(عنف الدولة) في كتاب (تحديات العنف)

شهر واحد أسبوعين ago

علي جابر الفتلاوي

(عنف الدولة) هو أحد المواضيع التي بُحِثت في كتاب (تحديات العنف)(1) للاستاذ المؤلف ماجد الغرباوي(2) يقول الباحث (ص177) من كتابه، وننقل كلامه مختصرا دون الإخلال برؤى الباحث:

يمثل عنف الدولة أحد الأخطار المستعصية التي عانت وما تزال تعاني منه غالبية الشعوب، وتكمن خطورة هذا اللون من العنف، كون الدولة ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وهي مركز السلطة والقوة والقرار، وتسبّب عنف الدول في تخلف مجتمعاتها ثقافيا وحضاريا، إذ تداعيات الارتكاز إلى العنف منهجا في التفكير السياسي، واسلوبا في الحكم، لا تقتصر على اقصاء المعارضة وقمع الرأي الآخر فحسب، بل إن العنف ينغرس في اللاوعي للشعوب، بحيث يقضي على خيارات تسوية الخلافات بالحوار بين مكونات الشعب الواحد، ويحصرها في اسلوب واحد هو العنف، وحينئذ لا يجد الفرد مبررا للعدول عن العنف ما دامت جميع الأطراف بما فيها السلطة السياسية تلجأ إليه.

عنف السلطة ينتج تخلف المجتمع بسبب الممارسة الطويلة للعنف والاستبداد الدموي، ربما لا يتجاهر الأفراد في استخدام العنف المسلح خوفا من ارهاب السلطة وبطشها إلّا أن سلوكهم واساليبهم تطفح بأنواع أخرى من العنف، ومثل هذا الشعب سيعاني طويلا حتى يعود إلى مائدة الحوار والتخلي عن العنف بجميع أشكاله، ولا يتحقق هذا الأمر بسهولة، إذ لابدّ من توفر أجواء وثقافة تساعد في تخطي محنة العنف والعنف المضاد، بعض الشعوب استطاعت تخطي هذه المشكلة، و (نأت بنفسها عن العنف في علاقاتها الداخلية).(3) وبات العنف بالنسبة لهذه الشعوب شيئا مكروها، لكنّ مثل هذه الشعوب مرّت بمخاضات صعبة قد امتدت لمئات السنين. (حتى أصبح متعذرا على دول تلك الشعوب اللجوء للعنف، في علاقاتها الخارجية فضلا عن علاقاتها الداخلية، مالم تتوافر على مبررات قانونية كافية وتضمن قناعة الأغلبية؛ وتمثل هذه الدول اليوم سلم الرقي الحضاري حكومة وشعبا، ونموذجا تطمح إليه بقية الشعوب.)(4) ويضيف الباحث الغرباوي:

الدول المتخلفة ظلت تعاني استبداد السلطة السياسية وتكريس القوة، وممارسة العنف ضد الشعوب، بعد انتاجه وتصديره، والتحايل في ممارسته بصور بشعة وأساليب شتى، وليس الوضع غريبا على المنطقة، بل أنّ ماضي الدولة تأريخ طويل من معاناة الشعوب والظلم والاضطهاد والتسلط والدكتاتورية والاستبداد. ومنذ أن تحولت الدولة إلى ملك عضوض على يد الأمويين والعباسيين، إذ بدأت السلطة المتمثلة بشخص الخليفة تمارس العنف عملا يوميا ضد المعارضة، واستمر هذا المنهج في عهد الدولة العثمانية المتمثلة بشخص السلطان، والدولة الفارسية ويمثلها الشاه، إذ سارت دولة الخلافة الأموية والعباسية، وكذلك دولة السلطان والشاه بمنهج واحد، هو الاتكاء على العنف والسيف وقمع المعارضين، وممارسة إرهاب السلطة حتى امتلأ التأريخ بأحداث جارفة اتسمت بالمواجهات والتمرد والقمع والقسوة والخوف والقلق، وأضاف الاستاذ ماجد الغرباوي:

عندما توفر فقيه السلطة تولى بنفسه شرعنة وتبرير ممارسات الحاكم التعسفية ضد شعبه وضد خصومه السياسيين. فمثلا تجد المعارضة عبر التأريخ توصف، وفق منطق الفقه السلطاني، بالفئة الباغية، العاصية، المارقة، الكافرة؛ ويوصف الشعب بأوصاف مثل رعية السلطان وعبيده ومواليه، فهو ولي أمرهم ونعمتهم، يغدق عليهم عطاياه ومننه، فهو أمير المؤمنين، القاضي بالحق، المنصور بالله، المتوكل على الله، أمين الله، يُحرَم الخروج عليه ولو كان فاسقا أو فاجرا أو قاتلا أو مقترفا للموبقات والكبائر. أخيرا يرى الباحث الغرباوي: أن (الدولة منذ تشكلها على يد الأمويين نجد أنها تنحصر في اشكاليتين متداخلتين، الأولى: اشكالية الفكر السياسي والتنظير الفقهي لنظام الحكم والسلطة. والثانية: اشكالية الممارسة السياسية المتمثلة بالحاكم أو رئيس السلطة السياسية ومن ينوب عنه أيا كان اسمه (خليفة/ سلطان/ شاه/ والي)..)(5)

بعد عرض الموضوع رأيي كقارئ، أنّ الاستاذ الباحث ماجد  الغرباوي، قد عرض الموضوع من حيثيات واتجاهات مختلفة، وهذا يُفصح عن قدرة الباحث الفكرية من جهة، وتنوع ثقافته وسعتها في الميدان الفكري من جهة أخرى. ذكر الباحث الآثار التي يتركها العنف على الشعوب، قال أنّ أهم آثار العنف الذي تمارسه السلطة، أنّه يخلق حالة من التخلف لدى الشعوب التي تعيش في أجواء العنف، وهذه إحدى النتائج التي توصل إليها الباحث، وهي نتيجة سليمة في رأيي، العنف والكبت الشديد يولّد عادات لا تخدم المجتمع ولا تواكب الزمن، ما يعنيه الباحث أن عنف السلطة هو سبب والتخلف عند بعض الشعوب من نتائج هذا العنف.

يستنتج الباحث الاستاذ الغرباوي، أن من يعيش أجواء العنف فترة طويلة يصبح سلوك العنف جزءا من بناء الشخصية، يوظفه الفرد في اتجاهات عديدة.

أرى الباحث مصيب في هذا الاستنتاج، والدليل أن بعض العادات والسلوكيات عند بعض شرائح المجتمع أي مجتمع، ومنها عادة الأخذ بالثأر هي نتيجة الألفة مع عنف السلطة لسنوات طويلة إذ خلقت حالة من التطبع التي تبدو عند الممارس لهذه العادة طبيعية ومألوفة، وهذا ما أكده الاستاذ الباحث الغرباوي بقوله: ربما لا يتجاهر الأفراد في استخدام العنف المسلح خوفا من ارهاب السلطة وبطشها، إلّا أن سلوكهم واساليبهم تطفح بأنواع أخرى من العنف؛ لم يبين لنا نماذج من هذه الأنواع الأخرى، في تقديري أنّ عنف الزوج مع زوجته أو أولاده أو مع أفراد المحيط الذي يعيش فيه، هي من الأنواع الأخرى للعنف، ومن نماذج عنف السلطة رأَينا أو سمعنا كيف كان صدام يتعامل مع معارضيه؟ القتل على الشبهة أو على كلمة تفوه بها الآخر، وعنفه هذا تعامل به حتى مع أفراد حزبه الذي ينتمي إليه. رأي الباحث أن هذا الاسلوب العنفي يقضي على خيارات تسوية الخلافات بالحوار، متوافق مع الباحث الاستاذ الغرباوي، واستنتاجه سليم ومصيب.

الأمر الآخر الذي يستنتجه الباحث أنّ ظاهرة العنف تعود لأسباب تأريخية، إذ يرى أن العنف بدأ منذ تحولت الدولة إلى ملك عضوض حسب تعبيره على يد الأمويين والعباسيين، ومن بعدهم العثمانيون والصفويون. استنتاج صحيح، ونضيف أنّ الحكومات التي تأسست لاحقا، سارت في نفس المنهج العنفي الموروث، إذ تحولت إلى مالكة ووارثة للدولة بكل مفاصلها ومؤسساتها وثرواتها، بل يشعر الحاكم أنّ شعب تلك الدولة مملوك له أيضا، سواء كان الحاكم رئيسا أو ملكا أو سلطانا أو أميرا، وكل واحد منهم يسلّم الحكم إلى الذي يليه من عائلته حسب اختياره، في تقديري أن أغلب الشعوب العربية والاسلامية لا زالت تعيش هذه المحنة إلى اليوم. نرى بعد أن يطرح الباحث رؤيته في إرجاع ظاهرة العنف لأسباب تأريخية يطرح مسألة أخرى مهمة لها علاقة بعنف السلطة، وهي مسألة دور الفقيه أو الواعظ الديني في قضية العنف، يرى الباحث أن فقيه السلطة تولى بنفسه شرعنة وتبرير ممارسات الحاكم التعسفية ضد شعبه وخصومه السياسيين.

رؤية الباحث سليمة وصحيحة وواقعية، وقد أكد هذه الحقيقة باحثون مختصون في دراسة طبيعة المجتمع، منهم الباحث الدكتور علي الوردي رحمة الله تعالى عليه، إذ ألّف كتابا مستقلا في هذا الميدان اسماه: (وعاظ السلاطين)، كذلك تناول تفاصيل عن عادات المجتمع العراقي التي تأصلت بسبب عنف السلطة في كتابه الآخر  المسمى: (لمحات اجتماعية من تأريخ العراق الحديث) المكون من ست أجزاء، كقارئ أتوافق مع الباحث الغرباوي في رؤيته عن الواعظ أو الفقيه السلطاني الذي يفتي حسب رغبة الخليفة أو السلطان الحاكم، الواعظ السلطاني يطوّع الدين حسب مزاج ورغبة واتجاه السلطان، فورثنا دينا رسميا لا يعكس صورة الإسلام الانسانية الحقيقية.

أخيرا لا اتوافق مع الاستاذ ماجد الغرباوي في إطلاق عنوان (عنف الدولة)، أرى المناسب أن يكون العنوان (عنف السلطة)، لأن السلطة التي تمارس العنف، هي أحد مفاصل الدولة، ومفهوم السلطة يختلف عن مفهوم الدولة، ولو أن الباحث الاستاذ الغرباوي أثناء عرضه للموضوع يطلق تسمية عنف السلطة في بعض المواضع.  وهذا يعني أنّ هناك خلطا بين المفهومين عند الاستاذ ماجد الغرباوي حسب تقديري. أخيرا أشير أن الاستاذ ماجد الغرباوي لم يتطرق لدور (وعاظ السلاطين) في إنتاج الفكر الارهابي الذي تتبناه منظمات الارهاب اليوم، والذي اسموه الفكر الجهادي. هذا الفكر المنحرف انتج جرائم منظمات الارهاب بمختلف مسمياتها؛ إذ أباح هذا الفكر المدعوم من وعاظ السلاطين، قتل الآخر لأنه مختلف؛ يقوم دعاة هذا الفكر العنفي بملاحقة وقتل المختلف، حتى لو كان منتميا لنفس الدين والمذهب، فهو فكر دموي في خدمة السلطان مهما يكن عنوانه ملكا أو رئيسا أو أميرا، المهم أنّه يحمل شارة السلطة ويرتدي زي الاسلام زورا، وقد سمعنا جميعا بمقتل خاشقجي وتقطيع جسده من قبل السلطة السعودية في قنصليتهم باسطنبول، رغم أن خاشقجي ينتمي لنفس مذهب السلطة السعودية، لكنّه معارض والمعارض وفق فتوى فقيه السلطة حكمه القتل، هذا الفكر إضافة إلى أنه يبيح قتل المختلف في الرأي، يبيح أيضا سبي النساء وانتهاك أعراضهن حتى وإن كانت النساء من نفس المذهب، وهذا ما قامت به منظمات الإرهاب من القاعدة وداعش، ومنظمات بعناوين أخرى تنتمي لنفس الفكر السلطوي المدعوم من الواعظ والفقيه الذي يخدم السلطان، مهمة فقيه السلطة تطويع الدين حسب ما يشتهي السلطان، هذا الفكر المدعوم من فقيه السلطان، يشوّه صورة الإسلام بما يقوم هؤلاء الارهابيون من أفعال شنيعة،إضافة إلى أنّه يلبّي أهداف إسرائيل، والدول الطامعة الاستعمارية الأخرى مثل أمريكا، لهذا نرى أمريكا واسرائيل وحلفائهما قد احتضنوا الاسلام السلطاني، ودعموه بمختلف الوسائل لتحقيق مصالحهم، وكان من نتائج هذا الدعم، أن أقدمت سلطة العنف على إعلان التطبيع مع إسرائيل، وقد تحققت هذه النتائج بسبب دعم الفقيه لسلطة العنف. أخيرا أقدم تقديري واحترامي للاستاذ الباحث ماجد الغرباوي على جهوده الكبيره في خدمة الفكر السليم والصحيح المتوافق مع أصالة الإسلام وإنسانيته، وأشكره على ما يقدم من جهود في هذا الميدان، كما استميحه عذرا إن لم أتوافق معه في بعض المواقف، ولابدّ من الإشارة وحسب معلوماتي، أن الاستاذ ماجد الغرباوي هو أحد ضحايا عنف السلطة في زمن المقبور صدام حسين.

عرض وتعليق: علي جابر الفتلاوي

.....................

المصادر

(1): انظر: الغرباوي، ماجد، تحديات العنف، إصدار معهد الابحاث والتنمية الحضارية، بغداد، الطبعة الأولى، العارف للمطبوعات، بيروت، (1430هج – 2009م.)

(2): الاستاذ ماجد الغرباوي مغترب عراقي يعيش في الوقت الحاضر في استراليا، تعرفت  عليه من خلال صحيفة المثقف الالكترونية كونه المشرف على الصحيفة، باحث أصدر عددا من الكتب، منها: (تحديات العنف) ، (مدارات الكون السردي) ، (مدارات أيدلوجية). وهي من مقتنيات مكتبتي الشخصية، إنّه حقا شخصية عراقية مفكرة تستحق التقدير والاهتمام.

كتبت صحيفة المثقف عنه في العدد (5000) في 14/5/2020: ماجد الغرباوي باحث في الفكر الديني يسعى من خلال قراءة متجددة للنص الديني تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، من أجل فهم متجدد للدين كشرط أساس لأي نهوض حضاري، متخصص في علوم الشريعة والعلوم الإسلامية، مؤسس ورئيس مؤسسة المثقف العربي في سيدني – استراليا، أصدر عدة كتب .

صفحة المثقف