "فك الازدواج"، ومعه المجتمعات على مدى المعموره، أي الطور الأخير من اطوار المجتمعية، ومع حلول اللحظة الانقلابية العظمى، لاتعود أمريكا قابلة للحياو مع الفبركة، بينما يقف العقل الأمريكي امام اعظم امتحانات وجوده وذاتيته، بينما لاتعود ايران ماهي عليه، بل تتجه كما هي اليوم من محاولة صياغة الابراهيمية شيعيا امبراطوريا، الى، التمزق الابدي وزوال الكيانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• الهوامش ستجمل مع نهاية الحلقة الاخيره.