الانهيارالأمريكي الإيراني واللاصعود العراقي/3ج

3 أسابيع ago

عبدالاميرالركابي
لن نستطبع اجلاء الدلالات والمقاصد المتضمنه في الاحداث والافعال والمتغيرات التاريخيه للمواضع والكتل المجتمعية الإيرانية، ومايقابلها ويضادها عراقيا وشرق متوسطيا، من دون تنويه بالحضور او التصميم المقرر من "الغائية الكونية العليا" الامر الذي سياخذنا الى المستوى او المدى المعرفي المتعلق بالتدخليه الكونية، واشكال حضورها المسبقة التكوينية والبنيوية السابقة على تشكل الكيانات وتوزعها، والامر هنا سيدخلنا مجالا من البحث جدير بان يخصص له توقف خاص واستثنائي، لانه يتعلق باساس انتقالي معرفي مابين "النبوية الالهامية الحدسية" التي كانت وماتزال سارية وناظمة للمفهوم التوحيدي الابراهيمي كتعبير انتقالي عن هذا النوع من الرؤية والوعي بالعالم والوجود، مرتهن لاشتراطات تعذر الادراكية العقلية العلية، مع ضرورة التعبير عنها بما يتناسب ويتماشى مع الظرف والحالة، الامر الذي قرر في حينه كل بنائية العلاقة بالكونية مجتمعيا لا ارضويا، من النبوات والرسل، ومايتصل بها من تلق سماوي، مفارق للارضوية، وقائم على نزع السلطة من الأرض وايداعها في السماء، ومايتصل بذلك من بدائية ثنوية ( الله / الانسان) بمعنى تجسيد قوة الكون العليا بذات قابلة للاستيعاب العقلي المتاح في حينه، وما هو ممكن التصور بظل الطور المجتمعي الجسدي المتصير الى مابعده، مع كل ماهو معتبر من قبيل الثوابت المتصلة بنظرة "الانسايوان" لذاته وللعالم والوجود.
كل هذا كان قد اوجب تمرحلا في الحضور الكوني، النبوية التوحيدية هي قمتها، بعد التعددية التاليهية، ومع كل منظومة ومحددات علاقة الكائن البشري بالكون، وبذاته، وبالآخر، قبل مغادرة العقل حالة القصور الملازمة لوجوده المجتمعي، الامر الذي لايمكن تخيل امكان استمراره على ماهو بظل التحولية والوعي باشتراطات ولوازم المجتمعية ومآلاتها، أي في حال الانتقال من تعذر ادراك المضمر المجتمعي واليات تحققه، الى مقاربة الخفي والمودع في الظاهرة المجتمعية، ومن ثم في اجمالي عملية التصيّرالتاريخي، او الارتقاء بطوريها الجسدي والعقلي، مع الوقوع على القانون الناظم للصيرورة المجتمعية، أي مايتوافق فعلا مع الظاهرة المجتمعية تكوينا والاهداف المضمرة فيها والتي هي موجودة لكي تبلغها.
ان ديناميات تبلور المجتمعية الافتتاحي في الشرق المتوسطي، واسبقية اكتساب المجتمعية الرافدينية ضمنه مقومات الكمال التحولي، ليس مجرد صدفه، او مجرد حدث يمكن النظر اليه ضمن الاجمال والعمومية، بالاخص تلك التي تذهب الى اخذ الظاهرة المجتمعية ارضويا وجسديا باسم "الحضاروية" كبديل عن حقيقة غائبة هنا أيضا، وليس على صعيد الرؤية التوحيدية النبوية المؤقته، ليس هذا وحسب، بل يجب إعادة النظر بضوء التحولية في توزعات الكيانية الشرق متوسطية، واحتشاد الأنماط المجتمعية الثلاثة فيها، بحثا عن الوظائف الكامنه والمنطوية في الاحتشاد المذكور، وبضمان دوره الأساسي في استمرارية الفعل الكوني الشرق متوسطي، بالاخص اذا وضعنا في الاعتبار حالة التمدد الاجباري للطرفين الشرقي والغربي الأوربي، نحو بؤرة الاحتشاد النمطي.
ومعلوم ان "الحضاروية" لاتاخذ من الفعل التاريخي غير المنجز المادي الاحادي، والاسبقيات مثل النظم الأولى، والشرائع، والكتابه التي بها يفصل بين حضارة وماقبل حضاره بناء على توفر التدوين من عدمه، هذا من دون ملاحظة ظاهرة من نوع الانتقال الابراهيمي الى الضفة المقابلة الاوربية من المتوسط عبر المسيحية ابان الاحتلال الروماني، أوالانتقال الابراهيمي الثاني باتجاه الشرق ضمن ردة فعل استثنائية وكبرى على الاحتلال الفارسي الخانق المعطل للاليات الازدواجية الرافيدينيه، ولشروط عمل اقتصاد الغزو الجزيري، ليس هذا وحسب، فما هو ظاهر امامنا من اللوجة كتوضع مع مايلازمه من مواصفات، هو الاجدر بالانتباه ولاثارة الأسئلة حول : لماذا أحادية الدولة الشرق متوسطية المقابلة لاوربا، والمحاذيه عند عبور البحر، النيلية، ومااثر احاديتها في توفر أسباب تبلور "صياغة مملكة الله" التوراتية العراقية بماهي امتدادات المجتمعية التي لاتتجسد ارضويا، والممتنعة في ارضها، المنفية والباقية حاملة لاتحققها في "الجيتو"، ذلك بالإضافة الى المجال الشامي المفتوح الذي لايتجسد كيانيا قبالة مصر النيل، ومايوفره من شقوق قابله للاستعمال ككيانيه مستحيله، ووعد خارج الأرض، والاهم من ذلك والأكثر سطوعا منه، هو ماتنتسب له الجزيرة العربية بنية ووجودا، لاحقا ومتاخرا عن الدورة الأولى التاريخية النهرية الافتتاحية الرافدينية النيليه، وما تنطوي عليه من ممكنات عسكرية احترابية لاتقاوم وجيشا احتياطيا تحريريا جبارا، بالاخص حين تصبح كيانا عقيديا بفعل الازمه الاختناقية القبيلية، بحيث تلعب دورها الذي لامثيل له ولاشبيه يفسر حضوره الكاسح، الخارج من زوايا التاريخ المغفلة، ومن قعر الصحراء، بمائة الف مقاتل من الحفاة فقط، ليصل ال الصين والهند ساحقا فارس و"عظمتها" الى الابد، في قرابة عشرين عاما، الامر الذي لم تكن قد اضطلعت به، لامصر"المتقدمه حضاريا بما لايقاس" ولا ارض الرافدين الغائبة مع عظمتها تحت تراب الانقطاع التاريخي.
هل وجدت على مستوى المعمورة منطقة/ بؤره، كونية الحضور والاثر، والفاعلية شبيهة بمنطقة الاحتشاد الانماطي المجتمعي، وبالمقارنة بين فلسفة الغرب الاغريقي اليوناني، وتجددها الحديث مقارنة بالابراهيمية، أي من المنجزين ياترى كان قد عم العالم، وتداخل مع الكينونة البشرية علي مستوى المعمورة باستثناء الصين، قد تكون الفلسفة حاضرة ضمن حدود التفكر النخبوي، في الوقت الذي تعرف الولايات المتحدة الامريكية ككيان مستجد نفسها في الابراهيمة ابتداء ومآلا ومن حيث الخيارات، ثم لماذا ياترى كانت منطقة شرق المتوسط غير قابلة للاخضاع، مع كونها مصبا طبيعيا للامبراطوريات الشرقية والغربيه، ومالسر في كونها استطاعت، لا ان تنتفض وتحرر ذاتها، وتذهب لابتداع دورة تاريخية ثانية، بل ولجعل محتليها يدينون بدينها، ويتغيرون بناء لماتنطق به، ومايتمخض عنه تفاعلها مع اشتراطات الهيمنه والرغبه في الاخضاع ان لم يكن الازاله كمدى مستقل متميز؟.
هنا يحضر الازدواج مقابل الأحادية، وحضور المجتمعية غير القابلة للتجسد ارضويا كقوة متعدية لبنى الأحادية، وحيثما تتصور او تعتقد امبراطوريات الأحادية الطبقية/ العبودية، او العبودية الاقطاعية الشرقية، ان اخضاع والهيمنة على ماهو احادي، او ينتمي لهذا الصنف من المجتمعية داخل الشرق المتوسطي، كاف بحسب قدرة تلك الامبراطوريات على النظر بناء لطبيعتها هي، يفوتها لابل وتعجز عن الإحاطة بماوراء وماخلف البنى الأحادية، باعتبار المنطقة منطقة ازدواج مجتمعي وتعبيري ثنائي، من المستحيل اخضاع جانبه اللاارضوي من قبل من هو ارضوي بنية، بمعنى ان منطقة الشرق المتوسطي هي منطقة خارجة عن، وفوق طاقه الكيانات والامبراطوريات الأحادية على الاخضاع، لازدواجها المجتمعي، ومن ثم لعلو دينامياتها التاريخيه التحولية وخاصيتها الكونيه.
ليس هذا وحسب، فالحضور الامبراطوري الأحادي الشرقغربي عند نقطة شرق المتوسط، هو فعل اليه وحتمية تاريخية ضرورية ولازمة لاجل تنشيط الدينامية الازدواجية المتوسطية، ومن ثم تعميم منجزها المتعدي للاحادية، وهو ماكان حصل ابان انتهاء الدورة الأولى الشرق متوسطية التأسيسية، عبر القراءات الثلاث النبوية الكبرى، وانعكاساته وارتداداته داخل بنى الامبراطوريات الأحادية الأضعف ازدواجية، او الازدواجية مع غلبة وازنه للجانب الأحادي ضمن بنيتها، بما يعني ان المجتمعات عموما ازدواجية بالطبيعة والكينونة بدرجات تقل او تتزايد، وانها مجتمعة محكومة وجودا وديناميات وصيرورة لاليات تصارعية بين وجهي الازدواج يحدث ويتولد عن التفاعلية الاميراطورية الشرقية الغربية مع بؤرة الازدواج واساسه، حيث يتعمم الازدواج داخل الاحاديات، ويصير للجانب اللاارضوي، مثل المسيحية في الغرب() والإسلام الممتد شرقا، حضورملموس ومجسد، على حساب احاديتها الغالبة او المصمته بحكم الغلبة الأحادية ضمن بنيتها.
هكذا يعمل قانون التحولية على مستوى المعمورة، فيتعمم الازدواج ذهابا للحظة "فك الازدواج" الكبرى النهائية، ولا تعود فارس ممكنه امبراطوريا بعد ان تخترق بالابراهيمية الإسلامية، أي عقيدة مجتمعية اللادولة، فبنية فارس الاقطاعية العبودية، هي بالاصل وكينونه غلبة قوم على تجمع اقوامي متعدد، وامتياز لجماعة اقوامية بين مجموعات اقوامية، لاتعود قابله للتحقق إسلاميا بعد وحدة العقيدة وانتفاء مبررات التميّز، ماقد انهى التاريخ الإيراني السابق على القرن السابع الميلادي لصالح تاريخ استحالة الإمبراطورية، الامر الذي ظل قائما ليتسبب في سقوط ايران تحت حكم اقوام من خارجها بعد سقوط بغداد، وصولا الى القرن السادس عشر، يوم صار الإسلام قابلا للتطييف من داخله، ويمكن مع الصفوية، إعادة انتاج صيغة باهته من الإمبراطورية السابقة على الإسلام إسلاميا متاخرا،في غير زمنها، باسم التشيع بما هو ادعاء ايمانية تصحيحية يمكن باسمها ضمان نوع من التميز الاقوامي التقليدي مموها، وهي محاولة متاخرة ضعيفة الأسس لاعادة انتاج الخاصيات الإمبراطورية التاريخية المنتهية.
تلك كانت دلالة تشييع ايران بالسيف على يد عباس شاه، وجيشه من الترك، وحركته الصوفية الأصل الاذربايجانية التاسيس، والتي لم تكن لتفلح برغم محاولاتها الدؤوبة في إعادة احضار الإمبراطورية، في الوقت الذي كانت العثمانية المجاورة صاعدة، والعراق بحالة إعادة تشكل جنوبا، ليس احتلال بغداد منه، سوى سيطرة على بقايا منتهية من دورة تاريخية انقضت()، وبهذا تكون الصفوية في الأساس قد افلحت فقط في احياء الكيانيىة الإيرانية من دون امبراطورية، دلالة، ومن قبيل التأكيد تكرارا، على انتهاء ظاهرة الإمبراطورية الفارسية منذ الفتح الإسلامي، وصولا الى الخمينية ومابعدها من مطامح متناقضة حاصلة اليوم، صارت اقرب لافتقاد الاسس على صعيدي الكيانية الوطنية والامبراطورية معا.