هند بنت النعمان: الأميرة العربية المسيحية الحسناء.. عرض عليها خالد بن الوليد الإسلام فرفضت!

نقش النمارة
3 أسابيع ago

علاء اللامي

مَن هي الأميرة العربية المسيحية الحسناء، حفيدة اليهودية الخيبرية، التي عرض عليها خالد بن الوليد الإسلام فرفضت تغيير دينها بلباقة، وقدم لها هدية فرفضتها، وماذا تتوقع أن يكون خالدٌ قد فعل لها؟! لنبدأ بهذا التصحيح: شاهدتُ مساء الخميس 30 نيسان الماضي، فقرة تعريفية وردت في برنامج تلفزيوني عراقي عن "حصن الأخيضر" الشهير، الموجود على مسافة 50 كم جنوب غربي كربلاء، وقد استضاف مقدم البرنامج في المكان عينه أحد "الباحثين الاجتماعيين" ليحدثه عن تأريخية الحصن، ولا أدري ما علاقة البحث الاجتماعي بالآثار التاريخية! وقد خلط الباحث، للأسف، بين التواريخ والشخصيات، وأرجع بناء الحصن المذكور الى فترة الملك اللخمي النعمان بن المنذر، ثم إلى أحد ولاة بني العباس بعد أن جعله ملكا...إلخ. والصحيح، هو أن تاريخ هذا الحصن الجميل يعود إلى العصر الإسلامي باتفاق الباحثين، ولكنهم اختلفوا في حصره زمنيا بدقة، فذهب بعضهم من الأجانب (منهم مسز بيل غيرترود، المعروفة عراقيا بأم سبيل) إلى أنه بُني في العهد الأموي، ولكن المؤكد علميا الآن هو أنه بُني في العهد العباسي، بل أن الباحث كريسويل حدد بدقة أن الحصن شيَّده عيسى بن موسى عمُّ الخليفة العباسي المنصور (95 هـ / 714م : 158 هـ / 775م).
*تعريجة الباحث الاجتماعي الضيف على دولة المناذرة اللخميين قبل الإسلام، في المنطقة ذاتها، ذكرتني بحكاية معبرة لواحدة من نسائهم هي الأميرة الحسناء هند بنت النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، وأمها هي مارية الكِنْدية، وبالمناسبة، فقد كانت جدتها لأبيها يهودية الديانة من مدينة خبير في الحجاز. وهذا عرض مبتسر لحادثة معبرة وقعت لها، تؤكد شيوع روح التعايش والتسامح الديني عند العرب قبل وبعد الإسلام مع أبناء عمومتهم العرب المسيحيين، وكانوا على مذهب المسيحية النسطورية، أقرب المذاهب المسيحية إلى الإسلام عقيديا. ومن الطبيعي أن هذا المثال لا ينفي وجود أمثلة أخرى معاكسة له في المضمون في تلك الظروف الحربية القاسية خلال الفتح العربي الإسلامي، ولكن الإنصاف والموضوعية العلمية يقتضيان التذكير به في مواجهة اختلاق القصص الملفقة عن "أم هارون" وأمثالها من قبل الإعلاميين والممثلين المأجورين لإرضاء المحتلين الصهاينة أو لصد هجمات العداء العنصري ضد تاريخنا وتراثنا وإنساننا بتكرار بذاءات التيار الاستشراقي الأوروبي وتلامذته المحليين المجوفين عندنا ضد العرب قبل وبعد الإسلام:
*تخبرنا المصادر التاريخية أن الأميرة العربية الحسناء هند ولدت ونشأت في بيت أبيها الملك النعمان بالحيرة وكانت شاعرة بليغة ومن حسناوات العرب الشهيرات. وكان كسرى برويز قد طلب من النعمان أن يزوجه ابنته هذه فرفض، ودخل على الخط أحد الوشاة - هو زيد بن عدي العبادي - وأوغر صدر كسرى ضده. وزيد هذا هو ابن عدي بن زيد العبادي الذي عشق هند وقال فيها شعرا جميلا وتزوجها لفترة قصيرة، ثم اختلف معه النعمان بعد وشاية فقتله، فنقم ابنه زيد - وهو من زوجة أخرى كما يظهر- وقرر أن يأخذ بثأر أبيه بأن وشى بالنعمان إلى كسرى فقتله. وبعد مقتله وانتصار العرب في معركة ذي قار ذات الصلة بالقصة على الفرس، قررت ابنته هند أن تترهبن وتلبس المسوح، وأقامت في دير بَنَتهُ بين الحيرة والكوفة.
وتجرنا هذه التفاصيل الى معركة "ذي قار" الشهيرة بين العرب والفرس، فحين غضب كسرى برويز من النعمان أضمر له الشر ودعاه لزيارته، فاستودع النعمان أسرته وأمواله وأسلحته عند زعيم قبيلة بني شيبان، هانئ بن مسعود الشيباني، قبل أن يزور كسرى. فغدر به كسرى وحبسه حتى الموت، وقيل إنه قتله بالسم في رواية أخرى، ثم طلب من الشيباني أن يسلمه أموال وأسلحة وعائلة النعمان وبضمنها الأميرة هند فرفض الشيباني، وبدأ يستعد لحرب الفرس بأن عقد حلفا واسعا بين قبيلته والقبائل العربية في جنوب العراق وشمال الجزيرة العربية. ثم حدثت معركة ذي قار بين العرب والفرس، وكان لهند بنت النعمان دور كبير فيها تحريضا بشِعرها الحماسي وتسليحا للمقاتلين بأسلحة أبيها المودعة لدى بني شيبان، وانتصر العرب المشتتين إلى قبائل لأول مرة في تاريخهم على الفرس انتصارا ساحقا وانقلبت المعركة إلى معركة إبادة للقوات الفارسية في جنوب العراق. وتقول الروايات إنَّ النبي العربي الكريم محمد استبشر خيرا بهذا النصر حين بلغه خبره، وكان في بداية دعوته للإسلام فقال (هذا يوم انتصفت فيه العربُ من العجم وبي سيُنْصَرون/ الحديث)! ومن قصائد هند الحماسية واحدة مطلعها:
حافِظْ على النَّسبِ النَّفيسِ الأرفعِ *** بِمدجّجين مع الرماحِ الشُّرّعِ
وقصيدة أخرى مطلعها:
وَتَوارَدوا حَوضَ المَنيّةِ دون أنْ *** تُسبى خفيرةُ أُختهم وَاِستَجمعوا
وقالت بيتا فردا بعد النصر في ذي قار هو:
رَغَمْنا بعَمرٍو أنفَ كِسرى وجندَهُ *** وَما كان مَرغوماً بكلّ القبائلِ
ورغمنا أنفه = مرغنا أنفه بالتراب.
*حين دخل خالد بن الوليد الحيرة بالعراق فاتحا، زار هند بنت النعمان في صومعتها، وعرض عليها الإسلام، فاعتذرت بلباقة عن تغيير دينها لكبر سنها، فأمر لها خالدٌ بمعونة وكسوة، فرفضت هديته وقالت: ما لي إلى شيء من هذا حاجة، لي عبدان يزرعان مزرعة لي أتقوت منها! فودعها خالد وودعته، ودعت له بالخير وانصرف. وبعد انصرافه جاءها أهلها يسألونها عما صنع القائد المسلم معها، فقالت:
- صان لي ذمتي وأكرم وجهي ***** إنما يُكْرِمُ الكريمَ الكريمُ.
عاشت هند طويلاً، وكان ممن زارها من شخصيات العهد الراشدي والأموي إضافة الى خالد بن الوليد، المغيرة بن شعبة والي الكوفة في خلافة عمر بن الخطاب، والحجاج بن يوسف الثقفي لما قدم الكوفة سنة 74هـ، ولكنها عميت في سنواتها الأخيرة وتوفيت في ديرها، ويرجح أنها دفنت فيه، ولكن يُجهل موقعه بدقة كما أعتقد، رغم أنه في المنطقة ذاتها التي يقع فيها حصن الاخضير، حيث تمتد أنقاض عاصمة المناذرة قريبا من "مطار النجف" حتى "ناحية الحيرة" التابعة لقضاء المناذرة (أبو صخير). ولا تزال ناحية الحيرة التي تشكل جزءا من مدينة الحيرة القديمة مأهولة بالسكان حتى يومنا هذا.
*الصورة: نقش النَّمارة هو عبارة عن شاهدة قبر الملك امرئ القيس بن عمرو اللخمي، جد الأميرة هند، ويرجع تأريخه إلى عام 328م، وهو مكتوب بالخط النَّبطي المتأخر وبلغة عربية قريبة من اللغة العربية الفصحى.
*من الأعمال الفنية التلفزيونية التي تناولت هذه الأحداث والشخصيات مسلسل سوري قديم نسبيا بعنوان "ذي قار". وقد قامت الممثلة السورية الجميلة نورمان أسعد بأداء دور هند وتولى الممثل القدير أسعد فضة القيام بدور أبيها النعمان.