الماركسية كعتبة تمهيد للتحوليّة

4 أشهر ago

عبدالاميرالركابي
ليس في الماركسة مايوصل بينها وبين "التحولية"، والحديث هنا يشتمل على ظاهرتين من عالمين منفصلين تماما، ومع هذا ورغمه وفي الواقع العملي، ثمة مايجبر المراقب على توخي درجة الايقاعية الممنكة التحري لابل الواجبه بين محطتين تبدوان متلازمتين مع انهما غير قابليتين للإشارة بذاتهما الى بعضهما البعض، في الماركسيه نكون في حالة إدارة ظهر كليه لاي احتمالية خارجه عن الثنائية الطبقية والتصارعية بينهما، ثمة ايمان مطلق يقف وراء موضوعاتنا حين نكون الى جانب ماركس، الأهم فيها انها لاتسمح على الاطلاق باية اطلالة لمايمكن ان يعود للماضي او ينتسب له، فالماركسية هي مستقبل صاف، مستقبل من نوع مافوق مستقبلات في حال وجدت، او جرى التفكير بها واقتراحها.
الشيوعية !!! ياله من انقلاب يتعدى المذهل ويصدم التماعات الخيال، أي اقتراح للمصير البشري يتم هنا القول بانه صار وشيكا، وانه فوق ذلك صار اليوم من المحتمات المقررة بقانون وبما هو مضمر لافي العملية الاجتماعية منذ ان وجدت وصممت ( لااحد يجب ان يسال هنا سؤالا من قبيل او يدخل في باب من فعل هذا وقدره ولماذا؟) فالاشياء مصممه بالقيراط، ومنتظمه ومحبوكة( كاريكيتيريا) بحيث تؤدي لنهاية ونتيجه بعينها، ذلك قدر يصير واجبا علينا ان ناخذه كما ناخذ دوران الأرض حول الشمس، والقمر حول الأرض، من دون التساؤل حول الغرض والغاية، فضلا عن الفاعل الخفي، اما ماركس نفسه فهو هذا العقل الجبار الذي اكتشف لنا، ونيابة عنا، الحقيقة التي توازي، وربما تواكب سباحة الكوكب الأرضي في الفضاء، وكرويته، ودورانه الابدي.
ثمة ناحية يمكن نسبتها للاستثناءات، او المخالفات الأساسية، التي لاترد على البال بسبب قوة المشابهه، او حضورها وان الجزئي الموحي، تلك التي قد تكون مضمرة في الظاهرة المجتمعية اكثر مما لافي الظواهر الطبيعية الالية، والتي اليها تنتسب كروية الأرض ودورانها حول نفسها، أودوران غيرها حولها، على سبيل المثال، لايمكن ان نتصور بان للأرض دوران حول الشمس ظاهر يخفي خلفة دورانا اخر غير مرئي وكامن، مثل هذا الافتراض مستحيل قطعا بين الكتل الهائلة الضخامه والجامدة المنتشرة في الكون.
لكن الامر ليس هو نفسه، وحتما، وبمثل هذه الأحادية، بما خص العملية الاجتماعية، وبالذات "الصراع الطبقي" الذي عرفنا اليوم انه يكتنفها ويحكم صيرورتها، والأكيد ان الامر هنا لايشبه القول بالجاذبية وبالصراخ "وجدتها وجدتها"، ولا بالنسبية وعلاقة الكتلة بالسرعة، او حدود السرعة، وماركس هو من دون شك اقل حظا من نيوتن وانشتين بما لايقاس، هو سيستفيد من ألَقِهم وظهورهم المفاجيء المدوي والانقلابي قياسا للعقل المجرد، و باعتباره ابن نفس زمنهم بغض النظر عن كونه هو نفسه من دونهم، موجود عند الخط الذي يحتمل، لابل ينطوي على ظلال تنتسب لعالم المغامرة والإحباط، السحر والفراغ، علماء الطبيغة ليسوا من نوع يمكن ان يكون غير ذاته، أوموجود لتلبية أغراض ومسببات انبثاق مابعده، فلايمكن لاكتشاف سرعة الضوء باعتبارها حدودا للسرعة والكتلة، ان يكون مقدمه لمقياس ضوئي اخرخاف مؤقتا، على الأقل مادمنا ضمن العالم المرئي، والشيء نفسه ينطبق على الجاذبيه، هذا اذا تحدثنا عن مدركات العقل الحالي، تاركين احتمالات الصيرورة ومايمكن، او قد تخبئه لنا.
في الظاهرة المجتمعية ذلك ممكن، والصراع الطبقي الماركسي يمكن ان لايكون هو بالفعل القانون الناظم للصيرورة المجتمعية،كما لايستبعد ان يكون دالة واشارة الى غيره، والى قانون اخر مضمر خلفه وخاف، وهذا خرق صريح للقاعدة المكرسة من قبل الغرب، ولما سيّده خلال العصر الحديث من مفهوم "الحداثة" والتقدم المطلق، المرتهن لظاهرته وبكمالها على الصعد كافة، ما يتلازم مع الاستبعاد المطلق والقاطع لاية احتمالية من شانها التشكيك بكمال الظاهرة الغربية، الامر الذي ماكان للعقل وقتها الانتقال اليه قبل الأوان، وقبل ان تتوفر أسباب الخروج من قانون التفارقيه العقلية المجتمعية، وتوقف الأخير دون الوقوع على مضمر ومنطوى الظاهرة المجتمعية وحقيقتها.
الحداثة الغربية "حداثة ناقصة"، مشوبة بقوة حضور الماضي وهيمنة وسطوة معاييره وقصوره، وهي خطوة هامه انتقالية ضمن عملية "تحديث" وانتقال اشمل بين زمنين، لم يكن من المستغرب او البعيد عن التوقع، ميلها الى الاطلاقية، وتسويق منجزها على انه المنتهى والقمة الأخيرة والعليا ضمن مجريات التاريخ، وتصيرات الظاهرة المجتمعية على مستوى الكوكب، فهي بالفعل، وكانت تنطوي على كل مقومات الاعتقاد بالخصوصية والنهائية العليا بالنسبة لذاتها، وبحسب مقياسها النابع من نطاق وحدود حقيقتها وزمنها، حتى وان كانت مؤقته وانتقالية، ومحطة واجبة وضرورية بحسب المقياس التاريخي والمجتمعي الاعم على مستوى المعمورة.
زاوية النظر هذه للظاهرة الغربية الحديثة تقتضي، وهي مؤسسة على الاخذ بالقانون القائل بان المجتمعات والظاهرة الحية البشرية، محكومة لاليات"التحوّل" لا "الصراع الطبقي"، وهي كانت بالاصل منطوية بنية وكينونه واليات، على ماياخذ نحو، ويفضي الى الانتقال من المجتمعية الى مابعد مجتمعية، ومن "الانسايوان" الى "الانسان"، ومسارات هذا المجرى التصيري اقتضت دورتين تاريخيتين كبريين، انتهيتا أخيرا عند النصف الثاني من الالفية الثانية بطور الانتقال التحولي الأكبر المتعدي، الموكول لحالة "التفارقية الرباعية" ومحطتها المنطلق الأساس والاكبر الموكولة لاوربا وانقلابها البرجوازي الالي، اعلى وارفع واخر اشكال وممكنات صعود المجتمعية الأحادية على مستوى المعمورة، السابقة والممهده.
سردية كهذه اذا اعيد النظر لماركس بضوئها فانه سيتغير،زمنا ودلالات ووظيفة وموقعا ضمن الانتقالية الالية البرجوازية الغربية وقد اخذت باجمالها كمحطة انقلابية تمهيدية، وجدت بحصيلة التصيرية التاريخية والتفاعلية المجتمعية الكوكبية السابقة عليها، واللاحقة المتفقة مع سياقاتها، وقد تجلت في الموقع الأحادي الانشطاري الأعلى، الطبقي ضمن نمط المجتمعات الأحادية، أي في موضع "التحولية الدنيا" بمقابل " التحولية العليا" الغائبة، والتي ماتزال حتى حينه خارج الإحاطة العقلية، أي ان ماركس هو ممثل التحولية الناقصة المقفلة، ومن قد جاء متاخرا ليشير الى، ويعين للمجتمعات هدفا وغاية عليا، هي "اللادولة" كاقصى مايمكن ان يتصوره في مجتمع احادي كمجتمعه الذي هو منه، ذلك مع انه هو نفسه يقرر بان الشيوعية كانت افتتاحا لمجتمعه، وانها بداية كما ستكون نهاية وختام، دون ان بتسنى له التعرف على حقيقة ان مجتمع اللادولة هو نمط مجتمعي، وانه حاضر في حالة ارض مابين النهرين بصفته عنصر كينونة ثابته عبر الدورات التاريخية، بما يجعل من هذا النوع من المجتمعية والدولة اقل من ان يكون هدفا بحد ذاته، او يصيرمن قبيل المنتهى المجتمعي والخاتمه التاريخية.
بين "التحولية الدنيا" و"التحولية العليا" مسافة ضخمه تعينها رؤية اللادولة كباب انتقالي مفض الى اللامجتمعية، لا كما يفعل ماركس وهو يسعى تحت وطاة احاديته، الى إعادة تكريس المجتمعية باللادولة، واللاطبقات، كمنتهى للمجتمعات الطبقية، ثمة مرحلة أخرى منسية لاحقة على مخطط ماركس التاريخي الخماسي، تجعله محكوما لانتظام غائي مهيمن على حركة وفعالية واليات التصيّر المجتمعي على مستوى المعمورة، يجعلها ذاهبة الى التحولية، والى انتفاء زمن المجتمعات، وحلول الطور اللامجتمعي محله، طور الانفصال الجسدي العقلي، وبداية الانتقال الإنساني الى الاكوان العليا، تحقيقا لغايات الكون غير المدركة الى الان، وكما هي مصممه من لدن "التدبيرية الكونية العليا"، وتنظيمها المحكم، ذلك الذي وجد ماركس شبيها له متضمنا في قانون "صراع الطبقات" و"المادية التاريخية" الذي يكتشفه ويصمت، فلا يقول لنا من اين جاء وما مصدره .
ليس الغرض من وجود المجتمعات كظاهرة ضمن الصيرورة الكبرى الحية، ذهاب هذه الى اللادولة، او المجتمعية غير القابلة للتجسد ارضويا، فتلك هي احدى اهم اشكال المجتمعية وأكثرها فعالية على مر تاريخ التصيّر المجتمعي السائر الى التحوّل، أي الى مايتعدى حدود تصور ومعتقد ماركس، الذي هو بالأحرى احد الشكلين الرئيسيين الابرز خلال فترة هامه وانقلابيه، واللذان يكرسان الماضي والياته، في الوقت الذي يصورانه كمستقبل في غير زمنه وعند لحظة تبدل قواعد الحركه المفترض ان تفضي اليه، مايجعله / أي الخيار الماركسي/غير قابل للتحقق بناء لمخالفته إيقاع وتمظهر الاليات التصيرية الاشمل داخل المجتمعية الطبقية الاوربية نفسها بعد ان تكون الياتها قد لحق بها تبدل اساس.
هل الموضوعات والمنطلقات الماركسية وبمقابلها نقيضها البرجوازية الراسمالية، يعكسان حقيقة الاليات الصراعية المستجدة على اللوحة الطبقية ابان الانقلاب البرجوازي وزمن مغادرة الاقطاع والإنتاج اليدوي؟ لقد تعود العالم اجمع، وكل متابعي شؤونه خلال عقود طويله من عمر الحقبة الراسمالية والاستعمار،على جعل السوق الراسمالية قانونا عالميا، وشرطا متغلبا على المجتمعية البشرية كافة( راه ماركس مجسدا بمدفعية السلعة)، بحيث صار مثل هذا الالتحاق وتاريخه بمثابة لازمة ودالة تحقق فاصلة من زمن ولحظة الانضواء تحت خيمه الراسمالية على مستوى المعمورة، فلم يرد على البال حتى مجرد التساؤل حول احتمال انكسار واختلال الفعالية الطبقية مع انتقالها الى الالية، هذا عدا عن الذهاب الأقرب للمستحيل، الى النقطة الابعد الحرجة التي قد تقترح، بخلاف كلي قاطع مع الشائع، القول بخضوع اوربا المنشطرة طبقيا، ومع الثورة البرجوازية فيها، لقانون التحولية الكامنة بدل قانون الصراع الطبقي الظاهر، الامر الذي يقلب كليا وتماما اجمالي مخططات النظر والتصورات المتعلقة بالحداثية الغربية، والغرب ومصيره، ومالات تاريخيه الراهن هو ومجمل المعمورة.
يوم وصلت اوربا عتبة الثورة البرجوازية والراسمالية، دخل العالم طوره الأخير الممهد للتحولية، وصار قانون التحولية المجتمعية هو المهيمن الغالب، في حين وجدت الراسمالية وكل متعلقاتها ومنها وبمقدمها، مضادها الماركسي، لكي تلعب دورالتمهيد الأخير والنهائي السابق على لحظة وزمن الانتقال الى التحولية.

ـ يتبع حلقة ثانية ـ