الرأسمالية الماحقة تنتصرعلى ماركس

أسبوع واحد 4 أيام ago

عبدالاميرالركابي
عند منتصف القرن التاسع عشر، وحين كان ماركس بصدد اكتشاف ماعرف بنظرية الصراع الطبقي، صار هذا المنطوى من العملية التاريخية المجتمعية ينذر واقعيا بمايتعدى الاكتشاف الموشك على التحقق، وبغض النظر عن نقيصة اخذ ماركس للعينة الاوربية وتعميمها على المجتمعات البشرية كافة، مع ماحمله تبسيط من هذا القبيل من اختزال للاليات التصيرية التاريخية المجتمعية على مستوى المعمورة، وقع "مفكر الاشتراكية" وصديقه ضحية نقيصة أخرى، مصدرها الانسياق وراء التسلسلية المراحليه، وحيث هو جعل للتاريخ تعاقبية خماسية، فانه قد حرص في خلاف الديالكيتيك على التكرار والمشابهة بين المراحل، فنظر اليها في العمق كوحدة تساوي بين المحراث والالة المصنعية ومنطوياتها، ولم يخطر له بحال نوع الانقلاب المرهون بالالة والانتقال من الإنتاج اليدوي، وبالاخص انعكاساته على الجانب الأخطر الذي هو معني به، أي على آليات"الصراع الطبقي" على وجه التعيين.
وما كان ماركس كما هو متوقع ليغفل بداهة عن الأثر الهائل للالة على العملية الإنتاجية، وعلى عموم الإيقاع الحياتي، ان لم يكن قد ذهب أحيانا لتعظيم هذه الناحية لدرجة التغني بها، الاانه لم يتجاوز ذلك الى ماهو ابعد من على صعيد ممكناتها بالمقارنة بماقبلها من مراحل تاريخية، فحصرها "ديالكتيكيا" ضمن مقتضيات الصراع الطبقي التي ترتقي لدية وخلال اجمالي نظريته، لمستوى القاعدة القياسية الأساسية للحكم، الامر الذي اوقعه فعليا بالارادوية الايديلوجية، واسهم لاحقا في جعل هذه الخاصية رئيسية، ان لم تكن الطاغية على فكر وعمل الماركسيين وابرزهم من بعده. وصولا الى ابتداع اشكال من المشاريع والتجارب الأقرب للاصطناع والارادوية الدوغمائية، مدعمين باختلاف الشروط ودرجة وتباين نوعية ومسارات التغير باتجاه الانقلاب البرجوازي.
لم يكن مما يمكن ان يخطر على بال شخص احادي البنية مفهوما وتاريخيا وارثا، ان يرى المحراث وقد انتج "سوبر محراث"، او "سوبر منجل وفاس"، ومثل هذه البداهة كانت قد منعته ان يتصور احتمال ان تنبجس الالة المصنعية عن وسيلة انتاج اعلى مثل "التكنولوجيا"،سوى الكيانية المجتمعية المفقسة خارج رحم التاريخ ومترتبات وراثتها للغرب الأوربي، بمقابل ذلك وتمشيا معه، لم يكن واردا ان يرى الاقطاعي مافوق طبقي، او متجه الى نفي وطاة العلاقة بينه وبين الفلاح كما تقررها العملية الإنتاجية الطبيعية، بماكان يجعل من المستحيل على السيد ان يطمح او يفكر بمصادرة وسائل الإنتاج ليحولها الى أداة إعادة صناعة للحياة والمجتمع، مثلما يمكن ان يفكر او يفعل البرجوازي والرأسمالي. واذن وعليه فان مايتبقى لنا وامامنا بناء لما يراه منظر "الاشتراكية"، وارفع ممثلي فكره من بعده مثل قائد الثورة الروسية لنين، معزوفة ارفع الحانها وقعا، ذلك الذي رسمه قائلا "الامبريالية اعلى مراحل الراسمالية" وليس ماينبغي قوله أي " الراسمالية الماحقة هي التطور الطبيعي للراسمالية".
ليس ابرز مافي الراسمالية اضطهادها للبروليتاريا، او حلبها لفائض القيمه، فهذا الجانب على أهميته يحل بموقع الحالة الموقته والانتقالية ضمن تطور الراسمالية وبنيتها ،واليات تطورها بحسب الممكنات التي تصير بمتناولها، ومتاحة لها بعد التطور النوعي في وسائل الإنتاج، الامر الذي يجعل منها مع الوقت "قوة تهديد للوجود البشري"، لامجرد قوة استغلال طبقية، والاهم في هذا او في تناقضات الرؤية بين الماركسية والحقيقة الناشئة منذ الثورة البرجوازية، كون ماركس قد وجه الأنظار الى ماهو ثانوي ووهمي في الحالة او التطور المستجد على اللوحة المجتمعية والطبقية، مصورا الثورة البرجوازية وكانها بعتبتين متلازمتين، راسمالية واشتراكية بالتعاقب، الامر الذي جعل العالم الحديث فعليا، عالم ثورة وانتقال اعظم، وتغييري من دون توقف، كما عاد وخطر ببال تروتسكي، احد معتنقي الماركسيه من اقران لنين ورفاقه المساهمين في الثورة الروسية عام 1917.
والأرجح ان العالم دخل المسار الانقلابي ابتداء من منتصف الالفية الثانية، وان اوربا كانت المسرح الطليعي ومنصة اطلاق الموجة الأولى الاعلى من مسارات الانقلاب العظمى التي ستعود مجسدة ومستقره، بعد ان تأخذ مدى يستغرق قرابة القرنين، يمتازان بتركيز النظر والاهتمام حول العالم الأوربي الحداثي واحتمالاته، ولن يكون من المستغرب مع دخول المعمورة عتبة الانتقال العظمى المنتظرة بعدالاف السنين ،ان تتوقف الاعتقادات والرؤية لتتركز عند مشهد منها بالذات، يكون مثيرا للقناعه على نطاق واسع، مع التركين على موضع من العالم باعتباره بؤرة التحول، قبل ان تتضح مناحي الخلل في الرؤية والافتراضات النابعه من والمواكبه لعملية الانقلاب الالي البرجوازي، وما رافقها ونجم عنها، او واكبها من انفجارية نهوضية شاملة على الصعد الحياتيه كافة، لم يكن من السهل وقتها عدم الوقوع تحت سطوتها بحيث يمتنع في حينه لحد التعرف على كونها احتماليات انية مغلقة، ومحكومة لاشتراطات مجتمعية أحادية، ليست قابله، ولامهياة بذاتها للاحتواء على مقومات وأسباب الانتقال التصيري التاريخي الفعلية على مستوى المعمورة.
واهم واكثر مناحي الظاهرة الغربية على هذا الصعيد، تتاتى من استمرار وقوعها الإجمالي تحت طائلة ظاهرة او خاصية التفارق العقلي المجتمعي، التي تواكب علاقه الانسان بالظاهرة المجتمعية من بدايتها، فتمنعه من الوقوع على، وادراك منطوياتها وطبيعتها، الامر الذي كانت اوربا وضمن نهضتها المنوه عنها، قد حققت مدخلا وانجازا استهلاليا باتجاه حله، انما من دون نجاح كامل يلبي الضرورة على هذا الصعيد، فظلت المجتمعات بصفتها أحادية وازدواجية كينونه ووجودا، غائبه عما عرف بعلم الاجتماع الغربي الحديث، او عن نظرية ماركس المادية التاريخية، ماكان له الأثر الأساس في منع العقل الغربي من الارتقاء الى مستوى الاليات الناظمه الفعليه للعملية الانقلابيه، لدرجة انه قد حد وعلى مستوى القطبين البرجوازي الراسمالي او الاشتراكي، من طاقتهما معا على الخروج من نطاق الأحادية التي هي صفة اوربا البنيوية، والصنف الذي تنتمي له من بين الأنماط المجتمعية الاساسيه( المجتمعات اما ازدواجية او أحادية دولة، او أحادية لادولة)، بغض النظر عن كونها الاعقد تكوينا والارفع دينامية من بين امثالها من نمطها.
نقص من هذا القبيل كان من البديهي ان يصور لشخص مثل ماركس افق الانقلاب الأقصى مرهونا بحدود بنيته المجتمعية التي ينتمي اليها، مع الحد الاقصى الممكن تخيله، او توقعه من انقلابيه ماكانت لتخرج عن حدود المجتمعية كظاهرة ازليه، غير خاضعه لاحتمالات، او لقانون انتهاء الصلاحية الامر الذي يضع ماركس خارج الراهنية المستقبلية، ويحيله الى الماضي الصراعي الطبقي في لحظة اختلال اسسه، ومع ان الماركسية وما أحاط بها ومااستدعته واستثارته من حركة شامله على مستويي الأفكار والعمل، كانت احد العوامل، او الأسباب المحفزة على تسارع وتيرة انفصال الراسمال عن عالم العمل، استنادا الى الالة وممكناتها، ذهابا من عالم المنتجية المجتمعية والتوافقية البيئية، الى نمط انتاج كسر العلاقة البيئية/ البشرية، وصولا لحقبة التدميرية الماحقة، وفي حين كانت الماركسية والقوى المناهضة للراسمالية تستعين بوسائل من الماضي، كانت الراسمالية وتحت الضغط المتعاظم داخل العملية الإنتاجية المصنعية وخارجها، تسعى الى اعتصار الالة والعبور الى مابعدها، مما كان له الأثر في بدء الانقلاب التكنولوجي، كما هو حاصل منذ أواسط القرن العشرين، وعلى اثر أزمات الراسمالية التدميرية القاتله، وغلبة الايديلوجيات والحروب، ماجعل العالم يقف فعليا وواقعا معاشا امام شعار "الراسمالية الماحقة اعلى مراحل الراسمالية"، وجعل الراسمالية بصيغتها المستجدة تنتصر على ماركس، وتبعده من نطاق العملية الصراعية هو وكل تفرعات نظريته.
مع بداية القرن العشرين، انتهى زمن الراسمالية، وصارت قريبة من الاندحار الكارثي داحل او ربا وعلى مستوى العالم، لقد كان لينين ابن تلك اللحظة، وبداياتها هو ومن كان معه وجاء بعده من معسكره من بناة اشكال النظم غير الراسمالية التقليدية، شرق اوربا واسيويا، وتلك اشتراطات ضمن تطور الراسمالية، تذكر بالاشتراطات المصنعية الصراعية الأولى التي بزغ ابانها وضمن شروطها ماركس ونظريته، والمحطتان انتهيتا الى تجاوز الراسمالية مازقها الانتاجوي على حساب متبقيات العلاقة العضوية البشرية بالطبيعة، ماكان قد فتح الباب امام انهيار نموذج اللينينية، او التطبيق الماركسي الممكن، وأتاح الاشار الى "نهاية التاريخ"، بمعنى نهاية الاليات المجتمعية، وقبلها منذ السبعينات ظهور مصطلح "القرية العالمية"، وكتاب برجنسكي "بين عصرين: أمريكا والعصر التكنتروني" لقد انقذت أمريكا الراسمالية العالمية، بان اعادتها للحياة بعد موتها، ابان الحرب العالمية الثانية أولا وبما منحته لها من الدفعة التكنوليوجية ثانيا حيث الخطوة الأهم الأخطر والأكثر كارثية ضمن مسارالتحكم الالي بالعملية الإنتاجية، وبالكائن البشري، بغض النظر عن احتمالات محقه، وازالته من على الكوكب الأرضي.
تواجه البشرية والكوكب الأرضي اليوم مع مامعروف ب "العولمه"، احتمالية الفناء عن طريق تدمير البيئة وخلخلة اشتراطات الحياة البشرية وقانون "الراسمالية الربحية او الفناء" حيث لااثر اليوم، ولا فعالية تذكر لماكان ماركس ولنين قد ارسياه خلال الطور الأول المصنعي من اشكال انتقال محتمله الى مابعد الراسمالية، وحيث الصراع والتغيير ينتقل خارج النطاق المجتمعي الأحادي، ليدل على حقيقة كونه أصلا، وفي الابتداء، خاضع لمحركات التحولية التاريخية كما كان عليه الامر منذ اليوم الأول لظهور المجتمعات.