الانهيارالأمريكي الإيراني واللاصعود العراقي/3ب

3 أسابيع يومين ago

عبدالاميرالركابي
تنقسم الدورة الثانيه الشرقية لطورين، الأول امبراطوري ازدواجي صعودي، والثاني انحداري انقطاعي، الأول منطلقه الجزيرة العربيه و وتفجر طاقتها الاحترابيه الاستثنائية التحررية في القرن السابع والتي أدت الى عودة الاليات الازدواجية للعمل في ارض الرافدين، وادخلتها دورة صعود ثانية، بعد الدورة الأولى السومرية البابلية الابراهيمية المنتهية بسقوط بابل في القرن السادس قبل الميلاد، ماكان أتاح قرابة ستة قرون من الفعالية الكونية العقيدية والمجتمعية الاقتصادية، انتهت في القرن الثالث عشر مع سقوط رمزها بغداد، ومنجزها الكوني الثاني بعد منجز دورتها الأولى التاسيسية حياتيا وعقيدياعلى مستوى المعمورة.
ومع ان انطفاء شعلة بغداد وغروب شمسها يعود الى فترات وبدايات اسبق تجلت في تناقص رقعة الدائرة الإمبراطورية، أي عودة قانون امتناع وتراجع الصعودية الازدواجية التي وفر أساسها الأول "الفتح" الجزيري، الا ان الحدث الجزيري الرافديني المتلازم عضويا، لم يتوقف ـ وهنا تكمن اهم واخطر تجلياته التاريخية الغائبة عن الملاحظة ( 7) ـ بل تسبب في توفير الأسباب والاشتراطات الضرورية للانتقال الأوربي نحو الآليه والثورة المصنعية التصنيعية البرجوازية، ماسيكون من شانه ظهور قمة جديدة مختلفة نوعا وطرائق فعل واشكال هيمنه ونموذج حياتي شامل على مستوى الحياة وتنظيمها والعقل ومقارباته.
في مجال اخر وعلى المنقلب الشرقي المقابل، كانت نهاية الصعود الامبراطوري الرافديني الثاني العباسي القرمطي الانتظاري، قد اتصلت ب، ونجمت عن، آليات تفاعل الواقع والعقيدة، الامر الذي تعود جذوره، وكانت بداياته قد وجدت بالاصل بمجرد خروج الدعوة النبوية الأخيرة من جزيرة العرب، والامر هنا يخص اهم ظاهرة تاريخية عرفتها منطقة التوحيدية الابراهيمية ، فالمحمدية ومع انبثاقها الجزيري، سجلت انتهاء زمن وابتداء اخر مختلف كليا، والاسلام هو اخر ونهاية طور النبوية الابراهيمية، التي هي طور اول وظاهرة "تدبر الواقع خلال زمن ماقبل الادراك العقلي، بالالهام والحدس العقيدي السماوي" بما يعنيه من اسباغ الايمانية العقيدية على المعاش، باعتبار ذلك نوع التدبر الحياتي الممكن ابان زمن خاصيته قصور الإحاطة العقلية إزاء مكنون الظاهرة المجتمعية، ومضمرها، في موضع بعينه، هو الشرق المتوسطي الابراهيمي.
وفي سياق مايعرف بتاريخ الإسلام "العقيدي"، الغالب الى الوقت الحالي، يغيب التفريق بين العقيدية المهيمنة على الواقع التي هي حالة وطور تاريخي نبوي سابق على المحمدية، والطور الادراكي الذي صار هو الغالب حضورا وضرورة منذ انبثاقها، وبالتجربة والسياق العملي فقد ازيل من الاعتبار على سبيل المثال كليا، تمظهر التناقض الواقعي/ العقيدي واشماله بعد الخروج من جزيرة العرب ودولة اللادولة الأحادية الاحترابية الراشدة، حينما كانت العقيدة غالبة على الوحدة البنيوية المجتمعية القبلية استثناءا، قبل ان تعود القاعدة الأصل، ويحصل انقلاب الردة الحاسم، لصالح القبيلة التي تحول العقيدة الى ايديلوجيا خادمه لوجودها، وديمومة سلطتها "الوراثية"، بعد الراشدية، على يد معاوية بن ابي سفيان كشخص، وارض الشام وبنيتها المجتمعية كواقع مستغلا كتلة المقاتلة الضخمة على خط المواجهة مع الرومان. قبل ان يحدث المتغير الواقعي الأعلى الازدواجي الامبراطوري الرافديني، وتظهر كيانيتا، بغداد في الاعلى مع اطلالتها العالمية الكوسموبوليتيه الشرقية بالدرجة الاولى، وارض السواد بتياراتها وتعبيرات دورتها الابراهيمية الدولوية اللاارضوية الثانية( من التشيع بتياراته، الى الإسماعيلية، والقرمطية، والحلاجية، والخوارج، الى اخوان الصفا، والمعتزلة .. وصولا الى ختام الامامه بالإحالة الى مابعد الدورة الثانية بالإنتظار المهدوي).
واهم ماتمتاز به الدورة الثانبه، تجسد ظاهرة التبادلية (العقيدية/ الواقعية البنيوية)، الامر الذي لم يكن قد عرف مع القراءتين الأولى والثانية الموسوية والمسيحية، حين كانت مسارات بناء مملكة الله على الأرض في البدايات، قبل ان تتشكل توراتيا، في حين تحولت العلاقة بين القوتين التكوينية البنيوية على اختلافاتها، والعقيدة والجانب الايماني، مع المحمدية، الى حالة ظاهرة، برغم انها لم يحدث ان لوحظت او تمت متابعتها هي الاخرى، بينما استمر تقليد رفع العقيدة لمستوى الحضور الفعل الحاسمين، لتستمر معتبرة الأساس والمعبر الأوحد، بمقابل الواقع، ماكان دالا على بقاء واستمرار غلبة اشتراطات الطور العقيدي النبوي الالهامي برغم انتهاء زمنه وممكنات تجليه.
وفي حين درج "الفقه" على محاولة إعادة انتاج العقيده، الا ان هذا الفرع المستجد والحيوي لم يفلح في غالبية المناسبات في المحافظة على وحدة العقيدة والواقع البنيوي كما كان يتجلى بعد انتقال العقيدة خارج الجزيرة العربية، والحقيقة الصارخة والاهم هنا فيما حدث وقتها في القرن السابع في شبه الجزيرة العربية، انه كان حالة تحقق فريد واستثنائي لمجتمع اللادولة، او المجتمع غير القابل للتحقق ارضويا وللمرة الأولى، وقد توافرت له الاشتراطات البنيويه، من خلال مجتمع وكيانية الجزيرة العربية بصفتها حالة " لادولة أحادية"، او بحسب تعابير اهل الجزيرة انفسهم "طلع لاتحكم ولا تحكم"، ونحن نتحدث هنا عن مجتمع احترابي خاضع لاقتصاد الغزو وقانونه، مع متنفس تجاري قاري مار من البحر جنوبا، الى الهلال الخصيب شمالا، اذا اغلق او انقطع اختلت بنية المجتمعية الجزيرية القبلية كليا، وصارت اقرب من حواف قانون اقتصاد الغزو واحترابيته القصوى،بتحول قانون الغزو، الى مايقارب "اقتل لتعيش"، وهو ماتسببت به لحظة الهيمنه الإمبراطورية الثنائية، الفارسية الرومانية، وبالأخص الفارسية التي عمدت الى قطع رئة الجزيرة العربية بسيطرتها على خليج سومر( هذه هي التسمية الأوفق للوقائع والتاريخ بديلا للتسمية بالخليج العربي او الفارسي) وتهديدها لعمق الجزيرة، لولا امتناعة الطبيعي والاحترابي الاستثنائي. الامر الذي أوقع البنية القبلية ووحدتها، تحت طائلة ازمة وجودية لاحل لها، ماكان بالإمكان الخروج منها من دون الركون الى طبيعة المكان التكوينية الأصل، المتعدية للقبلية، الوحدة او الخليه المجتمعية، فكانت العقيدة التاريخية للمجتمع الذي لايتجسد ارضويا،"مجتمع اللادولة الأصل"، غير المتحققة في ارضها، كما اعادت الحياة والتاريخ مثال ونمط التحقق اللينيني في روسيا عام 1917 بتطبيق نظرية ماركس التي تعذر تتحققها في ارضها الاوربية التي ولدت فيها.
وللمرة الأولى في تاريخ الابراهيمة، نظرية مجتمع اللادولة التحولي الازدواجي يحدث نوع من التحقق المدعوم ببنية مجتمعية، موافق، او تنتمي لها بالعموم، بغض النظر عن احاديتها، واثر هذا الاختلاف وانعكاسة على بنيتها ودورها، أي ان الإسلام لم يكن عقيدة بالدرجة الأولى والاساس، بقدر ماهو وفي الوقت ذاته، نوع مجتمع بذاته في حالة تازم قصوى، من خاصياته الكاسحة احترابيته الاستثنائية البنيوية التكوينية، ومحمد هو عبقرية مجتمع اللادولة ومجسده بناء على المتاح والمتوفر منه صياغة وتشكلا، ابتداء من اور الكلدانيين وصولا لموسى وعيسى، وتحققهما الأول المختلف عن التحقق المحمدي التوسطي بين طورين ابراهيميين، لانتفاء، لابل والمجافاة الكلية للواقع االذي تشكلا ضمنه، وهو ماكان حافزا وضرورة لبناء الصرح التصوري الايماني الاختراقي بلا سند واقعي،مغارق لواقع مناقض مضاد، كما الحال في ارض المنفى في مصر وساحل الشام.
تلعب العلاقة بين الواقع والعقيدة في المسار الابراهيمي للادولة التي لاتنتج سلطات منفصله، ولا تمايزات، حضورا أساسيا، لعب الدور الرئيسي في تعيين وجهة ومسارات تصيّر المنظور التحولي اللاارضوي على مدى الزمن والمواضع التي وصلها، فالحق كمثال في الماضي بالمسيحية ارث من الوثنية الاوربية الثقيل الوطاة، وهو سائر وان بتعثر وصعوبه اليوم للتحرر من الجانب المجافي، مع الانتقال الى القارة الجديدة، بعد تفارقات مستجدة ماتزال خارج الوعي، ومن ثم الملاحظة، غير ان الامر الأهم الخاص بتاريخ الفرع الأخير الختامي من الابراهيمية، يظل فعليا هو المفتاح، والحالة التي يمكن العودة لها للفصل بين العقيدة والواقع المنطوي ضمن كينونتها منذ بداية تحققها، وكيف تجلت مثل تلك الثنائية بعد خروج الإسلام الجزيري بالفتح، وتوطنه خارج الجزيرة العربية، ابتداء من ارض الشام وبنيتها المخالفة على طول الخط، لبنية الجزيرة، أي المؤهله كينونة لانتقاص وغمط العنصر التكويني الواقعي في الإسلام، أي لعنصر "اللادولة"، وان الأحادي.
بالمقابل عرفت الدعوة الختامية المحمدية اعلى اشكال تجليها بنيويا وعقيديا، مع وصولها ارض الرافدين، فتعالت لتعاد صياغتها في مجتمع اللادولة الازدواجي الاصل، لتصبح هنا موجة ودورة ابراهيمية ثانية، هي حالة نزوع ثان بعد ابراهيمة الدورة الأولى السومرية البابلية، للتحقق التحولي، بالامامة بدل النبوة، والتالهية، قبل الإعلان عن الاستحالة، وايكال الامر بعد الياس من الدورة المعاشة، الى زمن آخر، ودورة قادمة، بالضبط كما حدث مع الابراهيمية الأولى، مع اختيارها في المنفى الداخلي وبعد فترة تامل حرانية استراتيجيا "الوعد خارج ارضه"، وهو ماقد عاد مجددا ليتحول الى غيبة شمال بغداد، في سامراء حيث يسجل بدء الانتظار المهدوي (8)*.
كل ماتقدم هومحاولة إعادة صياغة منهجية ضرورية مرتكزة للتحولية، لتاريخ مجتمع اللادولة الابراهيمي، ابان حالة تحققه المؤقته النبوية الأخيرة، وبناء على مانفترضه من اقتراب لحظة الانتقال من النبوية، الى الادراكية العلية، مع كل مايتصل بذلك من نظر في كيفيات تجلي الابراهيمية الختامية خارج المنطقة البؤرة، أي الى الشرق من ارض الرافدين، وكيف اثر الفتح والصعود الامبراطوري على البني الشرقية الواصلة الى الهند والصين، وماالذي تركة وصار ملازما في المدى المذكور،لتجليات الواقع /العقيده هنا، ومن تلك الحالات وبمقدمها، حالة قريبه وغاية في الأهمية الحضور الأقرب للعضوي في الصيرورة الابراهيمية، كما تتمثل بايران وتاريخها، واشكال تجليها الكيانية والعقيدية، في الماضي السابق على الإسلام، وفيما بعده وصولا الى اليوم، وماهو قادم من هنا فصاعدا مما يزكي القول بقرب انهيار هذا الموضع المتناقض المتضارب بنية وكينونة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الهوامش ستجمل مع نهاية الحلقة الاخيره.