لقطة تراثية 2: بين الفلسفة والفن في الأندلس 

تمثال لابن رشد في قرطبة
شهران أسبوعين ago

علاء اللامي

يخبرنا صاحب "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب / مج1 ص 463" بما قاله الفيلسوف ابن رشد في مناظرة له مع الطبيب المعروف أبي بكر بن زُهر، قال (إذا مات عالِم في إشبيلية فأريد بيع كتبه حُملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حُملت إلى إشبيلية)! ورغم أننا لا نعرف على جهة التدقيق سياق ومناسبة هذه المناظرة، ولكننا يمكن أن نرجح أنه إنما أراد إيصال فكرة مفادها أن الثقافة وشؤون الفكر كانت مزدهرة في قرطبة أكثر من إشبيلية، أما شؤون الفنون فمزدهرة في إشبيلية أكثر من قرطبة. ولكننا لو بحثنا بين سطورها عما يسميه النقاد وعلماء اللسانيات "المسكوت عنه"، فلن نجد أكثر من ذلك. وإذا زدنا عليه بالتأويل فقد نجد شيئا من التباهي بالفكر والثقافة القرطبيتين من قبل الفيلسوف العقلاني في مواجهة الطبيب الإشبيلي المذكور والمعروف هو الآخر بإنجازاته في ذلك العصر لدى الأوروبيين.
وبالعودة إلى لقطتنا التراثية نقول: إن هذه المقولة الرشدية تختلف تماما عن مقولة شعبية شائعة قد تشبهها شكلا وتقول (القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ) فهذه المقولة تنطوي على ثلاث إحالات سلبية قد لا يكون القائل قصدها ولكنها واضحة في معاني الكلام. الإحالة الأولى للمصريين لأنهم وفق هذه المقولة لا يقرأون لكتابهم المصريين بل لغيرهم، أو أنهم لا يقرأون لهم ولا لغيرهم وهذا محال. والإحالة السلبية الثانية في أنها تجعل اللبنانيين مجرد عمال مطابع يطبعون ما يؤلفه الكتاب المصريون ويقرأه العراقيون فلا هم ألفوا شيئا ولا هم قرأوا ما يطبعون، وهذا غير صحيح تماما؛ فحركة التأليف والترجمة في لبنان لا تقل عنها في أي من البلدان العربية الأخرى.
والإحالة الثالثة تخص العراقيين، فرغم المديح السطحي لهم في هذه المقولة بأنهم قراء جيدون، ولكنها تشطب على كتابهم وعلمائهم ومؤلفيهم وعلى إنجازاتهم وكأنها لم تكن، وهذا ظلم كبير للثقافة العراقية - يساهم فيه المصابون بنوع من المازوخية الثقافية وجلد الذات والدونية الحضارية ممن يجهلون أن موسوعة واحدة ألفها العراقي د. جواد علي - على سبيل المثال- تعدل مكتبة كاملة ولا تستغني عنها مكتبة أو باحث في التاريخ والثقافة وعلوم الأديان والمجتمع...إلخ، وأعني موسوعة "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"! وعلى الرغم من أن هذه المقولة غير دقيقة مضمونا وأحكاما، كما بينت، ولكنها لا تخلو من بصيص من الحقيقة: ففي عقود الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي نشطت حركة التأليف والطباعة والنشر والقراءة في الدول العربية وخصوصا في مصر والعراق وبلاد الشام ولكل بلد من هذه البلدان مساهمته في التأليف والطباعة والقراءة ولكن بيروت تميزت بسبب أجواء حرية التعبير النسبية بأنها كانت تطبع ما لا يطبع في القاهرة أو بغداد لهذا السبب السياسي أو ذاك.
*استدراك: عُرف الطبيب أبو بكر بن زُهر بمؤلفاته وإنجازاته الطبية لدى الأوروبيين وخصوصا في عصر النهضة - من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر- باسم أفينزوار (Avenzoar)، أما الفيلسوف العقلاني العظيم ابن رشد فكان يعرف عندهم بآفيروس (Averroes). وعن تأثيراته في الفكر الأوروبي نقرأ (كان لابن رشد تأثير قوي على الفلاسفة الأوروبيين المسيحيين أمثال توما الأكويني. وعلى الرغم من ردود الفعل السلبية من رجال الدين اليهود والمسيحيين إلا أن كتاباته كانت تدرس في جامعة باريس وجامعات أوروبا، وظلت المدرسة الفلسفية الرشدية مهيمنة في أوروبا الغربية حتى القرن السادس عشر الميلادي. وقد قدم في كتاب "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" مسوّغاً لتحرير الفلسفة من اللاهوت الأشعري، وبالتالي عدّ بعضهم الرشدية تمهيداً للعلمانية الحديثة/ أحمد جميل وعبد الوهاب المسيري).الصورة: تمثال لابن رشد في مدينة قرطبة.