1/تشرين:بوابة اللادولة، اللاثورة؟

شهران 3 أسابيع ago

عبدالاميرالركابي

"كونوا كما لايولى عليكم":
الشعار أعلاه هو مايتناسب اليوم مع انطلاقة ثورة تشرين 2019 المهياة والمكتوب لها التحول بعد قرن على ثورة اللادولة الحديثة الأولى عام 1920 ، أي خلال العام القادم 2021 ولأول مرة، الى ثورة الاكتمال، وانتفاء النقص التاريخي، أي التكامل في قوامها وبنيتها وديناميات حركتها، ماكانت وظلت تفتقر له، وحال موضوعيا دون تحققها خلال دورتين تاريخيتين كبرييين سالفتين، ودورة حالية ماتزال قيد التشكل، عرفت بروفتين اولى في 31 حزيران 1920 وثانية في 14 تموز 1958 قتلتا تحت طائلة الفبركة الغربية، ووطاة غياب الرؤية التحولية المطابقة.
في يوم من الأيام غير العادية، ابان بداية الدورة الثانية المفتتحة من جزيرة العرب، اطلق القول الثاقب : "عمالكم اعمالكم وكما تكونون يولى عليكم"، وهو بالطبع تقرير لم يكن قد تخلص من ظلال زمن الأحادية وطغيانها، والدولة الأحادية وحتميتها، حين لم يكن واردا الحدبث عن" كينونة مجتمعية تنتفي معها الولاية" الامر الذي ظل خارج الوعي، حتى مع توفر دالاته، او اشكال تحققه، كما الحال في ظاهرة "الشرائع" في تاريخ ارض الرافدين، وتكرارها ضمن صراعية الازدواج(12) الإمبراطورية، بين شريعة بلا قوة اكراه ولاحاجة لها، في مجتمع لا ينتج قوة منفصلة عنه، تضطلع بمهمة تطبيقها لتسبغ عليها صفة "القانون"، كما هو الحال في الدولة الأحادية على مر التاريخ، الامر الذي كان يطمس حقيقة التفارق والتقابل التناحري بين عالمين : "عالم الشريعة" بازاء "عالم الدولة الاكراهية"، قبل ان ينتهي بقوة ديناميات الاصطراع لمصادرة الدولة الاكراهية للشريعه، وهو ماكان لازما لتحولها لامبراطورية ازدواجية، كما الحال في الإمبراطورية البابلية وحامورابي، مؤقلم الشريعه الكوراجينيه، وموطنها، او مدمجها داخل وبين تضاعيف الدولة الازدواجية خلال الدورة الأولى حين كان الوعي التحولي مايزال في رحم المستقبل.
لاينتمي انسان الشريعه، لنفس اشتراطات وديناميات عالم الدولة، او عالم "الولاية"، فمواطن الشريعة واللادولة، هو مواطن يوجد متميزا ب "ولايته على ذاته،" الامر الذي تصنعه ولابد اشتراطات موضوعية مباينة كليا، وجدت في ارض الرافدين جنوبا، في سومر ماخوذة بحالة "العيش على حافة الفناء" واشتراطاتها المجتمعية والإنتاجية والحياتيه اللاثباتية، والممنوعة من الموثوق التوهمي الأحادي، اتفاقا مع إيقاع عملية انتاج تتجلى كمعركة دائمه وطاحنه، لاشي فيها اكيد او مضمون، ابتداء من التدميرية الفائقة القصوى، للنهرين وغدرهما، ومخالفتهما فيضانا للدورة الزراعية، ناهيك عن بقية الأسباب المرافقة والمكلملة للوحة الامتناع، ابتداء من رخاوة الأرض واستعدادها لتبديل مسارات الأنهار والسواقي، وصولا لمسببات "جنون الحدود" اضاقة لجنون غدر الأنهار، وخطر انفلات ضفافها الذي يجعل من اليقظة بالحد الأعلى وليل نهار، لازمة إنتاجية تتعدى المحراث والمنجل إضافة للسيف ردا لقهر شلال الغزو، والدولة المتوطنه في مدن محصنة اعلى تحصين، والتي تقوم على الحافة العليا من ارض السواد، تجهد لاحتلاب الريع بالغزو الداخلي، والعودة للقلاع وداخل المدن المحصنة، في بقعه عالية الخصب، محاطة بالجبال والصحارى الجرداء، مايجعلها على مر القرون مصبا لاينضب للسلالات والاقوام المندفعة نحوها بقوة وعنف، من الشرق والغرب والشمال، هذا عدا عن حرارة الصيف اللاهبة، وبرودة الشتاء والامطار التي تحول الأرض الى مزالق تحد من حركة الانسان وتقعده، عدا عن العواصف الرملية التي تسد الرؤية، وتستمر لايام، مايضع الكائن البشري وهو بصدد تامين حاجاته الوجودية، مضطرا عضويا لان يرتقي بممكناته وطاقاته لاعلى مامتاح له من تصعيد متفوق على الارضوية تنظيما وسلوكا وافقا، وبالاساس علاقة، وتدبيرا طوعيا استثنائيا، لايتيح لاية من مسببات التعطيل مثل انتقاص الحرية، او التميز خارج التوافقية والانسجامية الفعاله ضمن الجماعية المشاعية، واولا وضع ماليس قادرا على أداء مامكلف به، في غير محله، عدا توسل الحيله، او قبول تطلب الراحه على حساب المجموع، بظل رقابة لاتهدا يفرضها واقع الحال واحتداماته التي لاتهدأ، والتي لن تقبل الأرض موطنا لتحققها الذي لايتحقق ماديا لتغدو مجتمعا سماويا بمقابل كائن بشري اخر، يجد في يومياته مايكرس حيوانيتة، أساسا ومبررا تنمو فيه ومنه وعنده، ظاهرة "الدولة" الارضوية التي هي نشاة عائدة الى النقص في التكوين الفردي البشري، حين يكرس من البيئة، وتوافقاتها مع غرض المنتجية كما الحال في نموذج الدولة الأحادية الموازية شرق متوسطيا، في وادي النيل، نموذج التوافقية القصوى بين الطبيعة وشروط الإنتاج والمنتجين، ومعه صنوه وشرطه الفرعون الاله.
الدولة الارضوية نتاج القصور البشري كما تزكيه، تضخمه او تنفصه وتمحوه، اشتراطات المنتجية، مابين "العيش على حافة الفناء" للنهرين العظيمين، وحالة النيل الموافق فيضانا للدورة الزراعية، العازف مع المنتجين والأرض سمفونية التوافق الأقصى، بظل عزله وحماية تضاريسية للنهر الوحيد وماحوله، وتلك تقابلية ملحوظة جدا تكاد تكون ثابته في التقاليد البحثية الغربيه المخصصة للنظر فيما يسمى الحضارات التاسيسية النهرية الشرق متوسطية، مع انها تظل مغلقة، وبلا استخلاصات تطابق حقيقتها كتعبير دال على التباين بين نمطين مجتمعيين كما تقرر مثل هذه اللمحة التي تقول من بين كثيرات غيرها: "وتتضح هذه الحقيقة مع كثرة تكرار الفيضانات والعواصف والجفاف والحرائق التي كانت الالهة تهدم بها اعمال الانسان. ولم تكن الاحوال الطبيعية في بلاد مابين النهرين، على عكس ماهي عليه في مصر، لتهيء الظروف الملائمه لتطور المدنية. فالتغيرات الفجائية تستطيع ان تخلق احوالا تفوق قدرة الانسان على ضبطها والسيطرة عليها. ان المد الربيعي في خليج فارس ( هكذا في النص الأصلي، والمقصود خليج سومر، بدل التسميتين المتنازع عليهما، العربي، والفارسي) قد يرتفع الى ثمانية اقدام او تسعة اقدام، كما ان العواصف الجنوبية التي تستمر مدة طويلة قد ترفع شاطئء النهر قدمين او اكثر، بما تذروه من تراب وغبار. ثم ان سقوط الثلوج في ارمينيه وسقوط الامطار في الجنوب بصورة غير عادية قد يؤديان الى ارتفاع مستوى النهرين بصورة مفاجئة، وقد يسد زحل الارض مجرى الزابين الضيقين او مجرى الخابور، ثم لايلبث المجرى طويلا حتى يدفع بكمية ضخمة من الماء. واية واحدة من هذه الاحداث، او وقوع اثنين منها في وقت واحد قد يسبب فيضانا لاقبل لسدود السهل الجنوبي ان تصدها او تمنع اخطارها. وفي الازمنه السابقة للتاريخ حين كان الفلاحون البدائيون يزرعون المواسم بعد الفيضان، كان بالامكان تكييف الاستيطان بحسب التغير الدائم لتوزيع المياه والارض حتى ولو تكرر تدمير القرى مرات كثيرة، لكن المدن الكبيرة الثابته التي تعتمد على التجفيف والري تحتاج الى مجار مائية ثابته، وهذا لايتحقق الا بالمراقبة والكدح الشاقين، لان مياه دجلة الجارية بسرعة تجرف معها غرينا خشنا بحيث تنسد الاقنية بسهولة. حتى ولو نظفت سنويا فانها ترتفع عن السهل نتيجة للترسب، ومن هنا فان خطر انفجارها او انفجار النهرين لايستبعد ابدا. وفي عام 1831 ارتفع دجلة فجاة وحطم حواجزه وهدم 7000 منزل في بغداد في ليلة واحدة"(13) ولايعكس هذا الوصف سوى جانب من وطاة المنتجية وسط الاستحالة وحافة الفناء، غير العارضة ، ولا التي كانت وجدت جغرافيا عفو الخاطر كما سيتبين من التكرار ومسارات التجربة الحية القاسية، ووطاة الزمن، ومساراته المتضمنة غرضا ومنطوى ظل من غير المتاح الاقتراب من مكنونه وماينطوي عليه.
العراق موضع خاصيات وحالة مجتمعية هي الوجه الاخر الخفي لتلك المعاشة على مر التاريخ احاديا، والتي تجعل من ظاهرة مثل "الدولة" من قبيل البداهة واللازمة التي لافكاك منها، لان العقل في حينه ماكان في وضع يؤهله لان يدرك ماوراء البداهة القريبة للملموس والظاهروالمشاهد، ومن هنا نستمد او نستخلص مايهمنا عند هذه اللحظة من انبثاقات الحقيقة التاريخية العظمى على المستوى البشري العام، تخص عراقيتنا وكونيتنا، وموقعهما في المسارات الكوكبية، أي مايمكن، لابل ما من البديهي ان نطلق عليه اكتشاف "الذاتيه الوطنية العراقية" الخافية، والباقية محجوبة من بدء تبلور الظاهرة المجتمعية في سومر والمعمورة الى اليوم.
ونحن نقارب هنا، او نشرع في الدخول الى الطور الأعلى من اطوار العقل وتفاعلاته، مع وفي قلب التصيّر التاريخي، الطور الذي ظلت البشرية وتظل على موعد معه، وبانتظاره، قبل ان تنتقل الى ماهو مقدرلها، وجرى تصميمها من قبل الغائية الكونية العليا لكي تبلغه وتصل اليه، وكما الحال مع مانحن بصدده، ودرجة خصوصيته واستثنائيته النوعية، يصح لزوما ان نجنب العقل الوقوع تحت وطاة النمطية الأحادية، بما يتعلق ب "الوطنية" والذاتوية الكيانية "المحلية"، فذاتية الازدواج التحولي ذهاب انقلابي كوكبي، لايتحقق محليا او كيانيا بحتا، لابل اشتراطا من نوع لايصبح ولايكون ممكنا، الا اذا قاربت المحلوية الكيانية والاحادية القومية الوطنية على الغروب والمغادرة.
وينطبق مثل هذا الحكم التحولي على حالة بدايات التمخض الازدواجي الرافديني /العراقي عند العتبة التي جرت مقاربتها في 1 تشرين 2019 عبر العلاقة المتبادلة بين الدلالة العملية الانتفاضية او شرارتها الأولى، والضرورة التفكرية الانقلابيه ، باعتبارهما متلازمتان الثانية من بينهما جوهر في الأولى، تبقى الثورة ابانها خارج ذاتها مادامت مرهونه بالاخص لاعتبارات ومنظور الفبركة الحديثة وبالأخص تلك المنحازه الى صف الثورة، وهي ومثيلاتها قاتل نموذجها الأول العشريني الخمسيني.
لن تبدا ثورة تشرين 2019 تصبح هي ذاتها عراقيا وكونيا، الا بعد ان تنزع عنها كليا ثوب الفبركة بكل صنوفه واشكال تجليه، كخطوة أولى ولزوم محتم، قبل ان تنتقل لرحاب عالمها المنتظر الغائب منذ سبعة الاف عام.