ملاحظات في مغالطة النتائج الاقتصادية لجائحة كوفيد-19

كورونا
3 أشهر ago

صبري زاير السعدي

يدرك الكثيرون أهمية النتائج الوخيمة لجائحة فيروس كوفيد-19 الصحية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية، وأبرزها فشل الأنظمة الصحية، العامة والخاصة، وضعف التكافل الاجتماعي والتعاون والدولي، والركود الاقتصادي في العالم 2020-2021 الذي ربما سيتعمق نحو الكساد العالمي في السنوات اللاحقة، نتيجة فشل السياسات المالية الدولية للحد من هذه النتائج. وفي هذا يناقش ويتسائل أصحاب الفكر والقادة السياسيون والعلماء في الطب والصحة وعلماء الاجتماع والاقتصاديون المهنيون والأكاديميون تأثيرات الركود والكساد المحتمل في احتمالات تغيير النظام الاقتصادي-الاجتماعي للرأسمالية "الليبرالية الجديدة" نحو نظام اقتصادي- اجتماعي جديد. هنا تتراوح الآراء بين تَكيّف الرأسمالية "الليبرالية الحديثة" أو تعاظم "رأسمالية الدولة" أو بروز رأسمالية تزيد في أهمية العدالة الاجتماعية أو التحول نحو نظام اشتراكي بمدارسه المتعددة أو تأكيد فاعلية السياسات الكينزية. ولكن لم يكن الإهتمام في هذه التساؤلات مصيباً، إن لم يكن مضللاً، في أن احتمالات التحول من الرأسمالية "الليبرالية الجديدة" سيتم نحو الرأسمالية المقترنة بالمسؤولية الاجتماعية. فالعكس في واقع النتائج هو الصحيح تماماً، حيث ستؤدي نتائج كوفيد-19 إلى تخلي الرأسمالية الحالية التي تتصف بممارسة المسؤولية الاجتماعية عبر الشركات والمنظمات والأفراد، وبمعنى أن مستقبل الأعمال والشركات وأهدافها ليس في تحقيق الأرباح فقط، كما يرى دعاة "الليبرالية الجديدة"، بل هو أيضاً، التأثير في المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً. ولذلك، لا أرى منفعة، بل أرى ضرراً، في مناقشة التنازع بين "قوة العمل ورأس المال" والصراع الطبقي الاجتماعي بعيداً عن تحليل دينامية الاقتصاد والمجتمع في ظروف ركود (وربما الكساد) الاقتصاد العالمي بتأثير جائحة كوفيد-19، أو لأسباب تتعلق بطبيعة أزمات الرأسمالية "الليبرالية الجديدة"، لاسيما في أزمات دول شرق آسيا في التسعينيات وفي الأزمة المالية (2007-2009) والأزمة المالية الأوروبية (2010-2011)، والتي لم تفلح المحاولات، ومنها دمج مفهوم المسؤولية الاجتماعية المستمد من مفهوم التنمية المستدامة في مطلع التسعينيات، في تجاوزها بتقليص الاحتكار المُهيمن ورفع الأجور ومكافحة الفقر والفساد وتقليل التفاوت في توزيع الدخول والثروات. وفي الواقع، أن النتائج الاقتصادية الفعلية لجائحة كوفيد-19، تشير بوضوح إلى زيادة دور الدولة، كما في تمويل القروض والمنح للشركات، وبروز دور القطاع العام في الاقتصاد مقابل عجز قدرة الشركات عن أداء مهامها في إيفاء شروط اقتصاد السوق وآلياته التنافسية.           

ولعل الأكثر أهمية، توجيه الإهتمام بحقيقة أن الفكر الاقتصادي لم يُسهم في تطوير النظرية الماركسية في الاقتصاد، بينما تطور الاقتصاد التقليدي الرأسمالي الليبرالي منذ زمن آدم سمث نحو "الرأسمالية الحديثة"، ومنها تحليل "الكلاسيكية الجديدة"، للسماح للدولة بالتدخل المحدود لصالح الفئات المتضررة من النشاط الاقتصادي والتي برزت في إطارها بعد الحرب العالمية الثانية السياسة الكينزية. وفي مطلع الستينيات، لم تحقق محاولات المفكرين الماركسيين، مع أهمية جهودهم، تقديم تحليل جديد يبرر النظرية الماركسية في قيمة العمل وقوة العمل التي يستحوذ عليها الرأسمالي من خلال الأرباح، ولبعث الحياة فيها بمواجهة انتشار النظرية "الكلاسيكية الجديدة". ومنذ مطلع السبعينيات، عاد العمل بالاقتصاد التقليدي الليبرالي بصيغة الرأسمالية "الليبرالية الجديدة" التي ترفض تدخل الدولة بالاقتصاد وتؤكد على حرية المنافسة التامة في السوق لتأمين استدامة النمو الاقتصادي في إطار تيار العولمة أو الإندماج بالاقتصاد العالمي.

وبرأينا، في المستقبل، سيكون بديل الاقتصاد التقليدي التقليدي: الرأسمالي والماركسي معاً، ولو بعد سنوات، هو في إدراك أن عملية الإنتاج التي يتم فيها تحديد قيمة الإنتاج الحقيقية تتم بمشاركة رأس المال والعمل معاًً، وأن توزيع الأرباح سيتم بمقدار إسهامات رأس المال والعمل في قيمة الإنتاج، وبغض النظر عن مُلكية رأس المال (المشروع أو المنشأة) الخاص أو العام. وفي خلفية هذا الرأي، تحليل اقتصادي خارج الرغبة الذاتية في إيجاد حلول وسطية بين الرأسمالية والاشتراكية للتوفيق الأخلاقي بين زيادة النمو الاقتصادي واستقرار النظام الاجتماعي برفاهية الأفراد والمجتمع. كما أنه تحليل لا يقع في فخ "الجمع الجبري الأصم" للكفاءة الاقتصادية في استغلال الموارد، كما هي أولوية الرأسمالية، مع العدالة الاجتماعية في عوائد الأرباح، كما هي أولوية الاشتراكية، إنما هو تحليل نظري جديد بأسلوب رياضي متقدم يخالف في فرضياته النظرية "الكلاسيكية الجديدة" والنظرية "الماركسية" ويقترب كثيراً من فرضيات "اشتراكية السوق".

30/4/2020